&وعيٌ على ذكرياتي 11


مساحة الارض المزروعة الخضراء على جانبي النيل قد ضاقت والكثبان الرملية الزاحفة قد رسمت حدودها بخط واضح و امتدت موازية لضفتي النيل الى ابعد مدى تسمح به الرؤية.. هنا يتجسد صراع الانسان الذي لا يقهر مع جبروت الطبيعة.. كل شبر من الارض بين الرمال الحمراء وضفتي النهر العظيم قد زرع.. شريطان ضيقان من الخضرة الزاهية.. هنا ينهض الفلاح المصري عند الفجر ويشد منديله على جبينه ويرفع اذيال جلابيته عن ساقيه ليربطها بحزامه.. يحمل مجرفته على كتفه يعزق من الصباح حتى المساء ليزيح كل شبر من جيش الرمال الزاحف تعدى على زروعه.. يقف دوما حارسا يقظا.&
.. صراع امتد آلاف السنين حتى من قبل اجداده الفراعنة الاولين.&
.. القطار على مبعدة بضع ساعات عن اسوان.. ارقب مطلع الشمس وعشرات القرى النموذجية البيضاء الجديدة التي شيدها عبد الناصر لاستيعاب عوائل النوبة الذين هجرّهم السد العالي وبحيرة ناصر الذي يرتفع منسوب مياهها يوما بعد يوم كلما تقدم العمل في السد العظيم.&
عند الظهيرة توقف القطار في آخر نقطة له غير بعيد عن المرفأ.. نزل بضع عشرات من السودانيين وانا معهم وتبعتهم في وجهتهم..&
.. انتظرنا جميعا ونحن نجلس في العراء تحت الشمس الحارقة فتح باب نقطة تفتيش المعبر.. اخيرا فتحت باب القش والقصب.. دخلنا تحت سقيفة القش الطويلة.. بضع طاولات يقف ورائها بضع عساكر.. أحدهم متجهم الوجه يصرخ بين الحين والآخر.. " خلّيك عَندكْ في الطابورْ!.. خلّيكْ عَندكْ في الطابورْ ! ".. ننتظر اكثر من ساعة قدوم ضابط التفتيش.. يحضر اخيرا.. يضع المسافرون حقائبهم الكبيرة واكياسهم وصررهم على الطاولة الخشبية الطويلة امام الضابط.. يفتح احد العساكر حقيبة بعد اخرى ويبعثر محتوياتها.. يخرج رزمة من القماش اوحزمة من النعال أو شدة من الشالات والمناديل.. يضعها على طاولة وراءه.. الضابط يأمر بصوت عال " يلّا احشر حاجاتك في الشنطة وامشي ".. تبدء توسلات المسافر وهو في الغالب في جلابية وعمة سودانية بالاحتجاج اولا ثم بالرجاء واخيرا بالتوسل الشديد " والله.. وعرض النبي دول هدايا للاهل والعِيال.. مش حرام يابيه.. الله يخليك ".. تنتهي الحكاية في الغالب بأن يأخذ العسكري من كل رزمة قطعة ويعرضها على الضابط.. يهز الضابط راسه بالايجاب.. يضع العسكري هدايا الضابط على الطاولة ورائه..&
.. وضعتُ حقيبتي اليدوية على الطاولة.. فتحت سحابها عن المحتويات&
- فين بقية الشنط ؟ سأل العسكري..&
- دول كل حاجة يا فندم. أجبت.&
- ليه دا انته مسافرللسودان ولا رايح للجامعة..&
.. كتاب (ميرك) الطبي.. اباء وبنون.. دفتر تخطيطات صغير وبضعة اقلام، واحد منها (باركر 21) هدية غائب في جلستنا التوديعية.. سروال داخلي وفانيلا، دشداشة بوبلين، ادوات حلاقة، فرشاة اسنان وسماعة طبية..&
- انت بتقرأ سنسكريتي.. وله ده كلام هندي ؟!
