*إيلاف في رحلة بين أحفاد ماو بالحبر الصيني(4من 4)
*كاشغر مدينة التمرد الصيني
*مليون جندي لمراقبة 350 ألف مواطن: اليوم السادس- الجمعة 24 يوليو
أحمد نجيم - موفد إيلاف الى الصين: كانت وجبة الإفطارفي الفندق غريبة مكونة من الأرز وأغذية أخرى، فاكتفى بعضنا بالشاي والعصير. خرجنا الساعة التاسعة بتوقيت بكين، لنكتشف أن الساعة حسب التوقيت لمحلي لا تتجاوز الساعة السابعة صباحا، رغم هذا تصر بكين أن تفرض عقارب ساعتها على الإقليم. كاشغر أكثر
| كاشغر |
في الطريق إلى بازار المدينة حدثت مناوشات كلامية بين عضوين من الوفد ومسؤول وزارة الخارجية التي ظل يرافقنا منذ اليوم الثالث. كادت تلك المناوشات أن تؤثر على الرحلة، والسبب أن صحافيا عربيا دخن في مكان غير مسموح به التدخين فخاطبه الصيني بقلة أدب، فغضب الصحافي الخليجي وصديقه. في الحقيقة كان الصيني فظا في طريقة تعامله، غير أنه بدا أكثر ودا بعد الحادث العارض. زرنا البازار الكبير في المنطقة، الذي يرتاده الباكستانيون وغيرهم. الصحافيون الذين يؤدون الصلاة أدوها في أكبر مسجد في الصين "عيد كاه".
انتهى اليوم بزيارة لأسرة إيغورية. استقبلنا صاحب المنزل بابتسامة، قدم لنا أنواع كثيرة من الحلويات، بعضها يشبه الإسفنج. ظل صاحب المنزل يشرف على حفل العشاء دون أن يجلس معنا. المنازل الإيغورية تبالغ كثيرا في الاهتمام بالزخرفة والألوان، هذه المبالغة تؤثر على جمالية المنزل. جلس الجميع أرضا في بيت كبير، وتوسطتنا طاولة كبيرة، كانت بداية الأكل بالفواكه. من عادة هؤلاء أن يدشنوا الوجبة بتناول فواكه لذيذة تفتح شهيتهم على الحساء والكباب وما شابهه.
كانت الساعة العاشرة ليلا حسب توقيت بكين، ومع ذلك أشعة الشمس مازالت تنير المدينة، كان لقاؤنا بشاب من المدينة، قال لنا أن هذه المدينة المهمشة "قلعة التمرد الإيغوري في الصين"، فعدد سكانها لا يتجاوز 360 ألف نسمة في حين يرابط بها مليون جندي صيني. كل فرد تقريبا في هذه المدينة سجن هو أو أحد أفراد عائلته.
العرب غير مرغوب فيهم في هذه المدينة "يزورنا بين الفينة والأخرى عرب مجاهدون يتدربون في أفغانستان وباكستان، يتزوجون من نساء المدينة، ثم يغادرونهن إلى غير رجعة"، يقول شاب إيغوري، ثم يضيف "لا نحب الباكستانيين، فهم يأتون لممارسة الجنس مع فتياتنا الفقيرات وشرب الخمر المحرم بيعه عندهم".
اليومان السابع والثامن السبت 25 والأحد 26 يوليو: شنغهاي تعايش الفقر والتقدم
انطلقنا من الفندق في مدينة "كاشغر" صباحا، ساعة ونصف مدة كافية لمغادرة هذه المدينة الشبح. الأجواء الجوية المضطربة جعلت الرحلة صعبة جدا. كان صوت المضيفة الصينية الوحيد الذي يبعث الإطمئنان إلى أن
الطائرة لن تسقط، وقد تمايلت كثيرا قبل أن تصل إلى مطار "أورومشي" الدولي. ولم تكن الرحلة الرابطة بين عاصمة الإقليم وشنغهاي، 4 ساعات، أحسن حالا من الأولى. استمرت حالة الهلع وسط الركاب. كثير اعتقد أن نهايته ستكون فوق التراب الصيني. الوجبات المقدمة في الطائرة لم تساعد على التغلب على حالة الهلع. كانت أطول رحلة للجميع، ووجوه البعض أضحت صفراء من جراء الخوف.
