: آخر تحديث
الحب والحرب والتفاصيل المهملة

دلشان أنقلي في: "وداعًا للحياة كمهنة قديمة"

 
 
يشكل النص المدخل للديوان المعنون ب:" مدخل قاسي" أحد الأبعاد الدلالية التي يمكن عبرها قراءة ديوان الشاعرة السورية – الكردية :  دلشان انقلي :" وداعا للحياة كمهنة قديمة"  ( مؤسسة بدر خان للطباعة والنشر – أربيل الطبعة الأولى 2016) فهو مدخل قاس على اليقين، فالكلام يصبح جثمانا، والمدن جماجم، والقبر لا يتسع للهياكل الغاضبة. الأجواء قاسية بالفعل، والشاعرة قصدت إلى هذا المدخل لبيان بشاعة الواقع اليوم وفداحته، لكنها مع ذلك تكسر هذه القسوة بالأمل . الأمل الذي يتيحه الحلم بالكلمات وبالجمال الشعري الشفيف، حيث :" الأبجدية تحتفظ بحقوق الألم، تحارب بمنارات الحروف " . فالشاعرة تستهل بشكل صادم:" عندما يصبح الكلام جثمانا، نتجاذب أطراف السماء معا، بجراحها وأبديتها" . فللوهلة الأولى للقراءة نجد أن الشاعرة شكلت أفقا شعريا لها مكونا من الكلام والجثمان، ومن السماء، والجراح ، والأبدية. وكما يبدو من الكلمات المكونة لهذا الأفق أنها حلقت هناك أبعد، نقلت الكلام والجراح إلى المطلق المكاني (السماء) والمطلق الزماني (الأبدية) كأنها تريد أن تخلص الواقع من أفقه إلى أفق آخر، وربما للتجاوز لغة الكلام الجارحة إلى لغة أكثر حرية حيث ال " هناك" يتوارى في حدود المطلق. 
 
هوية الكتابة: 
يشرقُ قصد الكتابة في نصوص دلشان أنقلي عبر إشارات عبارية تنطوي عليها النصوص. في هذه الإشارات توضحُ دور الكتابة ومنطقها الشعري والجمالي، وتوضح إلى أي مدى يمكن للكتابة أن تعصف بالذات كما يعصف الحب والحرب معا. الشاعرة في نصها :" كبسولة البيت" ( ص.ص 8-12) تبين ذلك في مشهد دال يقول: 
وقعتْ أيامي مني، كجعجعة طحين متناثر
لا تطيعُ ذاكرتي! 
خرجتُ من كبسولة البيت دونما شيء
حملتُ قلبي مذبوحًا في يدي!
ملتفًا بجميع سنواتي
سأسردها هنا
بمنتهى الحب.. بمنتهى الحرب . 
صورة القلب المذبوح في اليد تقود إلى توليف دلالي بين الحب والحرب، وهو توليف نجده جليا بكثرته في الشعرية العربية، التي مزجت دلالات الحب بدلالات الحرب، منذ بدايات الشعر العربي بالعيون التي تقتل والأهداب التي تذبح ، والدموع التي تذرف فتضرب بالسهام في أعشار قلب مقتّل... إلخ ما نجده في ديوان الشعر العربي الرحيب. 
وفي نص آخر هو:" شفاعة الخيبات" تبرز الشاعرة هوية كتابتها مرة ثانية عبر جملة من التساؤلات التي تتعلق بالذكرى والصدى ، لكنها تحدد هوية كتابتها بالقول:
في الكتابة 
أصغي إلى أدق التفاصيل المهملة/ ص 73 
ما تحمله السنوات من مواقف، ومن لحظات ومواعيد ووعود، ما تحمله من آلام وآمال ورؤى، ومن تفاصيل هي ما تتوجه الشاعرة لسرده شعريا هنا في هذا الديوان الذي يريد من عنوانه أن يودع الحياة، لكن العنوان على ما يبدو هو عنوان موارب، لأن توديع الحياة هنا توديع للنمطي فيها، توديع للرتابة والضجر اللذين يكمنان بها، من أجل خلق حياة جديدة، وابتكار ملامحها وتفاصيلها سواء على مستوى الذات، بأحلامها ورؤاها، وتطهيراتها الروحية، أم على مستوى العالم، والسعي لتغيير مأساويته بحضور الجماليّ الذي يوسع من أفق الحلم وأفق التخييل ويبحث عن المثال والنموذج. هكذا يمكن أن نتلقى هذا العنوان المبدئي للديوان  الذي يوشح النصوص بحالة من التوتر تسعى إلى الخلق والابتكار أكثر من سعيه إلى إماتة اللحظة. الشاعرة تخلق وتعبر وتقاوم. 
 
