&&

لم تكن مسرحية صمويل بيكيت "بانتظار غودو" مسرحية ذات مشهدين حيث "لا يحدث شيء، مرتين" فحسب بل كانت ثورة مسرحية دشنت مسرح اللامعقول. ومارس هذا العمل الدرامي الاستثنائي مع عدد من المجاميع الشعرية تأثيراً عميقاً في مخيلة ما بعد الحرب بل انه قدم استعارة للوجود في حضارة اليوم. ويمكن القول ان الأعمال المسرحية والشعرية الكبيرة تتجاوز أجناسها الأدبية لتساهم مساهمة ملموسة في وعينا بوجودنا. منذ اللحظة التي يخطو فيها فلاديمير على مسرح فارغ ليس فيه إلا شجرة عارية وعبارته الاستهلالية الشهيرة "لا شيء يمكن عمله" يدخل الجمهور عالماً تصبح فيه فكرة الضجر استعارة مديدة لطبيعة الوجود والوضع البشري في ما وصفه بيكيت بأنه عمل "تراجيدي ـ كوميدي" ممتع على نحو غريب وفي النهاية عمل مؤثر أبطاله مشردان والغائب ابداً "مستر غودو". اجواء "في انتظار غودو" اجواء سوداوية ولكن خبرة الجمهور يمكن ان تكون خبرة سمتها التفاؤل بل وحتى المرح.
كان بيكيت ينتمي بكل تأكيد الى الكتاب الطليعيين الاوروبيين ولكن ان يتضح انه مجدد مسرحي فان هذا ما لم يكن متوقعاً. فهو لم يكتب مسرحية للخشبة من قبل. وانتقل بيكيت المولود في دبلن عام 1906 الى باريس شاباً يستظل بقامة جيمس جويس الذي عمل بيكيت سكرتيره ومساعده الأدبي لفترة قصيرة. بين الحربين صقل بيكيت عبقريته كاتباً ارتبط اسمه بالحداثوية وبروايتي "يوليسيس" و"يقظة فينيغان". وروايته الأولى "مرفي" التي رفضها الناشرون مرات متعددة صدرت عام 1938. وتبدأ الرواية بعبارة رائعة في اغترابها هي "ان الشمس، إذ لم يكن لديها بديل آخر، أشرقت على الـ"لاشي جديداً". وحيرت الرواية كثيرا من النقاد واثنى عليها ديلان توماس لكن مبيعاتها كانت بائسة. ثم اندلعت الحرب ودخل النازيون باريس. وهرب بيكيت جنوباً ليعيش شطراً من الحرب مشرداً ومقاتلا في المقاومة الفرنسية. وعاد الى باريس بعد تحريرها عام 1944 لينشر ثلاثيته الرائعة "مولي" و"مالون يموت" و"الذي لا يُسمى". ونال سمعة متواضعة بوصفه كاتباً طليعياً ذا فكاهة غريبة.&
كتب بيكيت "في انتظار غودو" بالفرنسية وقُدم عرضها الأول على مسرح بابيلون في باريس في 5 كانون الثاني/يناير 1953. ورغم ما تردد عن فشلها فان كتاب سيرة بيكيت يؤكدون ان المسرحية التي أُنتجت بميزانية ضئيلة وأقل عدد ممكن من الممثلين، كانت ناجحة ونُشرت مراجعات ايجابية عنها. عَبَر نص المسرحية الذي ترجمه بيكيت نفسه الى الانكليزية بحر المانش وانتهى به المآل على منضدة المخرج الشاب بيتر هول الذي قدمها على مسرح الفنون في لندن في آب/ اغسطس 1955 معترفاً بأنه لم يفقه منها شيئاً وليس لديه أي فكرة عما تعنيه. وفور عرض المسرحية تقريبا كتب اكبر ناقدَين في لندن هما كينيث تاينان في صحيفة الاوبزرفر وهارولد هوبسن في صحيفة صندي تايمز انها "تحفة مسرحية رائعة". في غضون عقد اشتهر بيكيت بوصفه كاتب القرن الأكثر تجديدا وراديكالية وأهمية في العالم الناطق بالانكليزية، وأحد الآباء المؤسسين لمسرح اللامعقول. وفي النهاية تأثر بعمله كتاب مسرحيون كبار مثل هارولد بنتر وتوم ستوبارد وديفيد ماميت وسام شبارد، من بين آخرين.&
