قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تتابع "إيلاف" قراءةً عابرةً للأفكار والخواطر، لكتاب "هشام ناظر... سيرة لم تروَ"، ألفه تركي الدخيل. وفي هذه الحلقة قراءة للفصلين الأول والثاني، فيما يأتي باقي الفصول تباعًا.
لا أقدم تكثيفًا هنا لسيرة هشام ناظر كما كتبها تركي الدخيل في كتابه "سيرة لم ترو"، بل أستمر في هذه الحلقة الثانية في عرض انطباعات شعرت بها في اثناء قراءتي الكتاب. فلا بديل لتصفحه بهدوء، وقراءته بتمعن، لجني فائدة كاملة من كنز معلومات وتفصيلات لم تنشر سابقًا بهذا الأسلوب الشيق والصريح والممتع.
تركية... وعربية
يتناول تركي الدخيل في الفصل الأول من الكتاب طفولة هشام ناظر ومراحل دراسته وأحلام الدراسة والتجارة والاخوة والعائلة وعلاقته بوالده وقصص كفاحه ونجاحه.
في هذا الفصل، يتحدث هشام ناظر عن جذور عائلته قائلًا إن العائلة، من حيث تكوينها الأساس، تركية التعليم واللغة، بمعنى أن الأجداد الأولين لعائلة الناظر وصولا إلى أعمامه ووالده كانوا كلهم، مجتمعين، يتحدثون التركية، إضافة إلى العربية، بسبب تعلمهم جميعًا في مدارس الدولة العثمانية خلال حكمها. ثم يصل المطاف بعمه ووالده إلى جده ليبدأ فرع جديد من عائلة الناظر يتفرع ويزداد في السعودية.
وعن أبيه محي الدين، رحمه الله، يقول هشام ناظر: "أمور كثيرة حين أستذكرها في والدي، أجد أني استضيء بها في طريق هذه الحياة، ويتحدث هشام عن علاقة والده الروحانية وارتباطه بالصلاة. حتى أن ارتباط والده بالتجارة كان لأهداف لا علاقة لها بالربح المالي، بل بقصد التهيؤ للصلاة، أي للوضوء قبل ذهابي إلى المسجد، وبقصد مقابلة اصدقائي واجتماعي بهم هنا في الدكان".
كانت علاقة هشام بوالده استثنائية، لكن ليس على حساب علاقة الأب ببقية الابناء، على الرغم من أنه عيّن وصيًا على اخوته وهو في الثانية عشرة.
تعلم هشام من والده الحلم مقابل الغضب والكرم مقابل البخل والصبر مقابل التسرع والأدب مقابلة قلّة الأدب.

مواهب مبكرة
ألقى هشام ناظر قصيدة في حضرة ولي العهد الأمير سعود بن عبد العزيز رحمه الله، عندما جاء في زيارة لتفقد جده، وكان حينها في الرابعة عشرة. أنشد:
عن أي ثغر منك يا أعمار بسم الزمان فبان منه وقار
سل ثغر جدة هل هوت عن فلجه شفة وهل نرضى لها تنهار
الموج يرقص والشواطئ تنتـ ـشي والشعب للأمل الصبوح مثار
وانهى القصيدة بالبيت الآتي:
والملك والشعب الوفي توائم يرعى بنوتها لها الأبرار
لقيت القصيدة اعجابًا كبيرًا. وحين التقى بسكرتير الأمير آنذاك، الاستاذ عبد الله بن عمر بلخير رحمه الله، قال له: "لقد سعد سمو الأمير بقصيدتك، وهو يحب اكرامك فماذا تطلب؟". اجابه هشام انه يريد أن يتعلم، فالدراسة حلمه. والجميل هنا كان جواب هشام الفوري من دون أي تنسيق أو تشاور مع أحد.
وكان الوالد محي الدين حريصًا جدًا على تعليم اولاده، يعلمهم الانكليزية في المنزل، وأدخلهم جميعًا مدرسة "الفلاح"، وكانت أول مدرسة نظامية خاصة في الجزيرة العربية. يروي هشام: "كانت تجربتي طالبًا في مدرسة الفلاح تجربة ممتازة. درست على أيدي اساتذة عظام".
حلم الدراسة
كان النجاح الذي حققه هشام في "الفلاح" نجاحًا صلبًا، فتح له نوافذ كثيرة، ثم حقق حلمه في استكمال دراسته في كلية فيكتوريا بمصر.
يقول هشام: "في عام 1948، انتقلت إلى فيكتوريا في الاسكندرية، لكن بعد اجتياز امتحان الدخول بنجاح وهو امتحان باللغة الانجليزية". هناك عاصر هشام ناظر زملاء مثل الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال رحمه الله. ويتابع هشام: "قضيت ست سنوات كانت من امتع سنوات حياتي. نافست اولاد الملوك والنخب آنذاك". وبعد الانتهاء من فيكتوريا، عاد هشام إلى جدة حاملًا شهادة نجاح وحلماً جديداً، هو استكمال الدراسة في الولايات المتحدة الأميركية، ثم أكمل دراسته الجامعية في جامعة كاليفورنيا، "فدخلت جامعة كاليفورنيا واصابني الذهول، طرائق التفكير والتواصل والنضج المقيم في عقول الطلبة".