وصلنا مساء الأحد إلى شنغهاي. المطار المحلي صغير مقارنة بمطار بكين، لكنه منظم. تبدو المدينة أوروبية في شكلها وطريقة لباس أهلها وتعاملهم مع الزمن. مساء الأحد كانت الحركة عادية. خارج المطار حديقة كبيرة وجميلة. لم تمض إلا دقائق حتى بلغنا الفندق. رغم عدد الموظفين الكثير، فإن الخدمة أحسن بكثير من فندق العاصمتين بكين وأرومشي.
بعد تناول وجبة "حلال" في مطعم "إيغوري" خرجنا إلى الشارع. أعداد كبيرة من المتسولات تستخدمن الأطفال لإقناع السياح بوضعيتهن الكارثية. "موني" الكلمة الوحيدة التي يوظفنها. تقديم "يوهان" واحد يجلب عليك جيشا من المتسولات. تبدو شنغهاي بإيقاعات مختلفة. قرب الفندق فتيات مسنات وقبيحات يقترحن "المساج" لقاء 40 دولارا. حتى في هذه الخدمة يمكن أن ينال الزبون تخفيضا مهما. غير بعيد عن هذا الزقاق مجموعة من الحانات الصغيرة تقف فتيات صغيرات لا يتجاوز أعمارهن 20 سنة لجلب الزبناء إلى الداخل. "نتقاضى مقابلا عن عدد الجعات أو الكؤوس التي يشربها الزبون برفقة الفتاة"،تقول واحدة منهن. تعرف هذه الفضاءات إقبالا كبيرا من السياح الأوربيين. كثر تحيط بالواحد منهم ثلاث فتيات ويزيد. وبعضهم يحضر صديقته ويحتضن شابات صينيات.
الاثنين 27 يوليو-اليوم العاشر: الصين تتطلع إلى المستقبل وتهيئ شنغهاي 2020
مدينة شنغهاي مختلفة كثيرا عن مدن الصين الأخرى، إيقاع الحياة فيها أسرع مقارنة بالمدن الأخرى. تبدو المدينة أوربية في طريقة لباس سكانها وحرص كثير منهم على الاهتمام بمظهره وحركة السير ونمط الحياة.
| شنغهاي |
تقسم حاليا إلى قسمين واحد غربي وآخر شرقي، يفصل بينهما نهر كبير. كانت المدينة في السابق تحتوي على أعلى برج في العالم، "البرج الوطني" يتكون من 88 طابق ويطل على المدينة. هندسته الجميلة تمكن زواره من اكتشافه من الداخل والخارج. على بعد أمتار منه يستعد المدينة لإطلاق برج آخر أطول منه.
شنغهاي، أو قلب الصين التجاري والصناعي، تهتم كثيرا بمستقبلها، ففي ركز شنغهاي للتصميم الحضري، يخطط للمدينة في السنوات العشر المقبلة، إذ تقدم لزوار المدينة تصميمها في العام 2020 على مجسم مساحته 600 متر، ويعد الأكبر في العالم. كما تقدم للزوار رحلة افتراضية إلى ما ستؤول إليه المدينة. هذا المشروع ليس حلما يراود حكام المدينة ومسؤولي الصين، بل أنجز في العام 2005 قرابة 70 في المائة منه، وسيوفر للمدينة 3600 ناطحة سحب من الجيل الجديد يفوق طول كل منها 50 مترا، وعلى خمسة جسور، جسران في طور البناء، واحد منهما سيكون الأكبر في آسيا، إذ سيصل طوله إلى 32،5 كلم وسيتجاوز عرضه 31 مترا. كما بدأت أشغال إعداد وبناء منتزها "البحيرة الزرقاء".
سكان شنغهاي، مثل سكان بكين، هدفهم واضح، كما أعلنته مسؤولة عن المعرض "نريد أن نهزم اليابان في هذا المجال".
هذه المدينة التي قصدها التجار منذ سنوات، تعتبر الأغلى في الصين، فثمن المتر المربع الواحد ألفا دولار، وتستمر هذه الأسعار في الارتفاع مع الإقبال الكبير للأجانب على المدينة.
عدد سكان هذه المدينة قرابة عشرون مليون نسمة، يفوق عدد الأجانب مائة ألف نسمة، منهم 20 ألف ياباني و20 ألف كوري. تتوفر المدينة على 48 جامعة.
