كان اول المنادين بالحكم الذاتي في البصرة هو طالب النقيب في عام 1912. كان النقيب حينها أحد اعيان البصرة ونجح في انتخابات عام 1911 ليكون أحد نواب البصرة في الاستانة عندما كانت بلاد مابين النهرين تابعة للحكم العثماني. قوة النقيب البرلمانية والشعبية والاقتصادية باعتباره كان من اسرة غنية في البصرة كانت دوافع لمطالباته باستقلال ولاية البصرة. واسس لذلك المشروع (جمعية البصرة الإصلاحية) التي دعت الى تأسيس مجالس محلية التي اخذت على عاتقها المشروع. وكما هو حال العراق وقوة المنتفعين اختلفوامع النقيب تحت مسمى الاتحاديين آنذاك رافضين مشروع استقلال ولاية البصرة وانتهى المشروع لكنه بقي في ذاكرة البصريين. عاد المشروع مرة أخرى في عام 1921 اثناء اعلان تأسيس المملكة العراقية وتتويج الملك فيصل الأول ملكاً على العراق، لكن أعيان البصرة رفضوا ذلك بعريضة رفعوها الى المندوب السامي البريطاني برسي كوكس على العراق في 3 حزيران يونيو من عام 1921 وتضمنت عريضة أعيان البصرة بان البصرة ليست جزء من الأراضي التي أعلنتها بريطانيا مملكة واُطلق عليها المملكة العراقية، بل ان أراضي البصرة مختلفة عن الأراضي التي تقع شمالها والتي ترمون تسميتها العراق كما ذكر الأعيان. لكنهم اوضحوا في عريضتهم انهم على استعداد للاتفاق على اتحاد فدرالي بين ولاية البصرة والمملكة العراقية (راجع تاريخ الوزارات العراقية لعبد الرزاق الحسني) على اية حال استمرت بريطانيا بإعلانها ضم الأراضي الواقعة ما بين النهرين والبصرة والموصل تحت مسمى المملكة العراقية. منذ ذلك التاريخ الحافل بالحداث لم تعرف تلك الأراضي الاستقرار السياسي او التنمية الاقتصادية حتى اندثر ذلك المشروع لفترة من الزمن لكنهبٌعثت به الحياة مرة أخرى بعد سقوط نظام صدام حسين وتصدت شخصيات لإعادة ولاية البصرة المستقلة بمضمون دستور العرق الجديد ونادت بهشخصيات لها حظوة اجتماعية وإعلامية مثل القاضي وائل عبد اللطيف والإعلامي النائب محمد الطائي. لكنهم اصطدموا بتسويف الحكومة المركزية في بغداد ودخل نواب البصرة وادارتها المحلية ضمن اتون الصراعات الطائفية والفساد المزمن فذهب شعب إقليم البصرة كما يقول اهل البصرة– بالرجلين- أي تحت الاقدام ، اُهملت المدينة ودخلت ضمن صفقات الأحزاب بمقدمتهم المجلس الإسلامي الأعلى الذي ورثه نجل عبد العزيز الحكيم السيد عمار الحكيم وحكمت مليشياته المدينة بالتحاصص مع حزب اخر يدعى حزب الفضيلة، وجماعة مقتدى الصدر وحزب الدعوة وشيوخ عشائر منتفعة من الوضع فسادت فوضى عارمة دخلت بعامها الخامس عشر ، حيث تركت المدينة بلاقانون ينظم الوضع الأمني والداخلي وظهرت التجاوزات والمدن العشوائية وشراء المعاملات واراضي الدولة بعقود مزورة وبيعها على المواطنين لحل ازمة السكن بلا بنية تحتية او تخطيط عمراني مما أدى الى تلوث للتربة ومصادر المياه وتضخم عشوائي في شبكات الكهرباء.

في الثامن من تموز الجاري شعر اهل البصرة بأنهم يتعرضون الى عملية نصب كبرى

مع كل تلك الفوضى تستمر الأحزاب بالتحاصص مع شخصيات حكومية لاستخراج النفط بشكل غير مدروس وترك عوادم الابار والغازات والابخرة دون حماية لأجواء البصرة وبيعه وتحويل الأموال الى جهات غير معلومة بعيدة عن أي تقدم عمراني او اداري او استثماري.

