عاشت تركيا ليلة بيضاء في متابعة نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أقيمت يوم الأحد المنصرم، والتي أفرزت خريطة انتخابية على الصعيد البرلماني ليست مختلفة بشكل جوهري عما كان سائداً قبل الانتخابات، بحيث تربع حزب العدالة والتنمية وحلفاؤه على عرش الأغلبية التشريعية، مع حصول أحزاب المعارضة على حصتها من كعكة البرلمان التركي. ولكن المفاجأة الحقيقية كانت في الانتخابات الرئاسية التي استطاع فيها الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان أن يتجاوز كل نقاط الضعف وأن يبقى اللاعب الأقوى على الصعيد التركي. بالإضافة إلى استطلاعات الرأي فإن الكثير من المراقبين للشأن التركي كانوا يتوقعون تراجعاً لزعيم حزب العدالة والتنمية باعتبار الوضع الاقتصادي المتردي الذي وصلت إليه تركيا خلال السنوات الماضية، وإصرار أردوغان على عدم رفع سعر الفائدة مما عاد على الأتراك بتضخم غير مسبوق منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم. كما سبّبت سياسات الحزب الحاكم حالة من الانقسام الاجتماعي والعرقي والأيديولوجي، بل وحتى المناطقي بالنظر إلى خريطة التصويت التي أفصحت عنها انتخابات يوم الأحد، فشل على صعيد القضية الكردية التي وصلت إلى مأزق بعيد الحل وورقة اللجوء السوري التي استخدمتها المعارضة بشكل مكثف، وبالرغم من كل ذلك فقد بقي أردوغان الحصان الرابح. النقطة الأولى التي لعبت لصالحه هو معرفته بشكل مبكر بأن المجتمع التركي يعاني من موجة قومية يمينية وقد استجاب لها أردوغان عبر التحالف مع حزب الحركة القومية المتطرف وعبر تغيير خطاب حزب العدالة. هذا التغيير سحب البساط القومي من تحت أقدام المعارضة وأفقد المعارضة ورقة الوجود السوري، بل وأظهر أن خطاب المعارضة عنصري وغير مسؤول. هناك كتلة أيديولوجية صوّتت لصالح حزب العدالة وأردوغان وكتلة أيديولوجية مقابلة صوّتت لصالح تجمع الشعب وكمال كلجيدار أوغلو، ولكن الهامش الذي رجح كفة أردوغان هي الكتلة الناخبة التي أدركت سياسة جمع التناقضات التي اتبعتها المعارضة، والتي أظهرت أن هدفها فقط إبعاد أردوغان حتى وإن جمعت بين الأكراد المتعاطفين مع حزب الشعوب الديمقراطية وخصومهم الألداء في حزب الشعب الجمهوري، صحيح أن هذا الجمع جعل كلجيدار أوغلو يحصل على أصوات غالبية الأكراد ولكنه بالمقابل أفقده أصواتاً كثيرة من القوميين الأتراك. اقتصاد الانتخابات الذي اعتمده أردوغان والذي ركّز على اكتشاف حقل غاز في البحر الأسود وتوزيع الغاز مجاناً لمدة شهر على الأتراك، وزيارة جامع آيا صوفيا والصلاة فيه قبيل ساعات من افتتاح صناديق الاقتراع، يشير إلى أن أردوغان هو أكثر من يفهم طبيعة الناخب التركي ويستطيع ببراعة استغلال جوانبه العاطفية. بالرغم من أن المعارضة ضمت علي باباجان الذي كان مهندس النهضة الاقتصادية التركية وأحمد داود أوغلو منظر حزب العدالة والتنمية، ولكن أردوغان استطاع أن يهمشهم. ما بين الاعتماد على إنجاز حقيقي على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والخطاب الشعبوي المحافظ واستغلال نقاط الضعف لدى المعارضة واستخدام اقتصاد الانتخابات، استطاع أردوغان أن يحقق المفاجأة وأن يعبر إلى الدور الثاني وعلى الأغلب سوف يكون الفرس الرابح، فالانتخابات هي ميدانه ولعبته المفضلة.