سعت المدينة، حسب نائب مدير مكتب وزارة الخارجية، إلى "بناء مجتمع ميسور وموحد"، غير أن هذا الكلام غير مطابق لواقع الحال، فشوارع المدينة ليلا، إذ تنتشر الدعارة بشكل كبير وتمتلئ الشوارع بالشحاذين الذين يلاحقون السياح الأجانب بأطفالهم وصغارهم. ويدافع مسؤول حكومي على ذلك بالتأكيد على أن الظاهرة "عالمية". تهتم المدينة حاليا بأولويات أخرى، كمشكل "انقطاع التيار الكهربائي" "بعد سنة أو سنتين سنحل مشكل الكهرباء"، ذلك أن الامتيازات الكبيرة التي تمنحها المدينة للمستثمرين، تقضي بإعفاء ضريبي لمدة ثلاث سنوات، دفعت عددا منهم إلى الاستثمار في هذا القطاع "تنشأ حاليا 48 محطة لإنشاء الطاقة النووية" غالبية الاستثمارات فرنسية.
رغم ذلك فإن نسبة البطالة، حسب المسؤول بالمدينة، تعد الأقل انخفاضا في الصين، إذ لا تتجاوز 4 في المائة، وذلك بفضل توفر المدينة على الصناعات الثقيلة في ضواحي المدينة، خاصة الصناعات الميكانيكية وصناعة السفن والصناعات البتروكيماوية، أما صناعة الخدمات فتمثل 48 في المائة من هذه الصناعة في الصين.
وكانت المدينة الأولى في الصين لإنتاج السيارات، فربع إنتاج الصين من السيارات يخرج من مصانع المدينة، إذ أنتجت في العام 1950 أول سيارة صينية الصنع، "لا نقوم بتركيب السيارات فقط، بل نصنع 95 في المائة من قطع الغيار التي نستعملها في تركيب السيارات" يقوم مسؤول حكومي في المدينة.
رغم أن الناتج الفردي في المدينة يصل إلى 5 آلاف دولار، بينما لا يتجاوز في مدن صينية أخرى ألف دولار، فإن الإيقاع السريع للتطور في المدينة يخلف وراءه كثير من المآسي الاجتماعية، فنسبة الدعارة والشحاذة في ارتفاع كبير "في السابق لم يكن الوضع بما نعاينه حاليا، فالمآسي الاجتماعية تتزايد والفقراء يزدادون فقرا، لذا يجبروا على الخروج إلى الشارع" تقول موظفة صينية بالمدينة.
ليس الفقر والغنى من يتعايشان في هذه المدينة، فالمدينة تعرف تعايشا غريبا بين الماركات العالمية في اللباس والمواد الإلكترونية المنتشرة في شوارع المدينة الرئيسية وبين نسخ من هذه الماركات العالمية الموجودة بكثرة في أسواق شنغهاي الكثيرة.
زيارتنا كانت إلى مؤسسة صحافية تابعة للحكومة "شين مين"، التي تصدر عشرات الصحف بالصينية والإنجليزية. للمؤسسة مقر وسط المدينة، يتكون من طوابق مختلفة. تأسست هذه المؤسسة في العام 1929، احتفلت قبل أشهر بذكراها 75. "هدفنا تربية الشعب" يقول أحد كبار مسؤولها. أكبر صحف المجموعة العملاقة توزع مليون و100 ألف نسخة يوميا، 900 ألف توزع داخل شنغهاي بعد ظهيرة كل يوم، عدد المشتركين في هذه الصحيفة 700 ألف شخص، تقدم لهم الصحيفة 50 صفحة يوميا.
لا تشكل هذه الصحيفة عبء على الحزب، كما أكد مسؤولوها "السنة المنصرمة حققنا 300 مليون يوان ربحا صافيا"، ف30 في المائة من صفحاتها عبارة عن إعلانات.
هؤلاء المروجون لدعاية الحزب الشيوعي يقنعون مخاطبيهم بأن الصين تتمتع بحرية التعبير "موقفنا موقف الحكومة، ونولي اهتماما بما يشغل بال المواطن، ولنا مركز لاستقبال شكاويهم، ولا وجود لخطوط حمراء".
لا يقتصر توزيع صحف المؤسسة الناطقة باسم الحزب الشيوعي على الصين بل يشمل عدة دول أوربية والولايات المتحدة الأميركية.
انتهت الزيارة بالطابق الأخير للمؤسسة، وهو عبارة عن مقصف للصحافيين والموظفين البالغ عددهم 550 شخصا. انتهى اليوم بزيارة إلى سوق شعبي صيني.
بعد تناول وجبة في مطعم تركي كانت وجهتنا شركة "هويوي" للاتصالات. مقرها في الجهة الغربية للمدينة. تتوفر الشركة على معهد للدراسات والأبحاث، ويعد الأكبر في الصين. أسس المعهد في العام 1996، أكثر من 90 في المائة من موظفيه من الباحثين و7 في المائة من الحاصلين على شهادة الدكتوراه و19 في المائة من الحاصلين على الماجستير.
