رائد محمد آل شهاب
قبل سنة تقريباً اشتقت أن أذهب إلى مدينة سعودية صغيرة بواسطة السيارة، غبت عنها حوالي ثلاثة عقود من الزمن. أصبت بالذهول عند الوصول ورؤية تقاطعات مرورية تقليدية تحول عدد كبير منها إلى دوارات. وتكرر هذا المشهد في أحياء سكنية جديدة التأسيس وبالمدن الأكبر حجماً.
وبالمقابل، هناك عدد من الدوارات والتي تقع في مناطق مركزية تخدم عدة مدن، ألغيت وأزيلت بالكامل بعدما حصدت مئات الأرواح من السائقين. ومما زاد دهشتي، وجود أكثر من 9,000 دوار مروري بالولايات المتحدة، والبعض منهم يعلق كالتالي: أعتقد أنها رائعة، لكن الأمر يستغرق من 5 إلى 10 سنوات حتى يعتاد السائقون المحليون على استخدامها بمجرد دخولهم إلى المنطقة. والآخر يقول: إنها جيدة عندما تعمل، المشكلة هي أن الناس لا يعرفون كيفية القيادة بها، ويعتقدون أن المسارات مفتوحة للجميع. يبدو أن المسارات الأحادية تعمل بسلاسة، أما المسارات الداخلية فلا أحد يعرفها، مهما كانت. كثير من الولايات لا تُدرّسها في دورات القيادة أيضا.
ومن هنا، بدأ الفضول يراود ذهني: نحن بالمدن الكبيرة أرهقتنا الدوارات وحوادثها، لماذا الرجوع لها؟! دعونا نلقى نظرة بسيطة عما ذكره الخبراء وذوو الاختصاص.
تُعد حوادث الطرق من بين الأسباب الثمانية الرئيسة للوفاة عالمياً، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية. وتُعدّ التقاطعات أو ما هو بالقرب منها أكثر المواقع خطورة وعُرضة للحوادث أو الحوادث المميتة. ووفقاً للمنظمة، يقع ما يقرب من ربع حوادث الطرق المميتة عند التقاطعات أو بالقرب منها.
جميعنا نعرف هذا الموقف: أن تكون عالقاً عند إشارة مرور حمراء، تنقر بأصابعك على عجلة القيادة، تعد الثواني حتى تتحول إلى اللون الأخضر. إنه طقس يومي للسائقين، وعشاق السيارات. ولكن ماذا لو أخبرتك أن دائرة بسيطة بمنتصف الشارع يمكن أن تغير كل ذلك؟ تنتشر الدوارات في جميع أنحاء الولايات المتحدة، لتحل محل إشارات المرور التقليدية وعلامات التوقف عند التقاطعات في كل مكان. صممت هذه الدوارات لضمان انسيابية حركة المرور، ولكن هل تُحسّن حقًا تنقلاتك اليومية، أم أنها تزيدها إرباكاً؟
الدوار الحديث هو تقاطع دائري يتميز بخصائص تصميمية تعزز انسيابية حركة المرور بشكل آمن وفعال. طُوّر في المملكة المتحدة في ستينيات القرن الماضي، ويُستخدم الآن على نطاق واسع في العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، حيث يتزايد استخدامه. على الرغم من فوائد السلامة المُثبتة للدوارات، لا تزال بعض الحوادث تقع. وجدت دراسة أجراها معهد التأمين للسلامة على الطرق السريعة (IIHS) لحوادث في 38 دواراً في ماريلاند أن أربعة أنواع من الحوادث، الانحراف عن الطريق، والاصطدام من الخلف، والاصطدام الجانبي، والدخول والدوران. كانت مسؤولة عن جميع الحوادث تقريباً. نوع شائع آخر من الحوادث تضمن اصطدام مركبة بالجزيرة المركزية. هذه الحوادث، التي غالباً ما تنطوي على سرعات غير آمنة، قد لا يكون بعض السائقين قد رأوا الدوار في الوقت المناسب لإبطاء سرعتهم بشكل كافٍ أو تهور السائق. كانت الغالبية العظمى من الحوادث في الدوارات ذات المسار الواحد عبارة عن حوادث دخول ودوران، وفي الدوارات متعددة المسارات كانت غالبية الحوادث ناتجة عن الخروج والدوران.
صُممت الدوارات للتخلص من ارتباك إشارات المرور المتكررة، مما يسمح للمركبات بالتدفق بشكل مستمر في حال عدم وجود حركة مرور عابرة. بدلاً من انتظار تغيير الإشارة، يمكنك ببساطة إفساح الطريق والاندماج، مما يقلل التأخير بشكل كبير. وفقاً لدراسات من جامعة ولاية كانساس، يمكن تقليل تأخير المركبات عند التقاطعات بنسبة 13- 89 %، وينخفض بخفض عدد التوقفات بنسبة 14-56 % هذا يُحدث نقلة نوعية للمسافرين، تخيل توفير دقائق من رحلتك الصباحية، مما يمنحك المزيد من الوقت لفنجان قهوة إضافي أو جولة سريعة في سيارتك الصغيرة. فبدون إشارات مرورية، يميل السائقون إلى الحفاظ على سرعات متوسطة، مما يؤدي إلى تقليل الكبح والتسارع المفاجئ. هذا لا يوفر الوقت فحسب، بل يقلل أيضاً من التآكل والتلف في سيارتك، فضغط أقل على الفرامل يعني رحلات أقل إلى ورشة السيارات.
