ليس في الأفق ما يدل إلى أن الاتصالات الدولية بعد الهدنة ستوقف الحرب الإسرائيلية على غزة، وتؤدي إلى اتفاق سياسي مع حركة "حماس"، يشكل تبادل الأسرى والرهائن مدخله لحل القضية الفلسطينية. ذلك أن ما حدث في القطاع من تهجير لغالبية الفلسطينيين من شمال غزة إلى جنوبها وجعل الحياة غير قابلة للاستمرار بفعل التدمير الشامل للأحياء والمساكن، رغم المقاومة الشديدة، تحاول إسرائيل استثماره إلى أقصى الحدود وفرض واقع أمني يؤسس لمسار تصفية القضية الفلسطينية عبر نكبة جديدة.


لا يزال إمكان التوصل إلى وقف لإطلاق النار ضمن اتفاق سياسي شامل مستبعداً حتى الآن، فلا بحث في أي عناوين للتسوية بشأن الوضع الفلسطيني والنزاع مع إسرائيل، وجل ما في الأمر أن الهدنة التي انتهت اقتصرت على التبادل وإدخال المساعدات إلى قطاع غزة، وهي غير كافية لإنقاذ الفلسطينيين أو حتى مساعدة النازحين في الجنوب على الصمود. لذا جاءت الهدنة لالتقاط الأنفاس ولتخفيف الانتقاد الدولي لإسرائيل على جرائمها بحق المدنيين والأطفال، ما يعني أن طبول الحرب قد قُرعت من جديد، ما دام لا إرادة دولية تفتح الأفق نحو التسوية والحل.

الهدف المحوري المعلن في الحرب على غزة كان إنهاء حركة "حماس"، لكن المخفي هو ضرب العصب الفلسطيني كله في الداخل. تمكنت "حماس" من الصمود، لكن بتكلفة كبيرة، عبر تهجير 80 في المئة من الفلسطينيين في القطاع، وفي الوقت نفسه حوصرت الضفة الغربية ونُكّل بأهاليها، بعد إضعاف السلطة الفلسطينية ومحاصرة منظمة التحرير، وبات فلسطينيو الضفة مهددين بالتهجير أيضاً وضرب ما تبقى من رصيد لهم بعدما تمدد الاستيطان، وبات الخطر داهماً على الوجود الفلسطيني كله.

ليس الأفق مفتوحاً أمام الاتفاق في غزة، وهو أمر ينسحب على لبنان أيضاً، وإن كان ملفه مختلفاً وليس أولوية إسرائيلية أو أميركية الآن. ووفق ما هو متداول في الأروقة السياسية أن الولايات المتحدة الأميركية لا تدفع الأمور نحو الاتفاق على وقف لإطلاق النار ومفاوضات للحل، ذلك أن القرار الأميركي واضح بإنهاء حركة "حماس"، وأن لا مكان لها في أي تفاوض مستقبلي، وهو ما أعلنه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن من إسرائيل، وصولاً إلى دعم إسرائيل بحربها ضد "حماس" في غزة. حتى السلطة الفلسطينية اليوم غير مرحب بها وتتعرض لضغوط للوقوف بوجه الحركة وترسيخ الانقسام الفلسطيني.

يُسجل أن الإدارة الأميركية للحرب الإسرائيلية يمكن أن تستمر لإنهاء "حماس"، أو كسرها بعد إفراغ غزة من الفلسطينيين، لتصبح حركة غير قادرة على إعادة بناء قوتها المسلحة بين الشعب، ولا حتى التأثير في مجريات أي عملية سياسية مستقبلية للوضع الفلسطيني ولا حتى في التطبيع بالمنطقة. وما حدث في غزة ويستمر عبر الحرب، في ما يتجاوز الهدنة، هو لترسيخ وضع جديد في القطاع يجري البحث عمن سيحكمه بعد إنشاء مناطق أمنية عازلة لا يعود فيها تجمعات سكانية للفلسطينيين.

وعلى رغم الحديث الأميركي عن هدنة جديدة، فإنهم يسعون إلى إعادة هيكلة قطاع غزة. ولا يتم ذلك إلا بإخراج مقاتلي "حماس" من القطاع ما لم يتم التمكن من كسر الحركة، لكن الحصار والتجويع يمكن أن يؤديا إلى إخراجهم كما حدث مع خروج مقاتلي منظمة التحرير وياسر عرفات من بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وإن كانت الأمور تختلف فلسطينياً وعربياً ودولياً، لكنه أحد السيناريوات المطروحة مع استكمال الحرب ضد الفلسطينيين وصولاً إلى إقامة المناطق الآمنة لإسرائيل وحكم القطاع بقيادة جديدة أو وضعه تحت الوصاية.