الأفق الرمزي للحرب: 
مثلما في لقطات متكثرة بالديوان ، تقودنا الشاعرة جماليا بشكل دائم إلى أفق رمزي للحرب، المشاهد والإشارات هي بمثابة بوح منتظم للألم، وللقهر، وللصراخ الذي يتعالى أحيانا ليصل إلى الأعلى: 
في سماء دمشق..
الوخزاتُ المفاجئة لمدفع حانق، تجعل الغيوم تفزّ
كفزاعة في حقل ديناميت
تنفض حمولة الرئتين الزائدة
وسديم النار
كخردة سامة
فتصبح شهيتها للتلاشي
أكبر من ظلها
في سماء دمشق
الغيومُ سلة محذوفات ! / ص 14 
تتلقى الغيوم مهملات الحرب، تتلقى دخانها وأوراها ولظاها، لكنه في الوقت نفسه هو تلق للموت الذي يطغى على مشاهد متعددة، تلق للغبار الذي يتصاعد من ركام الشوارع والمدن :" حالما أغمض عيني أرى العالم برمته جماجم مدن تهاوت" . 
و لا ينأى موضوع الحرب بكل مأساويته ودراميته عن رؤية الشاعرة، لكنها تلتقط الجوهري من المأساة الذي يمكن له أن يظلل دلالاتها ويأخذها إلى مساحاته الأكثر عمقا، كما في نص:" الحرب تراوغ مكانها" ( ص.ص 16 – 20 ) وتعبر الشاعرة عن الحرب، وعن المهاجرين المزدحمين بالباصات بحثا عن وطن أو منفى، وتعبر عن الحرب بمزجها بماضي الحب ما قبل الحرب وما بعدها، كما في نص:" الحب سائح محلي في الخطوط الأمامية" / ص.ص 78-82 ، وفي نص:" الدم .. آخر صيحات العالم"/ ص.ص 88-90 وترد دالة " الحياة" المشار إليها في عنوان الديوان غير مرة في عدة نصوص ، منها نص:" وليل أقاسيه بطيء الكواكب" مستعيرة شطر بيت من النابغة الذبياني ،  في سياق الوعد أو الأمل بالتجديد :" أحتاج زخات حياة من عود شجرة ترقص، لا بديل غير خطوات الفاكهة" / ص 95 
الحرب تشيّأُ كل شيء. الحرب ترسل ركامها للغمام ولا مطر، لتلفظ الحياة أنفاسها ، كما في نص :" عنق كانون الطويل " :
 
هناك، يغدو العالم كقرية تلفظ أنفاسها
لمحتُ فتىً في العشرين قادمًا
يحمل وردة حمراء بلاستيكية
لحبيبة تربي حول شفتيها أغاني كردية
من كنه أعراس الشمال / ص 26 
 
ويتبدى أثر الحرب،بعيدا عن مأساويته،  في ابتكار الصور الحيوية ، كما في نص:" نقطة الغليان" :
لا مرآب للدبابات في الحي
المكانُ يتحركُ تحت مخالب دبابة
يفتتُ الإسفلت
راسمًا تجاعيد الحديد الذي لا يزول . / ص 29 
وينتقل المشهد من مأساويته العامة في الشارع ، إلى مأساويته الخاصة الذاتية، تنقله الشاعرة في سرد شعري درامي مفارق:
أمضيتُ الوقت أقبل صغيري
ألفّه كصوفيّ في عباءة الدفء
أرمقه بنظرة سوبرمان
فأرى عينيه مسيجتين برمل الدبابة
يتألم وحيدا
أغذي قلبه بالضحك المرتجف
لا أصعب من افتعال الفرح في وأد هدير الحرب
القبلاتُ باطلة
الضحكُ فعلٌ ميتٌ
المأساة لا تغفرُ لي
كيف أتخلص من مرجعية الحرب؟
والدبابة مازالت تنمو داخل صغيري
حتى اللحظة. / ص 31 
 
مفارقة نهاية المشهد مفارقة صعبة، تشعر بحالة مفرطة من الحزن الأسيان العرم، حين تتم المقارنة بين دبابة وطفل، هذا الكائن الحديدي الهائل الجامد، يمارس فعل قتله في طفل. يصبح نزق الحرب سؤالا مأساويا مضمرًا وعلنيّا معا، حتى يتحول إلى مرجعية دائمة. 
ثم يتحول في نص : أين الحال؟"  إلى نخب كأس يعطي " ثمالة المرارة" وإلى بكاء لا ينقطع: " أنا البكاء الجاري، بدون صدقة، في عالم لا يملك جوابا للدمعة" / ص 33 
وفي نص :" قطار العاصمة" تقول: 
قطاري .. مازلتُ أمكثُ فيه
حصانٌ مربوط، منكّس العنق ، يضربني بحوافره
وأنا أرعى القبلات الغائبة في تياترو الغياب
طموحي أن ينهض بمحض إرادته
ويمر بقبر أبي العلاء المعري ويدخل في فلسفة جديدة
إحياء لرسالة أبعدَ من الغفران . / ص 35 
وتقول: 
" حسبنا بعد الآن
لن نجتمع إلا في صورة جماعية في ألبوم العائلة القديم
أو في مقبرة جماعية كقشعريرة واحدة " / ص.ص 35-36 
ويستمر الوجع مطروحًا في نصوص متكثرة لدى الشاعرة مثل:" الألم يبقيني حيا" و " إلى الشاعر الشهيد بشير العاني" وهو نص موجع مترع بالأسئلة، بالقدر الذي يرثي شهيدا لكلمة وصورة ومخيلة، ونص :" الأرق رفاهية الجرح" و" خيال جريح" و" سهرة حتى مطلع الشعر" و" الغرفة الداخلية للوقت" الذي تفقد فيه الحياة وهجها وصخبها لتصبح هي والوقت أكثر رتابة وضجرا:
في الغرفة الداخلية للوقت
لا أحد
أنا والزمن ! كمهندس معماري وحيد
في مشهد غير مألوف
لا يلطخه كلمات
في تسلية أرستقراطية عريقة
يحرك كل شيء وفق معدات صقل الحياة والموت
رافعات الوقت هنا
وبلدوزرات الحفر هناك. / ص 64 
تكتب الشاعرة عن الغياب، عن الموت، القتل، عن القبر والكفن، وتستجلي الغيابات الدائمة للأشياء إما بتغييبها بإحالة الدلالة إلى آخر غير مقصود، أو بذكر هذه المفردات التي تشير إلى الموت والعدم، ومن ثم الغياب في الأبدية. كذلك تتأمل في الزمن لتسرج تأويلاته وتعيد تأملها، ومساءلتها . 

