قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

ازمة تسريبات الدبلوماسي البريطاني كيم دارويش في واشنطن التي اثارت عاصفة هوجاء بين البلدين حيث تطايرت التعليقات القاسية بين ترامب من جهة وبين اعضاء الحكومة البريطانية من جهة اخرى وكذلك تطايرت الاغطية عن واقع العلاقات البريطانية الامريكية.

لطالما وصفت الادبيات السياسية العلاقة الانكلو- امريكية بانها علاقات خاصة وان تراث هذه العلاقة العميق من الصعب ان تتجاوزه الحكومات والقيادات السياسية في البلدين. وعلى الرغم من ان اغلب المؤرخين يجدون ان قمة هذه العلاقة كانت ابان فترة الحرب العالمية الثانية او ما يعرف بتحالف تشرشل -روزفلت، ولكن الحقيقة ان العديد من المحللين والكتاب المعاصرين يرون ان قمة هذه العلاقة وعصرها الذهبي كان في فترة رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر والرئيس الامريكي رونالد ريغان ، كل شيء في هذه العلاقة كان متوازناً ومنسجماً .

استطاعت حكومة مارغريت تاتشر ان تقدم نفسها كحليف وصديق مخلص للادارة الامريكية وتم انشاء تقاليد غير مسبوقة غيرت العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والدفاعية المعاصرة بين البلدين. استفادت الولايات المتحدة من الخبرة والانتشار التاريخي للمملكة المتحدة في مختلف مناطق العالم وخاصة في اسيا التي باتت ساحة الصراع الابرز مع الاتحاد السوفيتي السابق وفي نفس الوقت استفادت المملكة المتحدك من قوة وثراء الولايات المتحدة و التي كانت بريطانيا بامس الحاجة لها لتجاوز ازمتها الاقتصادية الحادة في فترة افول القوة وانكماش النفوذ مابعد نهاية الحرب العالمية الثاني .

واستمرت تلك التقاليد التي ارساها كل من ريغان وتاتشر الى سنوات لاحقة كان اهمها علاقة رئيس الوزراء توني بلير والرئيس الامريكي جورج بوش الابن ابان الحرب على العراق في 20 بل و عرض توني بلير مستقبله السياسي للخطر في سبيل تأمين مشاركة القوات البريطانية في التحالف مع الولايات المتحدة متجاوزاً رفض الراي العام في داخل البريطانيا لهذه الحرب، ومدعياً ان حكومته تؤكد امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل الامر الذي تم نفيه ووصم تاريخ رئيس الوزراء توني بلير بالكذب على الراي العام .

ولكن رغم تلك التضحيات وهذا التاريخ من العلاقة الخاصة التي جمعت بين البلدين الا انه يبدو ان التناغم والشراكة الخاصة للولايات المتحدة بدأت رحلة نزولها من القمة بشكل ملموس منذ انتخاب الرئيس دونالد ترامب. السفير البريطاني في واشنطن الذي تثار حولة الزوابع اليوم " كيم دارويش " كان قد اعلن عشية الانتخابات الامريكية انه يرجح فوز هيلاري كلنتون ، وهذا اهم الاخطاء التي لايجب ان يقع فيها دبلوماسي محنك بخبرة واسعة مثل كيم دارويش الذي تناوب على العمل كمستشار لتوني بلير وغوردن براون وديفيد كاميرون. ثم عاد هذا السفير وبعد فوز دونالد ترامب ليصرح بانه يأمل بان تكون العلاقات الامريكية البريطانية في قمتها كما كانت في فترة تاتشر - ريغان ، هذا التصريح ربما غازل فيه رئيسة الوزراء تريزا ماي المأخوذة بفكرة مقارنتها بالمرأة الحديدية ولكن هذا التصريح لم يعحب ترامب كما لم تعجبه شخصية دارويش اصلا وسبق ان لمح برغبته بان يكون شخص مثل" نايجل فاراج " سفيراً للملكة المتحدة الا ان الاخير رد على هذا التلميح بان بريطانيا لديها سفير محترم وناجح في واشنطن.