- لا ده روسي يا فندم
- وكمان روسي!.. روسي !&
كانت الهدية المخصصة للضابط من (مضبوطاتي) قلم باركر 21..&
انحدرت وراء المسافرين الذين لا يزيدون عن ثلاثين فردا كلهم من السودانيين غالبيتهم من الطبقات الكادحة.. اربعة او خمسة يشير زيهم وسمات وجوههم الى انهم من طبقة اعلى بقليل.&
على الضفة اسفل منحدر نقطة التفتيش ترسو ثلاتة مراكب نقل حديدية (دوبة) يرتبط كل منها بقاربين بمحركين، قارب كبير وآخر صغير.. فوق الجزء الامامي من مركب النقل الحديدي سقيفة خشبية وكشك صغير وزيرٌ للماء في المقدمة.&
.. انتظرت مع الاخرين.. الحمالون ينقلون البضائع ومعظمها اكياس مواد غذائية، ارز،وطحين وحبوب وبقليات وصفائح دهن وبالات كبيرة مرزومة باحزمة معدنية..&
اجلت البصر في اطراف الضفة الاخرى بحثا عن سفينة نقل الركاب التي ساصعد على متنها مع الاخرين فلم اجد الا بضعة قوارب صيد صغيرة راسية على الضفة .. " سنتأخر قليلا حتى تظهر السفينة.. ستقترب سفينة الركاب ثم ترسو غير بعيد عنا.. لا مناص من الانتظار في هذه الشمس الحارقة.. "..&
بعد ما أكمل الحمالون نقل كافة البضائع الى عنابر المراكب (الدوب).. صعد نوبيان وازالا الاتربة عن السطح الحديدي ورشاه بالماء..&
سألت من يقف الى جواري على الضفة..&
- متى تعتقد أن سفينة الركاب التي ستنقلنا الى السودان سترسو ؟&
- ها هي المراكب التي ستنقلنا امامك.. لحظات ويسمح لنا بصعودها.&
.. " اين اذاً مراكب اجاثا كرستي الجميلة في(موت فوق النيل) !.. اين مراكب (بوستة الخديوي) التي كنت اتابع صور رحلاتها في الخمسينات !.. لقد خدعني موظف مكتب السياحة في القاهرة حين حجز لي تذاكر السفر(قاهرة - خرطوم).. واوجز تفاصيل الرحلة بكلمات غامضة.. اذا هي (دوبة !).. اذاً انت الآن (فلاح فوق سطح صفيح ساخن).. ؟؟! "
- كم ستدوم الرحلة بتصورك على ظهر هذا الحديد الملتهب ؟
- ثلاث ليال واربعة ايام، اذا سار كل شيء على مايرام بمشيئة الله.. اجاب رفيق السفر السوداني.&
.. تأخرت عن البقية لعل وعسى ان يكون صاحبي مخطئا.. قد تظهر سفينة (اجاثا كرستي) اخيرا.. لم تظهر اية سفينة اخرى فصعدت.. " ما الذي يميزك عن هؤلاء البسطاء الطيبين.. توكل على الله يارجل ".. كنت آخر من صعد فكانت حصتي المركب الاخير الثالث.. الكل أخذ مكانا ظليلا تحت السقيفة.. لا مكان لي في الظل.. نزلت الى (عنبر الدوبة)الملتهب حيث اكياس الرز والطحين والبقول وبالات الاقمشة وصفائح الدهن.. لقد كان اقل جحيما من السطح الحديدي الملتهب بالشمس العمودية فوقه..&
خلعت سترتي ووضعت حقيبتي اليدوية تحت راسي واستلقيت فوق كيس كبير للرز.. كنت اسبح بالعرق حين غفوت. صحوت على شيء يداعب صدري برقة.. كالحالم مددت يدي لاتلمسه.. لقد كان ملمس شعر خشن لجسم بحجم هر سمين.. انتفضت جالسا.. قفز الهر من فوق صدري.. فتحت عينيّ لاجد ان الهر لم يكن إلا جرذاً ضخما يركض فوق الاكياس ليقفز ويلتحق بصف من رفاقه الموسوسين باصواتهم وهم يدبون في حزم الضوء النافذ فوق حاشية حديدية عالية من العنبر.. مسحت وجهي وصدري المتعرقين ثم عدت من جديد الى سطح المركب.&
