انتهى موسم الأعياد ودخل الشهر الأول من عام 2016 شطره الأخير بصفارات انذار. فالتاريخ اتجاه لا مرد عنه من الأمل والكارثة. ولا يصح هذا على منطقة مثلما يصح على الشرق الأوسط.

بدأ العام الجديد بتنفيذ الاتفاق النووي بين القوى الدولية وايران. ومن المتوقع ان ينهي الاتفاق تدريجيا عزلة ايران المديدة والجفوة التي اعترت العلاقة بينها وبين الغرب على امتداد 35 عاما ، والعقوبات الدولية التي قصمت ظهر الاقتصاد الايراني. وكانت الولايات المتحدة والقوى الدولية الأخرى ، بريطانيا وفرنسا والمانيا والصين ورسيا ، ايضا تنفست الصعداء بالاتفاق. فهي ايضا دفعت ثمنا من الفرص التجارية والاستثمارية الضائعة مع ايران وصعوبة استيراد النفط الايراني. وتسببت العقوبات التي فُرضت على تصدير النفط الايراني في خفض الامدادات النفطية رغم جهود العربية السعودية للتعويض عن غياب النفط الايراني بزيادة انتاجها.
وبالنسبة للرئيس الاميركي باراك اوباما يعتبر الاتفاق النووي احد انتصارين كبيرين لسياسته الخارجية رغم الاعتراضات التي لاقاها الاتفاق من حلفاء اقوياء للولايات المتحدة ومن داخل الكونغرس الاميركي نفسه. وكان الانتصار الآخر تطبيع العلاقات مع كوبا لأول مرة منذ دخول فيدل كاسترو العاصمة هافانا ظافرا بعد اسقاط نظام باتيستا عام 1959. ويُفترض بأن تشكل هذه النجاحات في مجال السياسة الخارجية واصلاح نظام التأمين الصحي في الداخل ، تركة اوباما حين يغادر البيت الأبيض في مطلع عام 2017. ويرى اوباما ان تركة دائمة يخلفها أول رئيس اميركي ذو اصول افريقية تتسم بأهمية خاصة. ولكن المؤرخ البريطاني ديباك تريباثي يقول في كتابه " مخططات امبراطورية: الحرب والمذلة وصنع التاريخ"
Imperial Designs: War, Humiliation and the Making of History
ان الانجازات التي تنال تغطية اعلامية واسعة وتستأثر بالعناوين الرئيسية شيء والواقع شيء آخر. فبعد نحو ستة اشهر على توقيع الاتفاق النووي مع ايران فرضت الولايات المتحدة عقوبات على ايران بسبب تجاربها الصاروخية ناسفة أي رهان على تحسن العلاقات بين واشنطن وطهران في وقت قريب أو عودة الشركات الاميركية للتعامل مع ايران. في البداية رفض وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف اي علاقة بين برنامج ايران الصاروخي والاتفاق النووي. وذهب الرئيس حسن روحاني ابعد من ذلك متهما الولايات المتحدة بالتدخل غير القانوني وأوعز لوزير دفاعه بتسريع البرنامج الصاروخي في مواجهة العقوبات الجديدة.
ويشير المؤرخ البريطاني تريباثي الى احداث خطيرة أخرى أسهمت في تصعيد حدة التوتر في الشرق الأوسط بسبب تشجع ايران بعد الاتفاق النووي. ويتناول في هذا المجال الاعتداء على سفارة العربية السعودية وقنصليتها في ايران عقب اعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر بتهمة الارهاب والتحريض على العنف الطائفي. ويقول تريباثي ان هذه التطورات زادت صراع القوى في الشرق الأوسط حدة ورفعته الى مستوى جديد حتى ان احساسا حقيقيا نشأ بخطورة الأزمة في الشرق الأوسط. وردا على الاستفزازات الايرانية قطعت العربية السعودية علاقاتها الدبلوماسية مع ايران وحذت حذوها جبوتي والسودان. واقدت دول الخليج الأخرى على خفض مستوى تمثيلها في طهران أو استدعاء سفرائها. والايرانيون من جهتهم اتهموا القوة الجوية السعودية بقصف سفارتهم في صنعاء. ويتوقع المؤرخ تريباثي ان تزداد مشاعر العداء لايران في الكونغرس الاميركي والبنتاغون إذا حدث وان شنت ايران هجوما مباشرا على المصالح السعودية وان تنطلق دعوات في واشنطن الى التحرك لدعم العربية السعودية. ويرجح تريباثي ان يقاوم اوباما هذه الدعوات ولكنه سيتعرض الى ضغوط من جهات متعددة ، بما في ذلك من البريطانيين والفرنسيين والأتراك ودول عربية سنية أخرى ، على حد تعبير المؤرخ البريطاني. وستكون الرهانات كبيرة. فإذا ابدى اوباما مقاومة عنيدة في مواجهة هذه الضغوط ستزداد الانتقادات لسياسته الخارجية. وسيتهمه خصومه بالعمل ضد المصالح الوطنية الاميركية. وستعم الفوضى السنة الأخيرة من ولاية اوباما الثانية ، كما يتوقع المؤرخ تريباثي. من جهة اخرى إذا رضخ اوباما للضغوط يمكن ان تنجر الولايات المتحدة الى نزاع جديد مع ايران. وستُجهض الاستراتيجية التي وضعها اوباما بدقة لانتهاج سياسة تقف على مسافة متساوية من جميع الأطراف في الشرق الأوسط. وستنتقل تركته الرئاسية بعد اصابتها بضرر لا يمكن اصلاحه ، الى من يأتي بعده ، بحسب المؤرخ تريباثي.

*ديباك تريباثي زميل الجمعية التاريخية الملكية والجمعية الآسيوية الملكية في بريطانيا وايرلندا وهو مؤرخ تشمل اهتماماته الشرق الأوسط وجنوب آسيا ودور اميركا في العالم. وكتابه الجديد "مخططات امبراطورية" هو الجزء الأحدث من ثلاثيته حول الشرق اوسط.