مع ذلك، دعونا لا نتجاهل الصعوبات الأولية. إذا كنت جديداً على الدوارات، فقد يكون الانتقال إليها مرهقاً. بلغ العديد من الركاب عن قلقهم من مخالفة قواعد المرور أو تفويت المخارج، خاصةً مع التصاميم المعقدة. غالباً ما يبدأ الرأي العام بالمعارضة، حيث يتكيف السائقون مع التغيير، لكن الدراسات تُظهر أن الدعم يزداد بمجرد أن يعتادوا عليه. من ناحية أخرى، يمكن للدوارات شديدة التعقيد مثل «الدوارات السحرية» في المملكة المتحدة أو الدوارات متعددة المسارات بالقرب من الطرق السريعة، أن تُفاقم الإحباط. وهذا يعني تفويت مخرج العودة.
قد تبدو الدوارات حلاً بسيطًا لمشكلة المرور، لكنها تأتي مع بعض المزايا المالية الخفية، وبعض التكاليف الأولية. أما الميزة الكبرى؟ كفاءة استهلاك الوقود، مع تقليل مرات التوقف والانطلاق، تستهلك سيارتك وقوداً أقل. تشير الدراسات إلى انخفاض استهلاك الوقود بنسبة 23-34 % وانخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكربون والهيدروكربونات. بالإضافة إلى ميزانيتك، توفر الدوارات مزايا أوسع لدافعي الضرائب، تُكلّف إشارات المرور التقليدية ما بين 5,000 و10,000 دولار أمريكي سنوياً للكهرباء والصيانة، وهي تكاليف تُلغيها الدوارات تماما. هذا يعني أن الحكومات المحلية يُمكنها إعادة توجيه الأموال إلى تحسينات أخرى للطرق، مما يُخفف العبء الضريبي على السائقين بشكل غير مباشر.
يدّعي مُحبو الدوارات أنها تُقدم رؤية جديدة لإدارة حركة المرور، واعدةً بانسيابية حركة المرور، وتوفير التكاليف، وتأثير إيجابي على رحلاتنا اليومية. بدءاً من فوائد توفير الوقت نتيجةً للازدحام المروري المستمر، وصولًا إلى المزايا المالية مثل تقليل استهلاك الوقود، يُمكنها أن تُخفف من مُشقة التنقل. ومع ذلك، فإن الجوانب السلبية مثل الارتباك الأولي، والحوادث المُحتملة، والتحديات التي تُواجه المشاة. تُذكرنا بأنها ليست الحل الأمثل، خاصةً في البيئات المُعقدة.
هل هناك حلول وسط تحقق نتائج أفضل؟
رجوعاً للشأن المحلي، ففي السنوات الأخيرة، قامت المملكة العربية السعودية بسن قوانين عديدة سواء نظرياً أو عملياً، مثل ربط حزام السلامة، أنظمة ساهر وكاميرات المراقبة، وتحديد المخلفات وإمكانية الاعتراض عليها ...الخ. فهذه القوانين الصارمة سوف تخلق تدريجياً جيل واعي بأهمية السلامة في الطرق والأرواح.
أود أن أشكر وزارة النقل والخدمات اللوجستية، وأمانة المنطقة الشرقية وكل من قام بتطوير وإعادة هيكلة الدوار الشهير بكورنيش الدمام «اللؤلؤة»، من خلال التقييم الشخصي والبسيط أعتقد أنها عملية موفقة وذكية جداً. تم استغلال الدوار بمسارين متعاكسين، وفتح منافد قبل الوصول للدوار في اتجاهات مختلفة بطرق آمنة.
ونتطلع، لتطوير ورفع كفاءة الدوارات المتبقية، مثل الدوار الواقع بالقرب من أسواق لولو وبنده بشارع الخليج بمدينة سيهات، والدوار العملاق بالقرب من المشروع الجديد «المدينة العالمية» بشارع الخليج بالدمام، ودوار الأشرعة بشارع الخليج بالدمام وغيرها. فهذه الدوارات المرورية تقع جميعها بخط وشريان حيوي مليء بالكثافة السكانية ويخدم عدة مدن.
خاصة في أوقات الذروة، نأمل أن ينظم المرور بشكل ثابت، وفي أقل تقدير حركة السير الساعتين الأولى صباحاً، والساعتين الأخريين مساءً. حتى يتسنى معرفة كيفية تطوير هذه الدوارات المهمة أو إنشاء عناصر مساعدة جديدة بالاستعانة بأهل الاختصاص وبطلبة الدراسات العليا والتكنولوجيا الذكية.















التعليقات