خميس
فارغاس: مشرق ومعطاء
الموت، غير العادل، والأخرق والجاهل، من بين أشياء أخرى، كان الوحيد الذي إستطاع أن يتمكن بشكلٍ كلّي تقريباً من "البوم" الكتّاب في أمريكا اللاتينية. فقد إستطاع إسكاتهم بطريقة خاصة، هادئة وصارمة، بغض النظر فيما إذا كان البعض منهم قد تركوا قصيدة لم تنته بعد، أو شخصية لرواية جافة لا حياة فيها.
إستطاع أن يتمكن منهم بحذاقة وفي أوقاتٍ مختلفة، كي لا يشعر القرّاء أنهم يفقدون، شيئاً فشيئاً، الرجال الذين أثروا اللغة الإسبانية ، وأغدقوا الحياة اليومية، التي كانت تعاني من الفقر ومن حكم الطغاة، بالخيال، والأمل، والجمال.
وعلى أية حال، تعرب الشاعرة الواعدة فلورينسيا غيرفي من خلال عمق قصائدها الأولى، عن إمتنانها لبقاء ماريو فارغاس يوسا حياً كي يطفأ النور ويغلق الأبواب على "البوم"، أو مرحلة الإزدهار الأدبي الأمريكي اللاتيني، وفقاً لما قاله صاحب "البيت الأخضر" خلال مؤتمر صحافي عقده في معرض الكتاب في غوادالاخارا في المكسيك.
والمعروف عن البيروفي الحاصل على جائزة نوبل للآداب، ذلك العاشق المفعم بالحيوية، الذي لا يكل، أنه سخي ونبيل مع رفاق رحلته الأدبية، فقد تحدث عن كل واحد منهم بإحترام وإعجاب. وأبدى ذلك خلال تصريحاته الأخيرة عن غابرييل غارسيّا ماركيز الذي كان على خلافٍ معه طوال سنواتٍ عديدة. يقول يوسا "كانت فعلاً حقيقة جوهرية مطلقة ظهور رواية (مائة عام من العزلة). لم يكن أحد يتوقع ذلك، وحتى غارسيّا ماركيز نفسه لم يشك في أن تكون للرواية التي كتبها تأثيراً كبيراً كالذي شهدته. لقد كانت لحظة في غاية الروعة، ذروة أدب أمريكا اللاتينية. من ناحية ما، لقد نالت أمريكا اللاتينية إعترافاً عالمياً مع بدء ظهور هذا الكتاب الذي قام بتصحيح وضع جميع ما صدر من نسخٍ أدبية كاريكاتوية".
وأعرب فارغاس يوسا إرتياحه من إدراج إسمه ضمن قائمة تضمُّ مجموعة من الكتّاب الذين من بين من أشار إليهم خورخي لويس بورخيس، وخوان رولفو، وخوليو كورتازار "أعتقد أن في ذاكرة الجميع كان قد علق دائماً ما إكتُشف عن الأمريكي اللاتيني، وبأن القواسم المشتركةالتي بينهم كانت الأكثر أهمية، وأكثر عمقاً بكثير من الخلافات".

جمعة
قصائد، وأشجار، وأرقام
ليست منطقة البحر الكاريبي مواتية جغرافياً للرياضيات. ما يزهر ويفتح المسيرات هنا هو السحرية. وقد روى الشاعر رافائيل ألسيديس بيريز أنه أحب إمرأة من تلك المنطقة، لكنها توفيت في ليلة ما لضجرها من الجبر وعدم تحملها الجغرافيا، ولكن لويس خيراردو مارمول (كاراكاس، 1966) يبرز كشاعر وموسيقي في عالم فريد، شجري وكاريبي.
وحتى الآن أصدر مارمول ثلاثة دواوين شعرية: (أحلام يوم واحد)، و(العذاب)، و(الحماس). لكنه يحصل على لقمة العيش، وهو في غاية البهجة، من عالم آخر يعتبر بالنسبة له رائعاً وغامضاً، حيث يعمل بصفة أستاذ في قسم الرياضيات البحتة وتطبيقها في جامعة سيمون بوليفار.
ويحل مارمول لغز حبه للشعر وللرياضيات بمساعدة بعض الأصدقاء: "في كل مرة يجري الحديث عن حالتي المزدوجة، كشاعر وعالم رياضيات، أود الإجابة: أنا لست الأول. فقد كان كل من عمر الخيام ولويس كارول من المهتمين بالرياضيات. والخيام، في يومنا هذا، يعدّ من أبرز علماء الرياضيات في عصره".
ويعتقد الشاعر أن حاسة السمع هي على إتصال بالروح، وبالمخفي، مؤكداً "أنه ليس هناك فن راقٍ كالموسيقى. أنه أرقى من الأدب، والفنون التشكيلية. أنا شاعر ولا يمكن ان أكون مؤلفاً موسيقياً".
وحسب رأي الكاتب والصحفي أليخاندرو سيباستياني أن وجود الشجر مهم جدًاً في أعمال مارمول، ويقترح عليه في إحدى اللقاءات التي أجرتها معه مجلة (كونترابونتو)، قائلاً "بالنسبة لكتاباتي، وبصفة عامة للحياة، أطالب بالحرية المطلقة، بعد أن أمضيت سني نشأتي الأدبية مع نماذج الكتابة الكلاسيكية. نتج عن وجود الرياضيات إلى جانب الموسيقى ولادة ما يسمى بضمير الشكل. الشجر بالنسبة لي مهم جداً".
لم يبق الآن سوى أن ينضمّ هذا الكاريبي، وعالم الرياضيات، والموسيقي، والشاعر، إلى تيارات منطقة البحر الكاريبي. وكما يقول "حلمي، أو واحد من أحلامي، هو أن أصبح شاعر بحري عظيم، مثل هوميروس، وسان جون بيرس، وبيسينته ألكسندر. أنا بحري بحت، من منطقة البحر الكاريبي".
وصاحب ديوان (الحماس) الغارق في هذا الكون الوحيد، يطلق صوتاً فريداً من نوعه في بلده والمنطقة، منشغلاً بمفاصل الحياة المهمة، وجاهداً من أجل أن تمتد أغصان الأشجار التي يزرعها إلى أبعد مايكون، وتهدأ رطوبة أمواج البحر الكاريبي في خضم تباين الأبدية التي تؤسسها الأرقام والقصائد.
تقول الأبيات الشعرية الأخيرة من قصيدته الشهيرة (كونشرتو على الفيولا): "حيثما تكون نبضات القلب، هناك يركن العطر/ والموسيقى تغيّر من العالم بفضل روح الطفل، إبنهما/ الطفلة التي تكشف عن جرسين، علقتهما في راحة يدها/ قائلةً: هذه قبلة".