اجواء "في انتظار غودو" اجواء كئيبة واوضاعها وجودية لكن بطليها ديدي وغوغو يبديان طاقة دفاقة ويجريان حواراً ساحراً بتعدد اصواته، تتخلله لحظات من الصمت العميق لكنه ذو صدى رنان حتى ان خبرة الجمهور قد تكون مزاجاً من التفاؤل وفي احيان كثيرة الابتهاج. وقد تكون رؤية بيكيت سوداوية ولكن لمسته خفيفة الى حد السمو. ويكون الحوار في بعض محطاته اقرب الى لوريل وهاردي منه الى كافكا. ومما له مغزاه ان بطلي المسرحية يعترفان بدورهما في وهم الحدث الذي يجري أمام انظارنا. كما يجد المشردان متعة في إغاظة احدهما الآخر وإغاظة الجمهور. الوقت في مسرحية "في انتظار غودو" يمر خفيفاً تارة وثقيلا تارة، وأحياناً يصبح الانتظار لا يُطاق. فان بوزو الذي أصابه العمى أثناء الانتظار لم يعد قادرا على التحمل متسائلا "أما كفاكم تعذيبي بوقتكم اللعين!" لاحقاً مع الاقتراب من المشهد الثاني يواصل فلاديمير الأكثر تفكيرا بين المشرَّدين، من حيث انتهى بوزو ويبدأ مقطعاً آخر في غاية الجمال من النثر الذي عُرف به بيكيت متمعناً في جدوى حياته. وعند بيكيت فان الحياة تحت المهجر هي بداية الكوميديا الانسانية ونهايتها. وهكذا يتحاور المشردان:&
فلاديمير: ماذا يقولون؟
استراجون: انهم يتحدثون عن حياتهم.&
فلاديمير: أو لا يكفي انهم عاشوها؟
استراجون: يجب ان يتحدثوا عنها.&
يحتدم الجدل حول "في انتظار غودو" منذ ما يربو على 60 عاماً. وكان غودو الغائب الحاضر بصفة خاصة موضع تكهنات حادة، بل في بعض الأحيان تكهنات مجنونة. وتحدث بيكيت نفسه باستخفاف عن "معنى" مسرحيته. وفي سيرة حياته المثيرة للجدل التي كتبها دايدر بلير يُنقل عنه القول "سيكون من السخف ان أتظاهر بأن لا علم لي بالمعاني التي تُنسب الى كلمة غودو Godot، ورأي الكثيرين بأنها تعني God ( الله )". ولكنه أصر على انه كتبها بالفرنسية وإذا كان هذا المعنى حاضراً في ذهنه فانه "كان في مكان ما من اللاوعي ولم أكن أعيه بصورة واضحة". وبالطبع فان التكهنات، سواء أكانت بشأن المسرحية أو كما عبر عنها فلاديمير في نهاية المشهد الثاني، تخيب كلها بعدم مجيء غودو.&
كتب بيكيت نص المسرحية الأصلي بالفرنسية بين تشرين الأول/اكتوبر 1948 وكانون الثاني/يناير 1949. وفي 17 شباط/فبراير 1952 قُرئ نص مجتزأ في استوديو تسجيل في باريس وبُث من الاذاعة الفرنسية. وأرسل بيكيت تقديماً للمسرحية اعترف فيه قائلا "لا أعرف من هو غودود" ولكنه لم يحضر تمثيل المسرحية إذاعياً. ونُشر النص الفرنسي مطبوعاً قبل تمثيل النص كاملا على المسرح. وقُدم العرض الأول بالفرنسية في 5 كانون الثاني/يناير 1953 على مسرح بابيلون في باريس. صدرت ترجمة بيكيت للمسرحية الى الانكليزية خلال عام 1954 عن دار غروف بريس، في الولايات المتحدة. وقُدم العرض الأول للنص الانكليزي في لندن عام 1955 على مسرح الفنون وصدر نصها الكامل في بريطانيا عن دار فيبر اند فيبر عام 1956.
&