كانت الشمس قد انحدرت لتلامس التلال العالية على الضفة الغربية للنيل.. انسام عذبة تهب بين الحين والحين من فوق النهر العظيم المرتفع الذي تتلاطم امواجه على جانبي المركب الذي يشق سطحه الطامي.. ابتسمت.. انتشيت وانا ارقب التلال الرملية على الضفتين.. ارتديت (الدشداشة) ولففت بدلتي وبقيطانيّ حذائي حولتها الى وسادة.. كان هنالك بعض السودانيين يتجمعون حول (عم ابراهيم) الذي جلس على حصيرته وراء منقلة باباريق للشاي واسياخ لحم يشوى.. توجهت الى مقدمة المركب حيث زير الماء.. اخذت حذري من السطح الزلق بالماء والطمي.. هنالك دلو مربوط بحبل الى جانب الزير لاغتراف الماء من النيل،ومغرفة من الخوص للشرب.. اغترفت من الماء الذي ترسّب طميه وشربت حتى ارتويت.. اشتريت قدحا للشاي.. جلست على حافة المركب بعيدا عن الجمع، مدليا ساقيّ صوب الموج المتلاطم.. أرتشفت من قدح الشاي.. سحتُ مع الشمس وهي تنحدر وراء التلال تاركة وراءها خصل شعرها الذهبية الحمراء البنفسجية المتحركة تداعب صفحة السماء.. الله، الله!! هذا هو النعيم.. هذا هو الترف !!&

النيل في موسم فيضانه وبحيرة ناصر التي بدأت بالاتساع اغرقت معالم كثيرة.. هامات نخيل تلامس سطح الماء.. تيجان اعمدة واعالي صروح حجرية لمعابد تسبح في طمي النيل.. كوشة من الحجارة والاتربة هي كل ماظهر من رؤوس كثبان رملية غارقة على الضفتين.. قمم مخاريط ابراج الحمام في بضعة بيوت غارقة لا تزال تنتظر دورها في الانغمار تحت سطح الماء..&
بدأ الظلام يحل سريعا.. رست المراكب الثلاثة على الضفة الغربية.. لا يسمح لأي مسافر بالنزول الى البر.. حذرونا من الكلاب البرّية المفترسة التي ترتاد الشواطيء.&
تسلقت أعمدة السقيفة لاصعد فوقها.. لم تكن لي حصيرة كالآخرين فاستلقيت فوق اخشابها.. بدلتي المطوية كانت وسادتي.. لم أخشَ ان اتدحرج اثناء نومي الى اعماق النيل.. في ساعة متأخرة من الليل وبعد سرحات طويلة بأخيلة وذكريات عبرت امامي على شاشة الحلكة العاتمة وتحت قبة الليل المزدانة بقلائد جمان النجوم التي يزداد بريقها في سماء البوادي، هدهدني الموج المتلاطم بجدران المركب المتأرجح برقة، غفوت لاصحو والمركب يمخر النيل من جديد عند الفجر.&
.. حاولت ان اتقرب لمن معي في السفر بجرهم الى حديث عابر اوالى رفقة طريق.. لم افلح كانوا يتحاشوني بادب صامت.&
من بعيد بدت فوق التلال المتقاربة اثار فرعونية.. لم تكن هذه الاثار الفرعونية المتراصة ببعضها حين وصلنا الى تلالها غير بيوت طينية لقرية نوبية مهجورة طليت واجهاتها بالكلس الملون.. يا ربي الرحيم ! اي جمال لهذه الالوان والاشكال والرموز الفرعونية التي نقشت فوق جدرانها.. الابواب الخِشبية الصغيرة مداخل لمعابد الاجداد الفراعنة الاوائل.. ادركتُ لِمَ يرفض النوبي ان يهجر تماما هذا الفردوس الطيني الرابض في جحيم الصحراء المقفرة.. حتى ضفاف النيل تحتها نوع من احجار جهنم تلهث بسوادها اللامع متراكمة فوق بعضها لا تسمح لاي نبتة دخيلة ان تنمو بينها حتى ولوكان النهر العظيم على بعد اشبار منها.. محرّم حتى للشوك ان ينبت هنا.. هنا مكان اجرد للتأمل و العبادة فقط.&
