منذ أن وعى الإنسان ذاته وعرف من يكون وهو في صراع متواصل متصاعد مع نفسه، ويسعى لتطوير ادوات الصراع المادية والمعنوية، وتحسين مهارات الكَرِّ والفَرِّ، وتوسيع مساحة الابادة ضد الخصم، آملًا أن يقضي قضاءً مبرمًا على الخصم حتى تطمئن نفسه، ولكن لسوء حظه فإن وعيه بذاته يراوغ ولا يدله على ولا يحذره من أن خصمًا جديدًا سيولد من رحم ذاته.. يتوالد الإنسان ويتكاثر، ويتوالد الصراع معه من ذاته ويتصاعد، وهذه هي المأساة الكبرى التي مازال يعيشها الإنسان إلى اليوم.

جميع أنواع الصراع في حاجة إلى أدوات معنوية لتحفيز النفوس ورفع الروح المعنوية وتعطيل المَلَكَةِ العقلانية حتى يتحول الإنسان، المراد زجّه في الصراع، إلى مجرد هيكل مادي على شكل إنسان غايته القصوى أن يبيد خصمه دون رحمة، أو يخضعه لإرادته، وفي الوقت نفسه يقدم نفسه ضحية بصدر رحب، وإذا خرج من الصراع حيًا إو منتصرًا فهو البطل المغوار، وإذا قُتِلَ في ساحة الوغى فهو البطل الشهيد، وإذا انهزم فهو البطل الاحتياطي لصراع ما بعد الهزيمة. هذه الأدوات المعنوية تدرجت وتطورت من مجرد صرخات ومن ثم كلمات منمقة فيما يشبه الأناشيد الحماسية، وبعد ذلك مع تطور اللغة انبثق الشعر بوجوهه البلاغية المؤثرة، ومن تطور اللغة إلى جماليات الشعر وإرهاصات الفكر تولدت نماذج عقائدية استحوذت على مجمل ذهن الإنسان من تركيبته العقلية والنفسية، واليوم مع تطور تكنولوجيا الاعلام، أُدْخِلَتِ الادواتُ المعنوية كلها، من الصراخ إلى العقيدة، في ساحة الصراع مع إضافات من فنون الدعاية وصناعات السينما والتلفاز ووسائط التواصل الاجتماعي، والقادم من هذه الأدوات على ظهر مصالح الهوى أمَضُّ وأدهى.

العنصر العقائدي في الأدوات المعنوية للصراع له دور الريادة والتميز والفاعلية المفرطة والمتطرفة في التاثير، وهو الأخطر بين جميع العناصر الأخرى. كون العقيدة عنصر معنوي في الصراع شيء واضح، ولكن كون الصراع بحد ذاته عقائدي قضية في حاجة إلى توضيح، إذ أن الظاهر هو صراع عقائدي بينما في الجوهر أداة معنوية معقدة لديمومة الصراع، وبالنتيجة ديمومة المصالح التي تتغذى على الصراعات، وأعظم وأخطر الصراعات العقائدية هي تلك التي تتولد من العقيدة الواحدة ذاتها. إذ تبدأ العقيدة واحدة متكاملة، وبعد جيل أو جيلين تتنوع وجهات النظر وتتعدد التفسيرات وتتشكل التوجهات وتختلف الآراء والأفكار، ومن ثم تتشعب إلى مدارس ومذاهب لا جامع بينها. جميع العقائد تمر عبر ممرات ومحطات تاريخية، والتاريخ يعنون بعضًا من الصراعات في مرحلة ما قبل نشوء العقائد، ومع مرور الزمن تدخل هذه الصراعات الأولية أو البدائية في خضم التشكلات المذهبية، ويحتدم الصراع ويخرج من إطاره التاريخي ويدخل في الزمان الوجودي.

الأحداث والصراعات في الإطار التاريخي تمر عبر محطات، وكل محطة تتميز بخصائص الزمان والمكان، والمحطة السابقة لا تنتقل بالكامل إلى المحطة اللاحقة. على سبيل المثال، صراع بين طرفين في محطة سابقة، بينما تآلف بين نفس الطرفين في محطة لاحقة، وهذا هو الإطار التاريخي.

عندما يدخل الصراع، وبالأخص الصراع العقائدي في الزمان الوجودي، فهذا يعني أن الصراع أشبه بقطار لا يتوقف عند أية محطة تاريخية على مدار الزمان.