وما حدث في غزة هو مقدمة أيضاً لتغييرات في المنطقة بعدما حيّد الأميركيون طهران عن المواجهة، وفصلوا بين غزة ولبنان، وهم أحضروا حاملات الطائرات إلى المتوسط لحماية إسرائيل ومنع توسيع دائرة الحرب، وهو ما أدى إلى وجود تقاطعات بين إيران وأميركا في الحرب والهدنة وصولاً إلى فتح نافذة اتصالات حول العديد من الملفات في المنطقة ومنها الملف النووي الإيراني.

وبينما يتوقع أن تستمر الحرب على غزة بأشكال مختلفة لإعادة الاعتبار لإسرائيل وجيشها، وقد تطول مع ما تحمله من تداعيات، تحاول الولايات المتحدة تأسيس مسار جديد على جبهة لبنان، منفصل عن غزة، لكنه مرتبط بإسرائيل. والوجهة هي الاستمرار بالعمل على منع انفجار الجبهة إلى حين تحقيق الأهداف في الملف الفلسطيني، لكن ذلك لا يمنع في ظل مطالب إسرائيلية بإنهاء الوجود المسلح لـ"حزب الله" على الحدود، كشرط لإعادة المستوطنين إلى شمال فلسطين، أو العمل على ترسيم منطقة أمنية فاصلة منزوعة السلاح على الحدود في الجنوب اللبناني، وهو أمر غير متاح حالياً باعتبار أن "حزب الله" لا يقبل بالخروج من ساحته الأساسية.

ينسحب الأمر على محاولات لتطبيق القرار 1701 وتعزيز دور القوات الدولية (اليونيفيل) عبر تعديل مهامها، أو حتى تنفيذ القرار الدولي الذي أوقف الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل في آب (أغسطس) 2006، وتطبيقه بالقوة عبر الفصل السابع. لكن إسرائيل التي هددت أكثر من مرة لبنان، يبدو أنها تتحين الفرص لتوجيه ضربات لـ"حزب الله" ولبنان تؤدي إلى التفاوض للوصول إلى اتفاق يعدل القرار 1701، ويفرض معادلة جديدة، وذلك على رغم أن حسابات أي معركة عسكرية هي غير مضمونة، خصوصاً أن دولاً عدة ترفض تطبيق القرار بالقوة. كما أن البحث في التفاوض بين لبنان وإسرائيل غير مطروح اليوم، إلا إذا قرر الأميركيون الضغط من أجل تنفيذ شامل للقرارات والبدء بترسيم الحدود البرية وانسحاب إسرائيل من مناطق ونقاط لبنانية محتلة، ومحاولة إلزام "حزب الله" بالخروج من منطقة عمل القوات الدولية. لكن هذه الوجهة غير ناضجة أيضاً في ظل الصراع المحتدم واستمرار الحرب على غزة، إضافة إلى ربط الحل بالملفات التي لإيران دور مقرر فيها.

ضمن هذا الإطار جاءت التحذيرات الدولية للبنان من خطر توسع الحرب في جبهة الجنوب، حتى أن المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان، تطرق إلى جانب مهمته - التوصل إلى تسوية رئاسية في لبنان - إلى القرار 1701، داعياً إلى تطبيقه تجنباً لتوسع الحرب، ووصولاً إلى حل لمسألة الحدود مع إسرائيل. وقد سبقه في التحذير كبير مستشاري الرئيس الأميركي آموس هوكشتاين الذي دعا إلى تطبيق القرار 1701 وعدم الانجرار إلى الحرب.

لكن مؤشرات الحرب تبقى حاضرة ضمن حسابات الجميع، إذا ما استمرت الأمور في غزة على ما هي عليه، من حصار وتجويع وعدم الوصول الى اتفاق، وهو أمر ينسحب على جبهة لبنان البلد الذي يعاني الانقسامات ولا أحد فيه يفكر بالإنقاذ في ظل الصراع على الرئاسة والهيمنة، فيما الحرب الإسرائيلية على الأبواب.