يمثل المشروع النقدي للدكتور عبدالله الغذامي في «النقد الثقافي» انعطافة إبستيمولوجية كبرى في تاريخ النقد العربي الحديث، حيث تجاوز الحدود التقليدية للنقد الأدبي الذي ظل لقرون حبيس الجماليات والبلاغة الشكلية، لينفتح على فضاء أرحب يسائل فيه الثقافة في جوهرها النسقي واللاوعي، مما يترك أثراً عميقاً على بنية العلاقات الاجتماعية والتحولات التاريخية للمجتمع.
في لقاء الدكتور عبدالله الغذامي مع الأستاذ جمال الملا في بودكاست (قصص في قناة عرب كاسب)؛ يستهل رؤيته بالتأكيد على أن المعرفة بطبيعتها «زئبقية»، وأن التقدم المعرفي الحقيقي يكمن في ملاحقة هذه المعرفة لا في ادعاء امتلاكها، لأن إدراك المعرفة النهائي يعني النهاية المعرفية. من هذا المنطلق، يطرح «النقد الثقافي» كبديل أو كفعل يتجاوز النقد الأدبي.
إن الثقافة في منظور الغذامي هي وعي تاريخي وتراكم من الماضي يعيد إنتاج نفسه في الحاضر عبر قوالب لغوية وسلوكية. ومن هنا، فإن النقد الثقافي يتصف بخصائص ثورية؛ منها إبعاد الانتقائية المتعالية التي تفصل بين «النخبوي» و»الشعبي»، والتركيز على دراسة ما هو جمالي وغير جمالي للكشف عن الحقائق التي تحيط بالنص وقائله. يهدف هذا المنهج إلى ربط العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع وعلم النفس بالتاريخ والأدب لإثراء الساحة الثقافية بفهم أعمق للظواهر الإنسانية.
يركز الدكتور الغذامي في تحليله على سيكولوجية المثقف، معتبراً أن المثقف غالباً ما يقع ضحية لـ»الأنساق المضمرة» التي تشكل «قارة النفس» لديه. هذه القارة النفسية هي الجانب اللاشعوري الذي يتصفى فيه التاريخ أنثروبولوجياً لينتج ما يسمى بـ»نسق الوهم»، وهو مخيال جماعي يكون أحياناً أكثر صلابة من الحقيقة التاريخية نفسها.
يطرح النقد الثقافي «سؤال الأثر» كبديل لـ «سؤال التذوق»؛ فبدلاً من أن نسأل: «هل هذا النص جميل؟»، نسأل: «ماذا يفعل هذا النص فينا؟» إن النصوص التي تستهلك بكثرة وتجد قبولاً جماهيرياً ليست بالضرورة هي الأرقى فنياً، بل هي الأكثر انسجاماً مع الأنساق الراسخة في لاوعي المتلقين.
بناءً على ما تقدم من تحليل لمشروع الدكتور عبدالله الغذامي، يمكننا استخلاص مجموعة من النتائج المحورية حول علاقة الثقافة بالنفس والمجتمع؛ فالظواهر الثقافية (خاصة تلك التي تتسم بالجمال الفني العالي) تمارس نوعاً من «التخدير النفسي» للمتلقي، مما يجعله يستدمج قيماً نسقية دون وعي نقدي. والأنساق التاريخية المضمرة تدفع المثقف نحو «الشعرنة» والتكسب اللفظي، مما يخلق فجوة بين «الوعي العقلاني» المعلن و»السلوك النسقي» المضمر، ويؤدي إلى تشوه في التكوين النفسي القائم على «الأنا» الطاغية. والثقافة لا تعبر عن المجتمع فحسب، بل «تنمطه»؛ فالأنساق اللغوية والاجتماعية تعيد إنتاج علاقات القوة (رجل/امرأة، حاكم/محكوم) وتمنحها شرعية تاريخية تجعل من الصعب اختراقها دون «نقد ثقافي» جذري.
التحول نحو الثقافة الرقمية خلق سيكولوجية «تموجية» لدى الجمهور، حيث أصبح «الصيت» أهم من «القيمة»، وأصبحت العلاقات الاجتماعية أكثر عرضة للتأثر بالهبات اللحظية، مما يضعف العمق الثقافي والروابط الاجتماعية الرصينة. ويظل الوعي بـ»العنصر النسقي» هو المخرج الوحيد للفرد والمجتمع من سجن التقاليد المصطنعة؛ فالتحول الذي يعيشه المجتمع السعودي اليوم هو مثال على قدرة «الإرادة الوطنية» و»الرؤية العصرية» على خلخلة الأنساق القديمة والعودة بالإنسان إلى حالته الفطرية السوية.
إن لقاء الدكتور عبدالله الغذامي ومجمل مشروعه هو صرخة في وجه «السكون المعرفي»، ودعوة للمثقف ليكون «ناقداً للحضارة» لا مجرد «متذوق للجمال». إن تأثير الظواهر الثقافية على نفوسنا وعلاقاتنا هو تأثير عميق ومستمر، وفهمه يتطلب شجاعة نفسية وجرأة عقلية قادرة على مواجهة «المسكوت عنه» في تاريخنا وحاضرنا. إن طريق المعرفة يظل طويلاً وزئبقياً، لكن السير فيه هو السبيل الوحيد نحو نهضة حضارية حقيقية تعيد تشكيل الشخصية على أسس من الحرية والعقلانية والوعي النسقي.















التعليقات