في هذا المركز الكبير باحثون يحسبهم المرء مجرد تلاميذ في مدارس الثانوية، كانت فتاة بنظارتين طبيتين أصغرهم، اكتفت بتوزيع ابتسامات عندما طرح عليها صحافي السؤال : "هل يمكن أن تغادري المركز إذا منحتك شركات منافسة عالمية راتبا أكبر؟" وتدخل المرافق قائلاً: "هذا سؤال يمكن أن تطرحه خارج المركز".
بعد شرح وتفسير نظم المركز رحلة بين شوارع المدينة لتجريب تكنولوجيا الشركة الصينية في سيارة كبيرة. بدأ الباحث بالجيل الجديد للهاتف المحمول الذي يمكن أن يرى المخاطب صورة المتحدث معه، كما قدم خدمات جديدة للمراقبة عبر الهاتف المحمول وأخرى لمتابعة الأفلام والقنوات التلفزيونية....هؤلاء الصينيون يقولون أنهم يقدمون "أحسن الحلول لخدمات ما بعد البيع"، إذ تمكن من تخفيض 30 في المائة من إجمالي التكاليف. شعار المؤسسة التابعة للقطاع الخاص "الشمس" وهدفهم "إضاءة العالم بنور التكنلوجيا الصينية"، لذا فهم حاضرون في أكثر من عشرات الدول.
اليوم الحادي عشر - الثلاثاء 28 يوليو: صين بإيقاعات مختلفة
لم يكن لنا برنامج محدد في اليوم الأخير. إنه اليوم الوحيد الذي سنتحرك فيه بحرية كبيرة. في الصباح وحتى الساعة السادسة مساء، موعد مغادرة الفندق. كان الصينيان اللذان عوضا مرافقينا اقترحا علينا الذهاب إلى منتزه شنغهاي الشهير. لم يغر المنتزه أحدا فقرر الجميع التوجه إلى سوق شعبي وسط المدينة. الأجواء نفسها والطريقة نفسها في اقتناء الهدايا الرخيصة. بالقرب من هذا السوق عمارة كبيرة للصناعات الإلكترونية "الجديدة". هذا السوق المكون من أربعة طوابق يبيع كل أنواع الإلكترونيات. كل طابق متخصص لنوع معين. كان الأول والثاني للهواتف المحمولة وآلات إلكترونية أخرى خاصة "إم بي 3". عكس سوق الأزياء كل محاولة للحصول على تخفيض كبير مصيرها الفشل. في الطابق الثالث كل أنواع الثلاجات والأفرنة وأجهزة التلفزيون. في الطابق الرابع مجموعة من الحواسيب الجديدة والمستعملة، ميزتها صغر الحجم. غالبية السلع المعروضة مقرصنة. ماركات عالمية في الهواتف من النوع الجيد بأقل من 40 دولار. قرب السوق متجر كبير لبيع الحرير. شكله وطريقة عرض هذا النوع من القماش لا يشجع على اقتنائه.
عدنا إلى الفندق، بعد نصف ساعة اتجهنا إلى المطعم الإيغوري. رفض بعضنا تناول الوجبة نفسها، اضطر المرافق وصديقه الجديد الذي يتحدث الإنجليزية أن يبحثا عن مطعم تركي. كانت الساعات الأخيرة في هذه المدينة. الساعة الخامسة غادرنا الفندق كثير منا لم يودع الجزائريين ولا السعودي. كانت آخر وجبة لنا في شنغهاي في المطعم الإيغوري القريب. الثامنة والنصف أنهينا الأكل. قرر المرافقان منحنا فرصة تجول أخيرة عبر السيارة في شوارع شنغهاي بعد أن دوعنا الموريتانيان. زرنا العمارات الأولى في هذه المدينة، شيدت في الثلاثينات. هندستها تحمل بين الهندسة الفرنسية والهندسة الإنجليزية. سرنا فوق الجسر المعلق لدقائق. كانت كل العمارات مضيئة والأشغال قائمة لبناء عمارات أخرى. بدأ التعب ينال من أصدقائنا. بعضهم استسلم للنوم والبعض الأخر غالبه بصعوبة. ثم انطلقت السيارة في الطريق السيار بين المدينة والمطار الدولي. مسافة فاقت الساعة. المطار مختلف عن المحلي. أشبه بقاعدة للقضاء. أشكال هندسية متداخلة أضفت عليه جمالا. في البهو ودعنا بعضنا البعض وانطلقنا إلى تسجيل أمتعتنا. حياة أخرى في هذا المطار. يسمح للعائلات أن ترافق ذويها
المسافرين أثناء التسجيل. الصينيون يوزعون ابتسامات ماهرة لتفادي الصف الطويل. محاولة عائلة فرنسية لثني هؤلاء باءت بالفشل. يبدو مسؤولو الخطوط الفرنسية وكأنهم متآمرون معهم.