النوبيون رجالا يسافرون الى مدن مصر العامرة.. هم لا يهاجرون.. هم يعملون هناك بوابين وخدم وحراس ابنية.. يكدحون ليرسلوا الى عوائلهم كل ثلاثة اشهر رزقهم وملبسهم ومصوغاتهم.. وكلما سنحت الفرصة يعود النوبي الى نعيم جنته وعائلته ردحا من الزمن ثم يعود بعدها الى البيه او الست الهانم ارباب رزقه بعد اجازته في النوبة.. يعود ولا تثنيه كل مباهج المدينة وغرائبها عن موطنه، عن بقاء ارتباطه الازلي بالمكان والتأريخ.&
.. لقد فشل عبد الناصر في اقناع عوائل النوبة الى الانتقال الى القرى النموذجية في الصعيد الاعلى، التي شيدت كجزء من مشروع السد العالي.. وجد عجزا عن تحريكهم بالاقناع كي يتركوا اماكنهم في التلال التي لابد من غرقها، فعما قريب سيرتفع منسوب بحيرة ناصر ليغمرها الى الابد.. لقد استعان بالجيش لاجبارهم على المغادرة الى مساكن وقرى هي اكثر رقيا ورفاها واعتناءا وامانا..&
.. ناديت سائق القارب ذو المحرك الذي يدفع المركب (الدوبة).. توسلت اليه ان يقف ساعة اوبعض ساعة لاجيل البصر بامعان في كل تفصيل فرعوني أخّـاذ امامي فلم يعرني انتباها.. تابعت المنظر المتباعد وانا اركض على حاشية المركب الخطرة لاقف عند مؤخرته وأرى من هناك مغيب الفردوس النوبي المتباعد.&

.. ها قد مرت ليلتان.. الشمس قد مالت نحو الغرب، لقد تجاوزنا الظهيرة وماهي الا ساعتين ونصل الى معبد ابوسمبل.. انتظر ذلك بفرح غامر.&
كنت متكئا على جدار الكشك الخشبي منغمسا في قراءة الكتاب.. سمعت صرخة اعقبتها صرخات من المركب الا ول ثم من المركب الثاني الذي يسبقنا " غريق !.. غريق ياناس !.. غريق ! ".. قفزت على قدميّ وقبل ان اركز بصري على صفحة الماء كانت كتلة سوداء تشبه الرأس قد مرقت مع تيار المياه السريعة الى جوار مركبنا الثالث وتجاوزته.. لا اعرف هل هي ثانية او اكثر ودون اي تفكير او مراجعة كنت قد نضوت دشداشتي عن جسدي والقيت بنفسي الى النيل.. سبحت مع التيار المسرع.. اجتزت المركب بثوان معدودة.. رفعت رأسي عن الماء وانا اواصل مد الذراع تلو الذراع سابحا.. ارفع رأسي من جديد.. أرى موقع الكتلة السوداء التي توضحت عن رأس يرتفع الى مستوى الرقبة فوق سطح مياه الطمي المسرعة..&
.. لم اتمكن من تمييز ملامح الوجه الاسمر لبعد المسافة بيننا، إلا ان الرأس كان ثابتا في مستواه، وجهه ثابت مسمّر صوب الضفة الغربية.. الريح تصفر بشدة في اذنيّ.. اغمر وجهي في الماء واواصل السباحة صوب الرأس الطافي.. ها قد اخذت المسافة بيننا تقصر.. اصبحت لا تتجاوز بضع عشرات من الامتار.. رفعت رأسي مرة اخرى وانا اواصل السباحة.. ميزت بعض معالم الوجه الطافي.. لقد كان خاليا من اي تعبير.. العينان تحدقان في فضاء مجهول وكأنهما في حالة ذهول او ضياع.. لا يزال الرأس يطفو بثبات فوق سطح الماء كقطعة خشب ثقيلة.. اغمر وجهي في الماء واواصل السباحة..&
