هيفاء صفوق
نحن في أعقاب نهاية سنة 2025 من شهر ديسمبر تكثر فيه الإشعارات والرسائل والتهاني والصور بين مودع ومستقبل، وبين أمنيات ورجاء، وهذه طبيعة الحياة بمفهومها البداية والنهاية، ثم بداية ونهاية حياة متحركة مستمرة إلى أن يشاء الله - عز وجل.
- من يدرك مفهوم البداية والنهاية فقد وسع دائرة الحياة التي يعيشها، ففي كل لحظة بداية ونهاية بين ما يرغب وما لا يرغب، وبين الحركة والتوقف، بين القوة والضعف، وبين الغضب والحلم، وبين الحب والكراهية، وبين الصحة والمرض، وبين النجاح والفشل، وبين الولادة والموت، وبين أصدقاء ثم غرباء، وهذه هي الحياة وكل الأيام هي أيام الله - عز وجل - تتجلى قدرته ومشيئته كيفما يشاء.
- الجميل حينما نختص وقتاً لأنفسنا نتأمل ماذا فعلنا وأنجزنا ليس فقط الجانب الخارجي لحياتنا، بل لأنفسنا من الداخل، هذا الجانب الذي يكاد يكون منسياً أو صبغ بصور غير حقيقته.
- العالم الداخلي لأنفسنا مليء بالأسرار والحكايات والأحاديث التي نعيشها مع أنفسنا كل يوم، من منا لا يحادث نفسه وسط زخم كبير من الأفكار والمشاعر الداخلية فيجد نفسه تارة فوق السحاب وتارة في سابع أرض يتألم، بين بداية فكرة ونهاية شعور، أو بداية شعور ونهاية فعل وسلوك، من منا اكتشف منطقة السلام الداخلي وانعكست على مشاعره وأفكاره وحياته، ومن منا مازال يخوض معركة الحياة يريد شاطئ أمان يستند إليه، كل ذلك يقبع في داخلنا يحتاج إلى وقت نتأمل هذا العالم الداخلي فينا.
- نتأمل مشاعرنا كيف هي صحتها وتناغمها معنا هل نحن في صحبة معها أم في صراع دائم، نكشف ستارة هذه المشاعر بشجاعة وندرك من ماذا نخاف، ومن ماذا نهرب، وماذا نحب، وماذا نريد، وماذا نرغب نحن لا الآخر بكل صوره وأشكاله؟.
- تحدث بعض العلماء أن معرفة الإنسان بنفسه يختصر الطريق للعيش في حياة جيدة وطرح ثلاثية الأسئلة المعروفة من أنا، وماذا أريد، وماذا يريد مني الآخرون، معرفة ذلك يوسع مدارك الإنسان وتفاعله وتناغمه مع نفسه أولاً ومن ثم مع المحيط الذي يعيش فيه.
- يعتقد البعض أن الأجوبة لتلك الأسئلة سهلة وسريعة بينما هي ربما تأخذ عمراً كاملاً لتتعرف على الإجابات المختبرة من خلال خضم الحياة ومواقفها وأحداثها، كما أن هذه الإجابات ليست ثابتة، بل متغيرة في كل مرحلة من حياة الإنسان فهو يعيش حقيقة النضج الروحي والإنساني عبر مراحل حياته.
- سؤال من أنا يحتاج إلى نظرة عميقة تتعرف على الداخل، ماذا تحوي هذه النفس من مشاعر وأفكار وقناعات ورغبات واحتياجات، وهل هذه المشاعر والأفكار والقناعات تخصه وحده أم هي مستنسخة من الآخر تعلمها واكتسبها خلال مراحل حياته، الجواب يحتاج إلى عمق وإمعان حقيقي داخل هذه النفس، نعم يتعلم الإنسان من الحياة والآخر أو الظروف، ولكنه حتما سيصل فيما بعد إلى شيء يشبه روحه وقناعاته ومن تجربته الخاصة وليس تقليداً أو محاكاة لأحد، وهذا هو العمق.
- في اللحظات الحقيقية عندما يتشجع الإنسان في فتح ستارة الداخل عن مشاعره وينظر ببصيرة نافذة سيكتشف ما كان يغيب عنه من قوة، أو قدرة، أو موهبة، أو خوف متخفٍّ خلف أقنعة كثيرة يرتديها، فتح هذه الستارة ربما يكون مفاجئاً مفرحاً، وربما يكون مربكاً مؤلماً، المهم هو التعرف على الداخل كما هو.
- لقد تحدث العالم السويسري كارول يونغ كثيراً عن المشاعر المكبوتة وكيف تجعل الإنسان يعيش وسط صور مشوهة عن نفسه، بل يعتقد المقربون أنه يعاني نفسياً وعندما تعمق في بعض حالاته اكتشف ما هو أعمق للنفس والروح وكيف تؤثر المشاعر المكبوتة في مرض الإنسان النفسي والجسدي، لذا من هنا تأتي أهمية التعرف على عالمنا الداخلي المليء بالمشاعر التي ربما ندعي أننا أقوياء أو نستطيع العبور وسط مواقف الحياة دون ألم، وهذا ما نطلق عليه الحيل الدفاعية التي يمارسها بعضنا مع نفسه؛ لكي يغطي شعور الألم أو شعور الفشل.
- تخصيص وقت المكوث مع أنفسنا يجعلنا ندرك ماذا يوجد داخلها هل نحن في حالة سلام وتناغم، أم في حالة صراع وتشتت؟؛ لكي نستطيع أن نتفاعل مع أنفسنا بصدق ومحبة، الأجدر أن نعرف كيف نعيش مع أنفسنا حالة سلام وراحة داخلية؛ لأنه لن يعطينا أحد هذه الراحة إلا نحن، نحن من يمتلك هذه الخاصية في تزويد أنفسنا بالسلام والمحبة حتى نصل إلى حالة الرضا، والرضا يجعلنا ننظر لأنفسنا برأفة وحب وتقبل وهذا سوف ينعكس على حياتنا كلها.
- لذا عندما نريد الانطلاقة لشيء جديد علينا معرفة الداخل؛ لأنه من هنا نكتسب القوة والدافعية والاستمرارية على كل الأصعدة في حياتنا وندرك القوة والقدرة التي رزقنا الله - عز وجل - بها.
إضاءة:
القوة تنبع من الداخل والقوة الحقيقية من الله.















التعليقات