من الأمثلة الواضحة التي ترسم موضع الصراع بين الإطار التاريخي وإطار الزمن الوجودي، هو الصراع في الجسم المسيحي بين الكاثوليك والبروتستانت. انفجر هذا الصراع بعد انفصال حركة تصحيحية في الكنيسة الكاثوليكية وتشكلت الكنيسة البروتستانتية في القرن السادس عشر، وهذا الحدث التاريخي أضعف من مكانة الكنيسة الكاثوليكية وهزّ أركان مصالحها وسلطتها على المسيحية. حدث تاريخي خلق صراعًا دام ٣٠٠ عام تخللتها مجازر بشعة وحروب متواصلة ومناكفات متبادلة وتهجير متبادل. من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر كان الصراع في إطار الزمان الوجودي، وأطراف الصراع كانوا ينظرون إلى الصراع على أنه صراع عقائدي لا يمكن التراجع عنه مطلقًا، وكانت السلطات في اوروبا تسهم في تاجيج الصراع لمصالح ذاتية لا علاقة لها بالعقيدة. من حسن حظ الشعوب الأوروبية أن الصراع انتقل من الزمان الوجودي إلى الإطار التاريخي وصار الصراع من الماضي، وذلك بفضل أنوار عصر النهضة التي فصلت الدين عن الدولة.

يتميز الصراع العقائدي بأنه الأداة المعنوية الأقوى والأعمق تاثيرًا في النفس لتثبيت المصالح التي تتكئ على ديمومة الصراع، إذ إن جميع الصراعات هي انبعاثات عاكسة لمصالح عليا، واصحاب المصالح العليا في وادٍ وجمهرة الصراع العقائدي في وادٍ آخر، وهذه العلاقة الجدلية بين المصالح العليا والصراع هي أُسُّ المآسي التي يعاني منها البشر.

بقاء الصراع في الزمان الوجودي واستمراره فيما وراء المحطات التاريخية، يعني أن الحدث التاريخي، في صورة صراع، لم يخرج من حدود العاطفة، بل أن هذه الحدود العاطفية تزداد سمكًا وتماسكًا يومًا بعد يوم، بل وعصرًا بعد عصر، ما يجعل التحول شبه مستحيل من مملكة العاطفة إلى مملكة العقل، ومن ثم الانتقال من الزمان الوجودي إلى الإطار التاريخي..

حاضرنا شاهد على محطة تاريخية محملة على قطار الزمان الوجودي، مضى عليها مئات السنين، بل بين الألف عام والالفين عام، مازالت تعشش في السيكولوجية الجمعية لشعوب او لأمة، وآثارها النفسية باقية راسخة تنمو وتتعاظم وتُرْوَى بتخيلات أسطورية، إلى أن أصبح ذاك الحدث التاريخي ملازمًا للانسان من الأجداد إلى الآباء ومن ثم إلى تعاقب الأحفاد جيلًا بعد جيل، والأجيال اللاحقة تنغمس أكثر فأكثر في وحل هذا الصراع شبه الأبدي من الأجيال السابقة، إنه مثال نموذجي لصراع في الزمان الوجودي.. ليس لهذا الصراع بعد نصيب من الحظ في الانتقال إلى الاطار التاريخي، ويبدو أن حظه مازال بعيد المنال.

حتى يتحول الصراع من الزمان الوجودي إلى الإطار التاريخي ويصبح بذلك حدثًا من الماضي الذي لا تأثير له في الحاضر، لا بد أولاً من ميثاق عقلاني تفاهمي يتخطى الحاجز النفسي ويسلم القضية إلى مَلَكَةِ العقل الخالص، وتتجاوب معه السلطات السياسية، عندها يمكن إحداث تلك النقلة النوعية التي تفصل الدين عن الدولة، والنموذج الأوروبي - المسيحي شاهد على النتائج الإيجابية لهذه النقلة.

إن تحوّل الصراع من الزمان الوجودي إلى الإطار التاريخي لا يعني أن صراع الانسان مع الإنسان قد انتهى؛ لأن الإنسان مازال، وجودًا ووجدانيًا، في طور الصراع مع نفسه، ولكن يتحول الصراع في الإطار التاريخي إلى ماضٍ لا تأثير له في الحاضر، وعندها يتحرر الحاضر من الماضي ويكون مستقلًا في اتخاذ القرارات التي تُهيئ الحاضر إلى مستقبل أفضل.