لا غرابةَ في الترحيب اليمنيّ الواسعِ بقرارِ السعودية استضافةَ الحوار الجنوبي وإعطاءَ أهل الجنوب اليمني ومكوناته فرصةَ التحاور لبلورةِ تصوّر جامعٍ لمعالجة القضية الجنوبية مع تحديد آلياتٍ لتنفيذ هذا التَّصور.
جاء قرارُ الاستضافة تلبيةً لطلبٍ من رئيس مجلسِ القيادة الرئاسي رشاد العليمي بغيةَ تجاوز الأحداثِ التي تسببت فيها ممارساتٌ متهورةٌ من بعض الجهات في المجلس الانتقالي الجنوبي. وهو ينطلقُ من نهجٍ سعودي يشدّد على معالجة الأزماتِ في اليمن عبرَ الحلول السياسية القائمةِ على الحوار والتوافقِ لقطع الطريق على لغةِ المغامرةِ والصدامِ والقطيعةِ والإقصاء.
تشجيعُ الأطرافِ اليمنية على الاحتكام إلى لغة الحوار يعني أيضاً تعزيزَ علاقةِ اليمنيين بالمؤسسات الشرعيةِ والمرجعيات المتعارفِ عليها لضمانِ إخراج القضايا المحقةِ من طقس المزايدات ووضعها على طريق الحل.
وموقفُ السعودية في اليمن هو جزءٌ من خيارها الاستراتيجي بوضع ثقلِها السّياسي والاقتصادي والعربي والإسلامي والدولي في خدمةِ مشروع كبير لصناعة الاستقرار في المنطقة. وهو خيارٌ تبدَّى أيضاً في مواقفها في سلسلة من الأزمات بينها ما يشهده السودانُ ولبنان.
تتضاعف الحاجةُ إلى الانخراط في سياساتِ صناعة الاستقرار في وقت شهدَ فيه الشرقُ الأوسطُ حروباً مدمّرة وتطوراتٍ كبرى. وأخطرُ ما في الأمر أنَّ الاضطراب في الشرق الأوسط ترافقه بوادرُ اضطرابٍ كبير على الصَّعيد الدولي برمته وعلى أيدي الكبار أنفسهم.
قبل أربعةِ أعوام هزَّ الاجتياح الروسي لأراضي أوكرانيا طمأنينةَ القارة الأوروبية. كانت ألمانيا تعتقد أنَّ الحرب مجرد ذكرى مؤلمة تقيم في كتب التاريخ. وأن تغيير الحدود الدولية بالقوة ممنوع خصوصاً في القارة القديمة. تسابق ألمانيا اليوم الوقت لاستعادة أنيابها وتحديث ترسانتها. مبالغ هائلة ستنفق لاسترداد شيء من الطمأنينة المثقوبة. يتحدث الجنرالات الألمان عن حرب طاحنةٍ مع روسيا ستندلع في غضون سنوات. يعتقدون أنَّ الوجبة الأوكرانية ستضاعف شهيةَ بوتين لاسترداد جزءٍ من الأملاك السوفياتية السليبة. القلق نفسه يساور جنرالاتِ بريطانيا وفرنسا. جنرالات بولندا يتحسَّسون حدودَ بلادهم وأوجاعَ تاريخها. ليس بسيطاً على الإطلاق أن تستعد أوروبا للحرب.
مشهدٌ آخر هزَّ العالم. لم يتوقع أحد أن يرى نيكولاس مادورو مكبَّلَ اليدين يقتاده جنودٌ أميركيون إلى محكمة أميركية بتهمة الضلوع في تصدير المخدرات. حساسيات أميركا اللاتينية حيال هيمنة الأخ الأكبر لا تحتاج إلى شرح. هذه الحساسيات ثقافة راسخة في دول عديدة. أنظمة كثيرة ولدت وعاشت من خطاب التمرد على الجنرال الأميركي.
أوروبا خائفة من تكرارِ السابقة التي سجَّلها بوتين عبر رحلته الأوكرانية. دولٌ عديدة تصاعد خوفُها من احتمال تكرار السابقة التي سجلها دونالد ترمب في رحلته الفنزويلية.
