عبدالرحمن الحبيب

«تخيل فريق كرة قدم يقيس نجاحه فقط بعدد الأهداف التي يسجلها، ولا يحسب الأهداف التي تستقبلها شباكه؛ قد يكون هذا الفريق خاسراً طوال الوقت دون أن يدرك ذلك...» هذا ما يقوله الخبير الاقتصادي الشهير بجامعة كامبريدج، البروفيسور بارثا داسغوبت موضحاً أن نماذجنا الاقتصادية تقدم لنا صورةً ناقصة بأن اقتصاداتنا سليمة لأنها تنمو، إلا أن هذا لا يأخذ في الحسبان حقيقة أن نمونا مدفوع بمورد نأخذه مجاناً ونتعامل معه على أنه لا ينضب: الطبيعة. لقرون، استخدمناها كما لو كانت مستديمة، لكننا نعلم الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن طلبنا على العالم الطبيعي غير مستدام؛ فلم يعد كافياً أن نرى جزءاً من الصورة فقط؛ لقد حان الوقت لأن تُظهر لنا نماذجنا الاقتصادية الصورة كاملة، وذلك بإدراج الطبيعة فيها.

تلك خلاصة ما جاء في كتابه الجديد بعنوان: حول رأس المال الطبيعي: قيمة العالم من حولنا (On Natural Capital: The Value of the World Around Us) الذي يطرح منهجًا جديدًا رائدًا في علم الاقتصاد موضحاً أن لكل شيء مهم في الحياة تقريباً يوجد نموذج اقتصادي، وقد وجدنا طريقة لتحديد قيمته المالية، أي قياس أهميته في حياتنا ومجتمعنا، متسائلاً: ماذا لو وضعنا قيمة للطبيعة كما نضع قيمة لكل شيء آخر؟

هذا الطرح دعا عالم الطبيعة الأشهر ديفيد أتينبرا إلى القول: «علم الاقتصاد هو علم يُؤثر في القرارات المصيرية، ولذا فهو يهمنا جميعًا؛ وأخيرًا، يضع بارثا داسغوبتا التنوع البيولوجي في صميم هذا العلم، ويُقدم لنا البوصلة التي نحتاجها بشدة... من خلال الجمع بين الاقتصاد وعلم البيئة».

هذا النموذج الاقتصادي الجديد يطمح لتغيير محور وهيكل الاقتصاد العالمي، عبر منهجية تتناول الحاجة الوجودية لنا بإعادة النظر في علاقتنا بالطبيعة لدعم نضالنا في مواجهة تغير المناخ، واعتبار الحفاظ على موارد الطبيعة ضرورة اقتصادية ملحة؛ فالأسواق تفشل في حساب قيمة الطبيعة، والنظام الاقتصادي العالمي استهان بالطبيعة، وها نحن ندفع الثمن، يقول داسغوبتا: «هذه هي المشكلة الأساسية التي يواجهها الاقتصاد العالمي الآن... لقد غرقنا، لأنه لا يمكننا الاستمرار في الاعتماد على الطبيعة إلى ما لا نهاية».

على سبيل المثال، الأنظمة المائية والغلاف الجوي والأراضي الساحلية والغابات، تُعتبر موارد مجانية، وعندما تكون الأشياء مجانية يميل الناس إلى استهلاكها أكثر مما يحتاجون، كما يقول داسغوبتا مضيفاً: «الغلاف الجوي مجاني، وهذا أحد أسباب انبعاثات الكربون المفرطة، إذا بدأنا بفرض رسوم مقابل انبعاث الكربون بمعدل مكافئ، فمن الطبيعي أن تنخفض هذه الانبعاثات».

ليس بالضرورة أن تكون التكلفة نقدية كما يوضح داسغوبتا، بل يجب أن تكون رادعًا للشركات والأفراد عن استنزاف الموارد الطبيعية أو تلويثها أكثر مما قد يفعلون، وبدلًا من التفكير في التكاليف يقترح تحديد القيمة الاجتماعية التي تُقدمها لنا الطبيعة، ثم تسعيرها للمساعدة في إعادة التوازن البيئي.

يقول داسغوبتا مقترحاً: «عليك البحث عن الخدمات التي يُقدمها رأس المال الطبيعي، وإيجاد طرق لتسعيرها، فالسعر هو وسيلة لتقدير قيمة الشيء. نستخدم مصطلح السعر، لكنه لا يعني سعر السوق؛ نسميه سعر المحاسبة، أو السعر الضمني، أي القيمة الاجتماعية. هذه هي الفكرة، لأن السوق لا يُناسب هذه المجموعة من السلع تحديدًا. لذا، عليك محاولة إيجاد طرق لتقدير مساهمة الطبيعة في رفاهية الإنسان».

على سبيل المثال، يقترح داسغوبتا تعويض الدول التي تمتلك غابات استوائية مطيرة، وذلك بدفع مبالغ مالية لها مقابل عدم إزالة الغابات، وهو مفهوم يجري استكشافه بالفعل من خلال مرفق تمويل الغابات الاستوائية. كما أنه كثيراً ما أكد على ضرورة وجود مؤسسة دولية موازية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لإدارة المحيطات، باعتبارها مورداً متاحاً للجميع لا يُؤخذ في الحسبان بدقة في نماذج التسعير، ويسميه البعض البنك الأخضر.

لا يُفضل داسغوبتا تركيز الحديث عن تغير المناخ، خاصةً مع المنتقدين، لأن الناس لا يفهمون أو يتفاعلون مع هذه الفكرة الغامضة والمجردة، لكنهم يتفاعلون مع فكرة التغير المفاجئ للعالم الطبيعي الذي اعتادوا عليه، ومن الصعب تجاهل فوائد الغابات عند الحديث عن إزالة الغابات أكثر من الحديث عن أنماط الطقس، وقال: «الحديث عن التنوع البيولوجي، وحقيقة فقدان الأنواع، كالحشرات وغيرها، أكثر إقناعًا بكثير».

يرى داسغوبتا إن العالم الغربي قد أخطأ في فهم فكرة البيئة والتنوير، ويقول: «لقد اتجهت الثقافة الغربية بشكل متزايد نحو التركيز على مدى نجاحنا. لقد أصبح الأمر أشبه بالاحتفاء بالعلم والثقافة، وكل ما يخطر على البال كالإنجازات في الموسيقى وغيرها؛ وفي الوقت نفسه، بالطبع، ندمر الطبيعة بشكل جنوني... الطبيعة هي ما تطلبه منها، وإذا طلبت منها أكثر من اللازم، فستبدأ في التدهور تدريجياً».

يُخصص كتاب داسغوبتا حيزًا للدور المهم للهيئات التنظيمية وصُنَّاع السياسات في تسعير الطبيعة، ويُشجع داسغوبتا هذه الهيئات التنظيمية على التواصل مع علماء البيئة لفهم أفضل، ليكونوا قادرين على تقديم تقارير ونصائح لمن يضعون المعايير، ويجب أن يكون هناك حوار لاستيعاب عمل الطبيعة، بدلًا من مجرد تنفيذ التعليمات دون فهمها.