.. ارفع رأسي.. امسح سطح الماء.. لا اجد شيئا.. اتباطأ في العوم.. اتوقف عن السباحة.. اعيد مسح صفحة الماء الطامي.. لاشيء فوقه.&
.. يتوقف صفير الريح فجأة.. صمت مطبق.. يتسع النهر الكبير وتتباعد ضفتاه.. تتضبب تلال الضفاف.. تتجمد زرقة السماء وحزم الضوء التي كانت تتلامع قبل قليل فوق صفحة الماء.. تتجمد مشاعري.. لا اعرف اين ولمَ اتواجد هنا في هذا الفضاء اللامتناهي، في هذا الصمت الازلي.. كل شيء فقد معنى وجوده ومغزاه.. لامشاعر عندي.. فجأة وفي لحظة لا تحسب انتقل الى حالة من الهلع المجنون.. انا في كون غريب.. وحدي في الفلك الواسع المجهول.. استرد بعض انسانيتي حين اسمع اصواتا تأتي من بعيد ويصل صدى همهماتها من خلفي.. ادير رأسي فوق سطح الماء صوب الاصوات.. ارى على مسافة غير قليلة عني اجساما تسبح صوبي.. المركب يكاد لا يرى ولكن هنالك قارب يتقدم صوبنا.. القارب يلتقط السابحين ورائي.. اسمع اصواتا لمن في القارب.. " ادي حنوصَلكْ.. حنوصَلكْ.. حنوصَلكْ خليكْ ثابت ".. الاصوات وهدير محرك القارب يهدّء روعي.. أحس بالضياع.. الحزن يغمرني.. فترة تمرّ وانا لا أعرف تحديد مشاعري.. موجة حزن اخرى تطغى على كل شيء.. إذاً أنا حزين.&
.. اذرع تمتد الينا..&
حين سُحبنا الى سطح المركب.. احاط بي لفيف من رفقة السفر.. يربت بعضهم على كتفي.. احدهم عانقني بحرارة " بارك الله فيك يا اخينا ".. " المقدّر مقدّر ومكتوب.. لك أجرعند الله انك حاولت ".. " والله راجل من وِلد رجالة.. ماتزعلش إسمته المسكين كده ".. عبارات ترددت من حولي.. عم ابراهيم قدم لي قدحا من الشاي..&
كانت المراكب قد انزلت مراسيها وفُـك ارتباط القوارب الصغيرة عن قارب الدفع الكبير.. انطلقت القوارب عائدة مع التيار لا في محاولة للانقاذ بل لأمل ضعيف في اكتشاف جثة الغريق وانتشالها.. توقفت المحاولة العقيمة بعد اقل من ساعة، فقد كان تيار النيل المرتفع على اشده على الاخص هنا بين تلال النوبة حيث يضيق النهر.&
.. واصلت المراكب الثلاثة تحركها.&
.. الغريق طالب بعثة تخرج بامتياز من كلية التجارة في جامعة القاهرة قبل شهر واحد.. أبدل تذكرة الطائرة المخصصة له للعودة بتذكرة للسفر على ظهر المركب، ليستفيد من فارق السعر الكبيرفي شراء وشحن مئات الكتب الادبية معه.&
.. كان الغريق كاتب قصة واعد.. نشر بضعا من اقاصيصه في الصحف السودانية.. سباح ماهر.. عطش فتوجه الى زير الماء في مقدمة المركب.. انزلق فوق السطح الرطب بالماء والطمي قرب الزير.. ارتطم رأسه بسطح المركب الحديدي قبل ان يسقط في الماء.&

رسىت المراكب امام معبد ابي سمبل.. اصطف المسافرون على حافة المركب المواجهة للمعبد.. تم تحذيرنا من محاولة النزول.. المنطقة كلها محظورة حتى على السائحين فهي منطقة اعمال آثارية.&
.. اُنزلت بضع بالات الى الشاطيء وهرع بعض حمالي الموقع لنقلها الى مكان مناسب.&