لا يمكن سبر نوايا بوتين وحدود شهياته. الرجل وافد من خزائن الـ«كي جي بي» حاملاً جرحه السوفياتي. والتَّكهن بمفاجآت ترمب يعجز الذكاء الاصطناعي وكبار المنجمين. لهذا يبدو العالم مرشحاً لاضطراب كبير.
ماذا تفعل الدولُ الصغيرة أو المتواضعة في عالم يندفع بلا كوابح. لا خيار أمامَ هذه الدول خصوصاً التي تتلوى على حروب المكونات غير العودة إلى خرائطها. العودة من رهانات القوة والطلاق والانتصار والأحلام الشائكة، ولو محقة أحياناً.
تذكَّرت ما سمعتُه ذاتَ يوم في بغدادَ من الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني. قالَ: «من حقّ الكرد أن يحلموا بدولة لهم أسوة بباقي الشعوب. لا يستطيع كردي المجاهرة بالتنازل عن هذا الحلم. لكنّي حين ألتفت إلى خرائط الدول المجاورة وأكرادها وإلى ميزان القوى، أختار التسويةَ بين الحلم والوقائع والأرقام. في الواقعية أشعر أنَّ للأكراد في حال الحصول على حقوقهم الأساسية مصلحةً في البقاء في العائلة العراقية بدلاً من الغرق في نزاعات لا تنتهي».
صحةُ الخرائط كصحةِ الأفراد تحتاج إلى صيانة دائمة على قاعدة المواطنة والمؤسسات لقطع الطريق على إغراءات القفز من الخرائط. وصيانة الخرائط تحتاج إلى شجاعة العقلاء وأهل التَّبصر ورحابة اللقاء في منتصف الطريق. لا تُصانُ الخرائطُ بالقوة والهيمنة والاستئثار والغلبة. الانتصارات القاهرة مؤقتة مهما طالت. طريق الاستقرار تمرُّ دائماً بالتسويات العادلة وشعور كلّ سكان الخريطة بالانتماءِ والمساواة أمام القانون واحترام الخصوصياتِ والاعتراف بحقّ الاختلاف.
هل يملك اللبنانيون خياراً أفضلَ من العودة إلى الإقامة تحت سقف الدولة؟ دولة تساوي بين المكونات والمواطنين وتكونُ وحدَها المسؤولة عن قرار الحرب والسلم. دولة تعيش في ظلّ سلاح مؤسساتها الشرعية وحده. كلّ الحلول الأخرى تطيل زمنَ التَّصدع وتفتح البابَ لمختلف أنواع المغامرات وبينها ترسيخ خيار اليأس من التعايش.
هل يملك الليبيون خياراً أفضلَ من العودةِ إلى العيش في ظلّ دولةٍ واحدة تتَّسع للجهاتِ والتيارات لكنْ في ظلّ القانون والمؤسسات؟ منطقُ المناطقِ مقلق. والجيوشُ الصغيرة معادية بطبيعتها للطمأنينة والتنميةِ والتَّقدم. كلّ تصدعٍ وطنيّ يفتح بابَ التدخلات الخارجية ويحوّل المتحاربين داخلَ الخريطة وكلاءَ لحروب تُخاض بهم ولكنْ على حسابهم.
هل يملك السوريُّ بيتاً أفضل من سوريا في دولة عادلة تتَّسع لأكرادها وأهلِ الساحل والسويداء على قاعدة المواطنة والاعترافِ المتبادل والعيش في ظلّ القانون؟
صناعةُ الاستقرار مَهمةٌ ملحّة. لا أمنَ ولا أمانَ في غياب الاستقرار. لا تقدّمَ ولا تنميةَ في غياب الدّول المستقرة والحكومات العاقلة والعادلة.
الحوارُ الجنوبيُّ في السعودية فرصةٌ لا بدَّ من اغتنامِها. نجاح هذا الموعدُ سيقدّم الدليلَ على انضواء المشاركينَ في صنع سياساتِ الاستقرار في اليمن. يمكن أن يقدم هذا أيضاً نموذجاً ناجحاً للدّول التي تحتاج إلى صيانةِ خرائطِها بلغةِ صناعة الاستقرار.
















التعليقات