هوى هشام ناظر دراسة الهندسة المعمارية، لكنه قرر في لوس انجليس التوجه نحو دراسة العلوم السياسية. ونقل الدخيل كلام هشام ناظر في الصفحة 59 في كتابه: "كان أكثر أحد زادني حماسًا في التوجه نحو دراسة العلوم السياسية هو القنصل الاسرائيلي في لوس انجلوس. وكان يتمتع بنشاط استثنائي في مديح دولته وشتيمة العرب والنيل منهم". فأقسم هشام بالله أن يتعلم مثله ويرفع اسم بلاده عاليًا. ووفى بقسمه في السنوات اللاحقة كما سنرى، ورفع اسم السعودية عاليًا.
حصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بمرتبة الشرف في عام 1957، على الماجستير في الاختصاص نفسه في عام 1958، ووصلته رسالة من عميد الجامعة يذكر له فيها بأنه لاحظ حصوله على مرتبة الشرف في تخصصه، وبأن الانجاز الأكاديمي الذي أنجزه قد لفت النظر اليه.

يبحث عن وظيفة
في ثاني فصول الكتاب، يعود هشام إلى رحاب الوطن، ويزور وكيل وزارة الخارجية الاستاذ محمد محتسب ليستفسر عن وظيفة. أجابه حينها أنه ليست لديهم وظيفة شاغرة، وعليه أن يبحث في مكان آخر. ثم تلقى هشام اتصالاً من الشيخ عبدالله الطريقي، المدير العام لشؤون الزيت والمعادن آنذاك، يطلب لقاءه بسبب تهنئة في جريدة لشاب متعلم وقعت عليها عين الطريقي نفسه. يقول هشام ناظر: "عرض عليّ عملاً في المديرية فوافقت. وبعدها، أتى جواب تعييني رسميًا بقرار صادر عن الملك براتب مقداره 1500 ريال".
في عام 1959، عُقد مؤتمر البترول العربي الأول في القاهرة، وكان هشام ضمن الوفد السعودي. كانت هذه مشاركة هشام ناظر الأولى في المؤتمر، والميزة الأهم تمثلت في هدف رامه ممثل المملكة آنذاك الشيخ عبدالله الطريقي رحمه الله، وهو وجود منبر للمملكة العربية السعودية لايصال صوتها واستراتيجيتها المتعلقة بالبترول.
يلفت تركي الدخيل انتباهنا إلى نقطة حساسة جدًا، وهي أن الذين تحدثوا باسم السعودية كانوا خبراء أجانب، وإلى مشاركة فنزويلا غير العربية في المؤتمر. فقد استفسر هشام عن مشاركة فنزويلا من الشيخ عبدالله نفسه، فأجابه: "يا هشام حضور فنزويلا أمر مهم جدًا بوصفها دولة غربية، اذ يعطي مصداقية لعملنا". أهمية ذلك المؤتمر كان قرارًا غير رسمي بانشاء "أوبك". يستطرد ناظر: "قرر الشيخ عبدالله الطريقي أن يرسلني إلى فنزويلا لتحصيل بعض العلوم في مجال البترول". وهذا مهم جدًا، لأن قرار إرسال هشام إلى فنزويلا كان ضمن استراتيجيا قرر الوزير الطريقي اعتمادها لانشاء وتطوير جهاز بشري يستطيع ادارة قطاع البترول في المملكة.

تأسيس أوبك
من المنعطفات المهمة في سيرة هشام ناظر التي أبرزها الكتاب كانت أوبك، وفي الصفحة 82 من الكتاب: الطريق إلى التأسيس. يعود فضل تأسيس أوبك إلى رجلين اثنين، هما بيريز الفونزو، وزير البترول الفنزويلي، الذي قدم الترشيد والتبرير، وعبدالله الطريقي، المتحدث ذو الكاريزما.
قدّم المبادرة البروفسور رسول سوكاربي، الأستاذ في جامعة يوتا، واضح أن التفكير بتأسيس أوبك بدا في عام 1959 خلال مؤتمر القاهرة.
وصل الطريقي إلى فنزويلا على رأس وفد سعودي انضم اليه هشام ناظر. وهناك، شارك ناظر شخصيًا في وضع النظام الأول لأوبك. تبع ذلك اجتماع مهم جدًا في بغداد في 14 أيلول (سيبتمبر) 1960، حضرته السعودية وفنزويلا والكويت والعراق وايران وقطر بصفة مراقب، وتم تأسيس أوبك لمواجهة شركات النفط الدولية.
وواضح من التفصيلات الواردة بما يتعلق بأوبك أن الأهم هو حماية الأسعار التي تتحكم بها الشركات الأجنبية، علمًا أن احد أهداف أوبك هو وضع نظام يكفل استقرار الأسعار وخلق منظمة البلدان المصدرة للبترول للتشاور المنتظم بين اعضائها، بهدف توحيد سياسات الاعضاء وتنسيقها. وجاء التكليف الأول بتعيين هشام ناظر محافظ المملكة في أوبك بعد فترة قصيرة من تأسيسها.