من جهة اخرى شخصية الترامب لم تتفاعل كيمياوياً ولا فيزياوياً باي شكل من الاشكال مع جمود وبرودة شخصية رئيسة الوزراء تريزا ماي التي كانت ايضا منهمكة في معركةالبريكست التي لم تكن اضرارها محصورة داخل بريطانيا ، بل سرعان ما انتشرت عبر الاطلسي لتصيب العلاقات الامريكية البريطانية .

السيدة ماي لم تمتلك الحنكة المطلوبة لتعرف ان تقوية العلاقات مع الولايات المتحدة كان يجب ان يكون اهم اولوياتها حيث ان قوة العلاقة مع الامريكان كان يمكن ان تؤثر كثيراً على مفاوضاتها مع الزعماء الاوربيين الذين طالما كانوا يتفاعلونا طرديا مع قوة العلاقات الانكلو - امريكية وهذا هو سر نجاح مارغريت تاتشر في مفاوضاتها مع الاوربيين السبعينات والثمانينات وهذا ايضا ما نجح فيه رئيس الوزراء جون ميجور والذي كان لعلاقته المتينه مع الرئيس كلنتون اثر كبير في مفاوضات السوق الاوربية المشتركة في منتصف التسعينات.

تريزا ماي وحكومتها كانوا يتفاوضون للخروج من الاتحاد الاوربي في نفس الوقت الذي يبدون اكثر اتساقاً وتملقاً للاوربيين في القضايا الدولية بل وان الاتفاق الذي جلبته تريزا ماي يعطي افضلية تجارية للاوربيين اكثر من تلك التي تعطى للشركات الامريكية الامر الذي اغضب ترامب الذي يعتبر ان التجارة والاقتصاد اهم اعمدة العلاقات الامريكية وان اي تفضيل يعطى للاوربيين لا تحصل عليه الولايات المتحدة هو خطأ لا يتم التسامح فيه.

زيارة ترامب الاولى للمملكة المتحدة عندما كانت تريزا ماي رئيسة للوزراء لم تجري على مايرام في حين ان الزيارة الثانية بعد اعلان استقالتها كانت اكثر نجاحاً وحاول ترامب ان يعطي رسالة ان رئيس الوزراء المقبل اذا كان على مزاج ترامب فان بريطانيا سوف تحصل على اكبر واهم اتفاقية تجارية مع الولايات المتحدة والتي قد تنقذها من تبعات الخروج من الاتحاد الاوربي. ولكن الذي حدث مباشرة وبعد انتهاء زيارة ترامب للمملكة المتحدة بدأت الحكومة البريطانية بالمماطلة في مفاوضات الاتفاقية التجارية مع الولايات المتحدة بحجج مختلفة وهذا الامر اغضب الادارة الامريكية وهذا ما كشفت عنه مؤخراً صحيفة التلغراف البريطانية. المماطلة البريطانية اوحت بان حكومة حزب المحافظين ليست متحمسة للشراكة مع الامريكان وخاصة وانها لم تحسم ملف البريكست وايضاً لان الشروط الامريكية مهيمنة ومقيدة للاقتصاد البريطاني وخاصة فيما يتعلق بالانفتاح التجاري مع الصين ، الامر الذي ترفضه العديد من جماعات المال والاعمال المؤثرة في السياسة البريطانية.

الرئيس ترامب ومنذ توليه ادارة البيت الابيض عبر بصورة مباشرة ان لن يلتزم بقواعد العلاقات السياسية التي لا تتوالم مع مبدأ امريكا اولاً .

وبالتالي هو لا يبالي بالعلاقات الخاصة مهما كانت تمثل من اهمية في التراث السياسي الامريكي لا قيمة لها لدى ترامب مادامت لا تساهم في الاقتصاد الامريكي. القسوة التي تعامل بها ترامب مع السفير البريطاني لدى واشنطن كان عبارة عن رسالة تنبيه لرئيس الوزراء القادم بان زمن العلاقات الخاصة المجانية قد انتهى مع نهاية بريطانيا العظمى وان الولايات المتحدة لم تعد بحاجة لشريك سياسي او دفاعي ،وان هيكلية العلاقات الانكلو- امريكية سوف تتحدد اهميتها وخصوصيتها مع حجم التبادل التجاري والاقتصادي فقط.