تنتشر هنا وهناك امام المعبد بضع خيم كبيرة منصوبة ومعدات وآلات كبيرة.. مستوى الماء لا يزال بعيدا عن مدخله.. هنالك بضعة افراد ببناطيل قصيرة وقبعات تتجول فوق الرمال حول المعدات والخيم.&
.. رمسيس الثاني قد قُـطّعت اوصاله.. رؤوسه الضخمة مدحرجة غير بعيد عن مدخل المعبد المحفور في باطن الجبل.. اجساد رمسيس مقطعة كل منها الى جزأين.. واحد من الكتفين وحتى مستوى الوركين والثاني من الوركين حتى اسفل قدميه المضمومتين الى بعض.&
.. احد رؤوس رمسيس ينام على خده فوق الرمال يحدّق فيّ بثبات وعتاب.. & &" صدقني.. لستُ انا من قطّع اوصالك ! "
لقد تجاوبتْ دول العالم مع نداء مصر لمساعدتها لانقاذ المعبد، الغارق لا محالة بارتفاع منسوب بحيرة ناصرالممتدة وراء السد العالي.&
.. رصدت الأمم المتحدة 60 مليونا من الدولارات (ما يعادل الآن ستة مليارات)، لانقاذ هذا الاثر البشري الفريد.&
.. كان العالم لا يزال بعد متحضرا..&
.. سيقطّع المعبد، بتماثيل رمسيس الهائلة ونافارتاري زوجته وابناءه، وبجدران المعبد في عمق الجبل بلوحاتها الفرعونية العجائبية.. سيضعون جهودهم حتى في محاولة وضع منافذ الضوء كسابقاتها، ذلك الضوء التي تسقط حزم منه لعدة ساعات كل ستة اشهر لتضيء تماثيل الفرعون العظيم في باطن المعبد.&
.. تُقطّع الكتل ثم ترفع (وفيها ما يزن اكثر من عشرين طنا) ليعاد نصبها وتشييدها على علو اكثر من ستين مترا فوق المعبد الاصلي الغارق.&
.&
بدأت الظلمة تزحف من الجبل فوق الرمال لتصل الى رؤوس رمسيس المتناثرة.. عينا رمسيس لاتزالان تحدقان بي بعتاب شديد.. في العتمة بدا الحزن فيهما اكثر من ذي قبل..&
كرروا تحذيراتهم بالنزول الى الشاطيء.. هذه الليلة كان التحذير هو صلاحية اطلاق النار على الغريب الذي يحاول الاقتراب من الاثار النفيسة المقطّعة.&
.. تسلقت سقف المركب كما الليلتين السابقتين لاستلقي فوقه وابحر في افلاك السماء&
.. كنت فوق نفس مكاني السابق.. بريق النجوم هذه الليلة قد بهت، لقد بدا لي كالدمع البارق في زوايا الاعين الباكية.. صفحة السماء الحالكة ترتدي الآن زي حدادها الاسود.... تحولت خيالات رؤوس رمسيس المرمية المبعثرة على الرمال وعتاب عينيه المحدقتين بي باصرار، الى اشباح جريمة وموت يسود الشاطيء والنهر.&
.. النهر.. النهرالمظلم الاسود وحش يبتلع الابرياء والمساكين.&
.. كلما اغمضت عينيّ في محاولة للإغفاء، يبرزمن اعماق خيالات النهر، رأس الغريق الطافي على سطحه.. الرأس يغوص في الاعماق السوداء.. تنهشه الاسماك الجائعة.. وجهه الممزق لا انف فيه ولا شفتين.. عظام الوجنين قد برزتا من بين نتف اللحم العالق حولهما.. المحجران الاجوفان ينظران بظلمتيهما اليّ بحزن وعتاب.. النهر الوحش سينهشني لو تدحرجت في نومي الى اعماقه.. أقفز مرتعبا على قدمي ّ.. التقط بدلتي-وسادتي واسرع بالتدلي من سقف السفينة الى سطحها.. أجد فسحة بين المسافرين الغافين.. استلقي قرب احدهم.. ارتاح الى شخير البعض منهم والى انفاس من بجواري.. اغمض عيني في محاولة جديدة للنوم.&