ألا ترى أن أوروبا تتزحلق من دون أن تشعر؟ المثل التونسي ظريف: «العجوز يجرفها السيل وهي تقول العام خصب»، كأنه يقصد القارّة العجوز. المؤلفات التي تناولت أفول الغرب هي في حدّ ذاتها مكتبة.

ذكرها كلها يحتاج إلى أكثر من عمود. الغريب هو اشتراكها في الحديث عن الحضارة الغربية، لكن يمكن انتقاء باقة متميزة مثل «تدهور الغرب» للفيلسوف الألماني أوسوالد شبنغلر، والكتاب متعة ترحال في الحضارات المصرية، البابلية، الصينية، الهندية، المايا، اليونانية، الرومانية، العربية الإسلامية، إلى الحضارة الغربية. لله درّه كيف اشتمّ دخان الأفول قبل ظهور ناره بقرن بالضبط، فاكتمال طباعة الكتاب كان سنة 1923.

ثمّة كتب عنيفة منذ العنوان مثل: «انتحار الغرب»، مقابل أخرى لها رومانسية ساخرة في مأساويتها، شأن «وداعاً للحكم الأمريكي» لنعوم تشومسكي. لكن العجب العجاب هو أن المقولة المأثورة تثبت مدى وزنها وثقلها في الأمور المصيرية الكبرى: «لا يُنجي حذر من قدر». يقول القلم: «إن الحضارات حين يحين انحدارها تصاب بالغباء»، فلا تعود قادرةً على رؤية الفخاخ والمهاوي.

تأمّل هذه التحفة المثيرة في مغازيها: الإمبراطور نابوليون بونابرت قال: «لا توقظوا التنين فإنه إذا استيقظ زلزل العالم»، وإذا بالرأسمالية المتغولة تصب كل شركاتها ومصانعها في الصين والشرق الأقصى عموماً طمعاً في مضاعفة عائداتها من خلال اليد العاملة الزهيدة في تلك الأصقاع النائية المتخلّفة، فسعت إلى حتفها بظِلفها. القانون الكوني في فلسفة التاريخ: «ولولا دفعُ الله الناسَ بعضَهم ببعضٍ لفسدتِ الأرض» (البقرة 251). في القريب الأقرب ستكون الصين وبريكس بلس قد تجاوزت العشرين دولة، وبعملة جديدة منافسة للدولار واليورو. جزاء الفظاظة وغلظة القلب الانفضاض من حول المتصفين بهما. قانون كونيّ آخر.

كل عقول أوروبا لم ترَ المنحدر السحيق عند بداية التطويق الاستراتيجي الذي كان واضح الالتفاف تدريجاً حول عنق روسيا، تمهيداً لتفكيكها لمحاصرة الصين بعدها. لا حصر للعقلاء الأوروبيين الذين كانوا يحذّرون، ولكن لم يسمعهم أحد. من يطفئ النيران الآن؟ هل كان من السهل حتى في أعنف أيام السترات الصفراء تصوّر45 ألف شرطي فرنسي يحاولون ضبط ما لا ينضبط في فرنسا كلها؟ الدور على من يا تُرى؟ في بلاد العُرْب أوطاني، لم نكن نشعر بالدومينو حين يهشّم البلدان. قبل يومين أو ثلاثة كانت باريس ثملة بأحلام حل مشكلات مالية واقتصادية عالمية. يقول المثل: «التي لا تعرف استخدام البخور تحرق ثيابها»، وآخر يقول: «جئنا به يشفع في حاجةٍ.. فصار محتاجاً إلى شافعِ».