لا اتفاق بين المؤرخين على تاريخ محدد يمكن من خلاله رسم إطار زمني تقريبي لمرحلة «تجذر» الحكم العربي، الإسلامي، المباشر على إيران (بلاد فارس)، حتى تراجعه لمصلحة أسرٍ محلية تركية أو فارسية الأصل، لكن المعروف أن فتح فارس بدأ في عهد الخليفة أبي بكر الصديق، ليبلغ ذروته في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، مع سقوط الدولة الساسانية ومقتل يزدجرد الثالث، سنة 651م (30 هـ)، لتصبح إيران تحت حكم الخلفاء، ثم الأمويين فالعباسيين، وحكّام وولاة عرب، لينحسر بعدها النفوذ العربي، ويصبح الحكم، مع بدايات القرن 19 فارسيا، بمسحة عربية، مع استمرار العربية لغة دين وعلم وإدارة في جوانب مهمة. وكانت نقطة التحول الكبرى، مع قيام الدولة الصفوية سنة 1501، وقرار الشاه إسماعيل الصفوي باتخاذ التشيع الاثني عشري مذهباً رسمياً، بدلا من المذهب السني، وكانت تلك بداية تكريس هوية سياسية ومذهبية متميزة، مع بقاء الانتماء للإسلام دين الدولة. تؤكد معظم الدراسات اللغوية أن نسبة المفردات العربية في الفارسية كبيرة جداً، وُقدّرت بحوالي نصف عدد كلمات معجم اللغة الفارسية، وقد جرت محاولات عدة لتخليص الفارسية من «التوغل» العربي، أشهرها محاولات رضا شاه، مؤسس البهلوية، ووالد آخر «الشاهات»، لكنها فشلت في «تنقية» اللغة فعلياً، كما ان التغيّر اللغوي ليس سهلا، مع تشبّع الفارسية بآلاف الجذور العربية في الدين، الفقه، الإدارة، الفلسفة، والأدب؛ وأصبحت الكثير من المفردات العربية جزءاً من النحو والأسلوب، لا مجرد «زخرفة» يمكن نزعها، ونتج عن استخدامها لقرون كلغة علم ودين، تراث ضخم؛ يعني اجتثاث ألفاظها عملياً قطع الصلة بقرون من الثقافة والكتابة، وهو أمر يصعب فرضه على الكتّاب والعلماء والجمهور. كما فشلت محاولات رضا شاه في تأسيس «الأكاديمية الإيرانية»، ثم أكاديمية اللغة والأدب الفارسي، لاحقاً، لتوليد بدائل فارسية للمصطلحات الأجنبية والعربية، فالنجاح لا يمكن أن يتم داخل الأكاديميات، بل هي رهن باستخدام الناس لها؛ فكثير من البدائل ظلّت رسمياً أو نخبويّاً، بينما استمر الناس في رفضهم لها، فالكلمات العربية في الفارسية ليست غريبة صوتياً أو صرفياً؛ بعد أن تكيّفت مع الأوزان الفارسية وأصبحت أكثر «سهولة» وأقصر من كثير من البدائل المصطنعة، ما يجعلها أقدر على البقاء في الاستعمال اليومي. محاولة استبدال آلاف المفردات في الصحافة والكتب والتعليم تخلق فوضى دلالية وتثقل على القرّاء، فيفضّل كثير من الكتّاب العودة إلى المعجم الموروث الذي يفهمه الجميع. والطريف أن «رضا شاه»، في محاولاته تمجيد «الفارسية» ورفع شعارات مثل «إيران ما قبل الإسلام»، لم يجد مفردا من استعمال مفردات عربية فيها، وبكثافة. كما كان للأقليات الثلاث القوية، الترك والكرد والعرب، دور في إفشال مشاريع «التفريس» القسرية، خوفا من أن يصل الدور لغاتهم وهوياتهم، فكانت مقاومتهم من منطلقات سياسية وهويّاتية، وليست لغوية فقط. لهذه الأسباب بقي مشروع «التطهير اللغوي» مشروعاً أيديولوجياً أكثر منه تحوّلاً فعلياً في بنية اللغة الفارسية واستعمالها اليومي. من جانب آخر، نرى أن تأثير الفارسية على العربية كان ولا يزال محدودا، فالاستيعاب كان بحدود مئات الكلمات فقط، في العربية الكلاسيكية، مثل كلمة ديوان ودستور وخندق وبستان وطشت وطازج، وسجل وبند، أي فقرة، وأضعاف ذلك من الكلمات الفارسية في اللهجات، خاصة للدول العربية المجاورة لها، مثل العراق والكويت والساحل الغربي من الخليج.
أحمد الصراف













التعليقات