تراسل الكائنات: 
لا تكتفي دلشان أنقلي بالسائد المتاح، النزعة الاستقصائية وهي سمة من سمات قصيدة النثر اليوم لا تتوقف عندها بمجرد الوصول للمعنى، لكنها تُدفّقُ قصيدتها في معان أبعد، ومن أمثلة ذلك ما يمكن تسميته ب:" تراسل الكائنات" حيث تتشوف الشاعرة عوالمها الصغيرة والكبيرة معا، بعقد حالة من التراسل بين الجزئي والكلي، بين دلالات الهامش ودلالات المتن، بين الصغير والكبير، وهي حالة ربما أثارها هذا التشظي والتناثر الذي أحدثته الحرب في الأمكنة وتفاصيلها وعناصرها، كما نرى في المشاهد التي أزجيناها سابقا، كأن كل شيء يحذف، وتتحول السحب إلى سلة محذوفات. 
ويتضمن الديوان في مشهده الأخير (29) نصا من النصوص الفلاشية المكثفة تحت عنوان:" بعض الهايكو" وهي نصوص حملت المسمى الياباني في السنوات الأخيرة، وحازت على متابعة بفعل وسائل التقنية الحديثة وانتشار مواقع السوشيال- ميديا بشكل متكثر، وانتشار استخدام تطبيقات التواصل وعلى رأسها الواتساب، بما أنتج ظاهرة أدبية- ألكترونية منذ سنوات لها تقنياتها التي أسماها الباحث الألماني (ديتر تسيمر) في مقالته :" أدب شبكات الاتصال العالمية"  ب:" النص الفائق " في أحد أعداد مجلة (مجلة: فكر وفن العدد 67 – ألمانيا 1997 ) حيث يوجد عدد من الإمكانيات التشكيلية التي تتيحها شبكات الاتصال وشاشة الحاسوب , تتمثل في أربع مفردات هي: المولتي ميديا , والتشارك في النص , والتفاعل في النص , والنص الفائق , وهي فيما يرى : ألفاظ سحرية , تفتح للعقل الأبواب لأحياز جريئة فسيحة . 
 
ومن أجواء هذه اللقطات: 
صغيري في أولى خطواته
متعثر بضحكة صغيرة
ينتصر على عثرات الحياة 
- بفأس الدقيقة
يقطع رأس السنة
مبتهجا . 
 
بشفة مدببة
يلتقط الصورة
متعجلا قبل أن يطير العصفور
 
السماء تهديني
عدسة حلم ضبابي
بدون تقنية ليزر
 
باب وراء باب
المغزى واحد
ألغاز الحياة بلا نهاية
 
سينما
في الهواء الطلق
أختبر الحياة بطريقتي 
 
لم تنته الحرب بعد
الدبابة مازالت صغيرة تزحف
الطفل يمشي 
تضيءُ النصوص القصيرة جدا جملة من اللقطات والمشاهد المكثفة التي تومئ رمزيا إلى حالات أبعد، كأنها فعل جمالي مخلص من عذابات الحرب ومآسيها،  فعالم الطفولة فعل دلالي يتولد عنه صور ومعان وإشارات، وكذلك ينتج عالم الأمومة تجلياته التصويرية الوامضة، والزمن ينتج أبعاده في مواقيت وحالات متغيرة، والذات الشاعرة نفسها تبدي تأملها في لقطة فلاشية ومضية عابرة،  والأشياء والكائنات تفتح مباهجها لتطل الشاعرة على بعض حركاتها وإيماءاتها التصويرية، فنلامس هذا التجاور المشهدي بين العصافير، والشمس،والمشجب الصغير،  والباب، والسماء، والباص، والدبابة، وساعة الأنتيكا، وزقزقة الكناري، وقوس قزح، في لقطات متتالية، تعمد إلى تنوع الصور وإثرائها بالتأمل الذاتي الشفيف. 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.