دون ذلك عقبات
الصفحة 93 من كتاب الدخيل مهمة جدًا، إذ يقول فيها: "اذا كان الدافع وراء انشاء اوبك لجم انخفاض الأسعار (...) لعل اللافت في الأمر أنه وبعد تأسيس أوبك لم ترتفع الأسعار سنتًا واحدًا ولمدة عشر سنوات متواصلة، وهذا يعني في ما يعنيه أن هذه المنظمة لم تقم بالدور الذي كان مفترضًا أن تقوم به: رفع الأسعار".
وهذا يعود، وفق ما يعتقد هشام ناظر، إلى أسباب كثيرة، منها أن الدول الأعضاء قضت وقتًا طويلًا جدًا تفكر في أساليب المواجهة، وقضت وقتًا طويلاً تتفاوض على كثير من الأمور المتعلقة بـ "أوبك"، ثم يأتي الاستنتاج الصريح والخطير في صفحة 94. يقول ناظر: "إن وضع المملكة كان قد يكون أفضل لو بقيت خارج أوبك، هذا لا يعني أن تحولنا عضواً فاعلًا فيها قد جلب لنا الضرر، لكنه لم يعد علينا بالنفع".
نرى مشهدًا حافلًا بالتناقضات... يقول هشام ناظر هناك دولة كبيرة ذات قدرة انتاجية ضخمة جدًا هي المملكة العربية السعودية، وهناك دول أخرى انتاجها جيد عالميًا. لكن حين تقوم بمقارنة انتاجها بانتاج المملكة تقف مذهولًا، اذ تستحيل مقارنة الانتاجين. المسألة الأخرى الغريبة، هي عدم انضمام جميع منتجي البترول حول العالم إلى أوبك.
نكتشف في الكتاب أن الخلافات بين الدول الاعضاء لتقسيم نسب الانتاج تظهر مشكلة جديدة، فيبدأ الخلاف على الحصص. يكشف هشام ناظر أن أيًا من الدول لم تلتزم بنسب الانتاج، الا السعودية التي طالما التزمت مع خروقات تعد على أصابع اليد. ويكشف أيضًا أن دولًا كثيرة ليست أعضاء في أوبك، قامت بزيارة المملكة للاتفاق على نسب الانتاج. ومن الواضح أن عددًا من الدول الأعضاء لم يلتزم بنسب الانتاج المتفق عليها.
لا نلوم القارىء اذا هز رأسه قائلًا: "والآن بعد خمسة عقود لم يتغيّر الوضع كثيرًا".
وتأييدًا لوجهة نظر هشام ناظر، يستشهد تركي الدخيل بما جاء في كتب ايانسيمور، يقول: "واقعًا لا تستطيع أوبك ادعاء اكثر من انجازين فقط في سنواتها الأولى، فهي استطاعت أن تجعل الشركات أكثر حذرًا ازاء اتخاذ أي قرار أو خطوة من جانب واحد، دون التشاور مع الدول، وأن الشركات لا تجرؤ على خفض الأسعار دون التي تم نشرها، مرة أخرى". ولحدود أبعد من ذلك، أدى كثير من الأسباب إلى تقييد قدرة المنظمة على إنجاز الكثير في العقد الأول. وعن الخلافات التي اثارتها ايران التي اشار اليها الوزير ناظر، يقول سايمور: "ايران أثارت الخلافات بسبب رغبة الشاه محمد رضا بهلوي زيادة ايراداته من النفط بسرعة".
يقول الدخيل: "لا ينسى ناظر أن يعطي مثالاً على العراقيل، وهو أن ايران أصرت على أن يكون السكرتير العام ايرانيًا، وبأن اصرارها لم يواجه بأي اعتراض على الاطلاق، بل تمت الموافقة عليه فورًا"، وذلك بسبب حاجة كل أحد للآخر في مواجهة الشركات وفي حاجتهم لتأسيس "أوبك" من دون مشاكل.
ولا تنتهي قصة أوبك هنا، مع تعيين هشام ناظر وكيل وزارة البترول لاحقًا، والوزير في مرحلة أخرى... ولاحقًا يتحدث بلسان الوزير.
في الحلقة الثالثة نتابع: "من بغداد إلى الخرطوم والخطط الخمسية والهيئة الملكية للجبيل وينبع"
وبعد تعيينه وكيل وزارة، حضر هشام ناظر مؤتمر بغداد الذي عقد بعد هزيمة 1967، ورئيس الوفد السعودي الأمير مساعد بن عبد الرحمن وزير المالية آنذاك، وضم وزير البترول احمد زكي يماني، وهشام ناظر. ويروي ناظر موقف الثوريين الذين ينادون بقطع البترول وبين المنتجين. كان واضحًا لهشام ناظر أن الانقسام بين الفريقين ولّد سجالًا بين الرجعيين والثوريين، لكن النفط سلاح ذو حدين، ووجهة نظره أن وقف تصدير البترول سيأتي بالضرر على المنتج والمستهلك..