قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عرف مارك كورلانسكي بكونه مؤرخا تلقى كتبه رواجا واسعا وجاء كتابه الأخير الذي يحمل عنوان "الورق: تصفح عبر التاريخ" ليؤكد هذه السمعة التي يتمتع بها. وهذا الكتاب هو عبارة عن جولة على مدى 3000 آلاف عام من الحضارة الإنسانية تابع فيها ولادة الورق وتطوره وتنقله من مكان إلى آخر.
ويعود تاريخ أقدم قطعة ورقية عثر عليها حتى الآن إلى عام 252 قبل الميلاد غير أن عمر صناعة الورق أقدم بكثير من ذلك وكانت قد بدأت في الصين عندما صنع سكان هذه البلاد عجينة ثم سحقوها بقوة كي تتحول إلى سطح متطاول يمكن الكتابة عليه بعد إضافة مواد خاصة لمنع انتشار الحبر. ثم ما لبث التطور أن جعل هذه المنتجات أقل سمكا وأقل كلفة في الصناعة وبالتالي أرخص عند الشراء. ويعتبر الباحث اليوم الذي بدأ فيه إنتاج الورق بمثابة ثورة في تاريخ الإنسان على الأرض.
بعد الصين انتشرت صناعة الورق في مناطق أخرى من العالم لاسيما في أواسط آسيا وفي العالم الإسلامي. وتذكر كتابات المؤرخين أن صينيين أسرهم العرب في معركة نهر طلاس التي وقعت في عام 751 نقلوا أسرار صناعة الورق إلى أواسط آسيا رغم أن أدلة أخرى تشير إلى وجود الورق في هذه المنطقة قبل هذا الزمان، إذ عثر آثاري في عام 1907 على مجموعة رسائل يعود تاريخها إلى ما بين 313-314 ميلادية كتبتها زوجة خانها زوجها وتقول في إحداها "أفضل أن اكون زوجة كلب أو خنزير على أن أكون زوجتك". وكانت سمرقند التي تقع في الجانب الغربي من طريق الحرير مركزا مهما لصناعة الورق بعد انتقال التقنية من الصين.
ويصف الباحث الامبراطورية الإسلامية بالقول إنها كانت "أول مجتمع إنساني متعلم انتشرت فيه القراءة والكتابة على نطاق واسع بفضل انتشار الورق وسهولة استخدامه ووفرة إنتاجه". ويقول كورلانسكي "كان المسلمون يعتقدون أن الكلمة المكتوبة لا تمثل امتيازا يتمتع به أفراد النخبة القليلة فقط بل هو حق من المفترض أن يتمتع به الجميع، الأغنياء والفقراء والمتدينون والعلمانيون".
وكان توفر الورق وسيلة مهمة لبناء الحضارة ويقول الكاتب إن العباسيين أنشأوا "حضارة تقوم على الورق." ويضيف "كان ذلك عصرا ذهبيا حقيقيا بالنسبة للثقافة والتعلم" إذ حل الورق الذي تنتجه طواحين تحركها المياه محل ورق البردى والبرشمان اللذين كانا يستخدمان قبل ذلك التاريخ.

بغداد ودمشق
وكانت بغداد التي تقع على نهر دجلة أفضل مكان لإنجاز مثل هذه العمليات ولصناعة الورق وسرعان ما ضربت شهرتها الآفاق لنوعية الأوراق التي تنتجها والتي اعتبرت ملائمة جدا لخط القرآن الكريم. وتمكنت دمشق هي الأخرى من التحكم في تقنية صناعة الورق لتشتهر في أوروبا بإنتاجها الذي كان يشار إليه بتعبير "الورق الدمشقي".
ويغطي كورلانسكي مساحات جغرافية واسعة جدا وهو يتنقل عبر العصور وبين الحضارات من واحدة إلى أخرى. ولكنه يلاحظ أنه فيما كانت مكتبات بغداد غنية وضخمة ومنوعة، ظلت المكتبات في أوروبا بسيطة ولم يصلها الورق إلا في فترة متأخرة وكان ذلك بفضل دخول العرب الأندلس ونشوء حضارتهم هناك حيث سرعان ما تعلم الأوربيون أسرار هذه الصناعة منهم. وتخصصت بلدة فابريانو في إيطاليا في القرن الثالث عشر للميلاد في هذه التقنية وتحولت إلى مركز مهم لصناعة الورق. ومع انتقال التقنية من العرب إلى أوروبا انتقلت معها بعض التعابير والكلمات العربية مثل كوثون "القطن" او ريمز المأخوذة من كلمة "رزمة ورق" بالعربية.
واحتلت هذه البلدة مركز الصدارة والريادة في هذا المجال وتمكنت من تحسين المواد المضافة إلى عجينة الورق لمنع انتشار الحبر والسيطرة عليه باستخدام مادة الجيلاتين المأخوذة من جلد الماعز والتي بدت ملائمة بشكل أكبر لطقس أوروبا الرطب. وطورت المدينة أيضا المطارق التي يصنع بها الورق باستخدام الطاقة المائية وامورا أخرى أيضا لتكون النتيجة أن فابريانو أصبحت مركز صناعة الورق لقرون لاحقة في أوروبا.
وانتقلت صناعة الورق لاحقا إلى ألمانيا وغيرها كنوع من التقنية غير أن كورلانسكي ينبه في كتابه إلى أن "التقنية لا تغير المجتمع بل المجتمع هو الذي يطور التقنيات لمواكبة التغيرات التي تحدث داخله".
وربما كان أفضل دليل على ذلك ظهور الصحافة المطبوعة: إذ شهدت فترة القرن الخامس عشر في أوروبا طلبا واسعا جدا على الورق وإنتاج الكتب والوثائق لأنها كانت فترة نهضة إزدهرت فيها الأفكار وكانت النتيجة بناء مطابع عديدة وبدء إنتاج الكتب على نطاق واسع وبسرعة كافية تلبية لحاجة المجتمع.
غير أن الورق لم يكن حكرا على المفكرين والكتاب والشعراء والروائيين بل كان مادة مهمة أيضا للفنانين. ويشرح كورلانسكي بالتفاصيل تأثير الورق وأهميته في حياة هذه الفئة مشيرا بشكل خاص إلى ليوناردو دافنشي والبريخت دورير ويقول "ترك دافنشي وراءه ما لا يقل عن أربعة آلاف عمل على الورق".
ربما يكون الجزء الذي خصصه كورلانسكي لآسيا والعالم الإسلامي الأهم في الكتاب ولكنه شرح أيضا أساليب صناعة الورق التي تم تطويرها في أوروبا لاحقا وبشكل تفصيلي ليؤكد من خلال ذلك على أن الورق اختراع دائم يمكن تطويعه وتطويره حسب الحاجة على الدوام.
ورغم أن عصرنا رقمي بامتياز ما يزال للورق أهمية فنحن نستخدم الرسائل الألكترونية أكثر من البريد الإعتيادي مثلا ولكن التجارة عبر الإنترنيت تحتاج إلى الورق لرزم البضاعة وتغليفها عند شحنها إلى المشتري. وفي النهاية ربما كنت تقرأ هذه الكلمات على شاشة الكومبيوتر الآن ولكن الورق ما يزال موجودا في كل مكان من حياتنا الحاضرة.