في الثامن من تموز الجاري شعر اهل البصرة بأنهم يتعرضون الى عملية نصب كبرى ابطالها الأحزاب والمليشيات المدعومة من إيران، نواب البصرة في برلمان حكومة بغداد وأعضاء الحكومة المحلية الذين يرتبطون بالكتل والأحزاب المتحكمة. بدأت مظاهراتهم ثم تحولت الى اعتصامات مدنية سلمية مازالت مستمرة. هذا الحراك الاجتماعي اقلق النظام المتحكم في بغداد واخذت الحكومة المنتهية الصلاحية تتخبط في قراراتها فمرة يقدم هادي العمري زعيم أكبر المليشيات اعتذاره للشارع العراقي ومرة يقيل رئيس الوزراء حيدر العبادي وزير الكهرباء وإجراءات أخرى كصرف الأموال للمشاريع والخدمات والاعلان عن وظائف للعاطلين عن العمل بالإضافة الى التهديد بالقوة واستخدام السلاح الحي ضد المتظاهرين السلميين ورشوة شيوخ العشائر لمنع ابناءهم من المشاركة بالاعتصامات لكن لم نر في الأفق أية تهدئة للشارع العراقي وسكان البصرة بالذات. ارتفع سقف مطالبها الى تغيير النظام السياسي ووقف العمل بالدستور. هنا أعلنت حكومة البصرة المحلية وتحت تأثير الضربات الشعبية انها رفعت 15 توقيع لأعضاء الحكومة المحلية الى حكومة بغداد للمصادقة على الإقليم من قبل رئاسة الوزراء ورفعه الى مفوضية الانتخابات للاستعداد الى التصويت على الاستقلال الإداري لولاية البصرة من قبل سكانها. المتظاهرون وجلهم من جيل الشباب لا يرون بذلك أي تنفيذ لمطالبهم وشككوا بان موافقة الحكومة على الإقرار باستقلال البصرة هي لعبة أخرى من الاعيب الحكومة التي تمرست بالنصب على شعبها لخمسة عشر عام.

الرأي الأكثر واقعية هو انقاذ ما تبقى من حياة الناس البائسة

القائمون على مشروع الأقليم والاستقلال الإداري للبصرة يرونه فرصة طالما طالبوا بها في السابق لكن وسط انعدام الثقة بالنظام السياسي وابطال المليشيات والفساد في البصرة والمتواطئون المنتفعون من الحكومة والدعمالإيراني للمليشيات كل ذلك يجعل من الصعب إيجاد شخصيات بصرية مستقلة وقوية قادرة على الوقوف بوجه حكومة الفساد والاحزاب في بغداد وحماية حقوق إقليم البصرة. تميل غالبية الآراء لبعض استطلاعات الراي غير الرسمية ان الإقليم فرصة سكان البصرة ولكن بعد تغيير النظام السياسي في بغداد وهو احتمال غير واقعي لان تغيير النظام السياسي-هذا اذا تحركت بغداد وماحولها لتغيير النظام- وكتابة دستور جديد من المحتمل الغاء الموافقة على سياسة الاقاليم. المعروف عن سكان البصرة لا يشبهون سكان مناطق كردستان العراق بالروح الانفصالية فهم لا يرون أنفسهم الا جزء من عراق موحد ونظام رئاسي مركزي تشكل البصرة الجزء الثري والميناء المهم له. لكن هذه الاحلام الوطنية تكسرت على صخرة الواقع المر والممعن بخيانته وفساده واذلاله للعراقيين. هذا الواقع يجعل الرأي الأكثر واقعية هو انقاذ ما تبقى من حياة الناس البائسة وإعلان الاستقلال الإداري بمعالجات محلية واليات تمنع تسرب قوى الفساد والمليشيات والعمالة الى داخل النظام الإداري الجديد في الإقليم، وأصبح الشعب في البصرة اكثر وعياً ويراقب حركة المسؤولين ويملك من القوة الشعبية والعشائرية ضماناً للشفافية السياسية والاقتصادية لرئيس الإقليم ومجلس إدارة البصرة. ربما تكون قدرة النظام السياسي في بغداد اذالم يتحرك سكان العاصمة لتغييره بعد اعلان إقليم البصرة المستقل سيكون اقل قدرة على السطو والتلاعب بثروة الإقليم الجنوبي الثري.