تطلب تسجيل الأمتعة أزيد من ساعة ونصف، بعض الصينيين لم ينتظر سوى 10 دقائق. النظافة في الخارج لا علاقة لها بالنظافة داخل المطار. صيني في الأربعينات أفرز كيسه البلاستيكي من اللبن وأزبال أخرى. توقف رجل أمن لمحه بعينيه وغادر دون أن يعاتبه. استمر الصيني في عمله، ثم حمل طفلته وهم بالمغادرة تاركا اللبن وأزبالا أخرى قرب آخر حاجز بين الشرطة الصينية والطائرة. لتنتهي رحلة الصين وتبدأ رحلة طويلة إلى باريس دامت هذه المرة 11 ساعة.
الأعراب في الصين
الدعوة إلى زيارة الصين كانت لوفد صحافي مكون من 13 شخصا، يمثلون 7 دول، المغرب وموريتانيا والجزائر والسودان والسعودية واليمن وعمان. لم يحدث في يوم من الأيام تفاهم بين هؤلاء العرب. البعض كان يريد أن يتحدث باسم حكومته ليؤكد مساندة بلاده للصين ودعمها للقضاء على "العجرفة الأميركية". مدير وكالة السودان للأبناء كان يحرص دائما، وأحيانا، يتسابق، مع الصحافي السعودي، للجلوس قرب المسؤولين الصينيين. حينما يتحدث يعتقد أنه وزير في الحكومة. يختار دائما أن ينوب عن بلدان الوفود السبعة. كانت أولى اللقاءات بداية لصراعات عربية مرة حول الزعامة ومرة أخرى حول أفكار، استمرت إلى أن عاد كل واحد إلى بلاده. بدت الهوة كبيرة بين الصحافيين المشارقة والصحافيين المغاربة، الجزائريون والمغاربة. صحافي موريتانيا اختار الحياد. تشكلت تكتلات بين الجزائريين والمغاربة، كما شكلت تكتلات أخرى بين المشارقة.
رنة هاتف المدير العام لوكالة الأنباء السودانية كان "الآذان"، وحدث أن رن الهاتف أكثر من مرة أثناء لقاءاتنا بالمسؤولين الصينيين. كان يجيب على كل مكالماته مما سبب حرجا كبيرا للصحافيين الآخرين.
كان مجموعة من الصحافيين العرب يؤكدون أنهم سينقلون إلى قرائهم في العالم العربي "جو الحرية" و"التعايش" بين المسلمين وغيرهم. رغم أن كثير منهم التقى حالات إنسانية مأساوية في مدينتي "أرموش" و"قشكر" على الحدود مع أوزبكستان وباكستان. ظل عدد منهم مبهورا بحضارة الصين وتقدمها وتعايشها. تفسير هذا التقدم بسطه واحد منهم "إنهم يتقنون العمل فهذا المرافق، مثلا، ترك عائلته وظل معنا طيلة هذه المدة، أما أنا عندنا أسند مهمة إلى شخص فلا يقوم بها. هذه مشكلتنا". يتذكر ثم يضيف "لكن هؤلاء ليس لهم مفهوم صلة الرحم والعائلة، فأنا مضطر إلى عيادة المريض من العائلة والصديق في الفرح....هؤلاء لا توجد هذه الزيارات في قاموسهم" يتحدث كأنه ينتشي بهذه الخصال "الإسلامية العربية الأصيلة".
ظل مجموعة من الصحافيين يشعرون بالزهو، وهم يلتقون مسلمو الصين، تحية من هؤلاء، دفعت بالكثير منهم إلى التقاط صور للذكرى. رغم أن أكثر المناطق تخلفا وفقرا ووسخا كانت المناطق التي تقطنها أغلبية مسلمة، وهي طبعا سياسة مقصودة من الحزب الشيوعي الصيني.
زرنا شنغهاي كما تتصورها حكومتها في العام 2020، وأكبر الشركات تقدما في التكنولوجيا العالية، وصعدنا ناطحات السحاب الصينية وشاهدنا الجيل الجديد من هذه العمارات، في آخر عشاء جمعنا نحن العرب، كان بمطعم إيغوري إسلامي، وجه صحافي مشرقي سؤالا إلى مرافق جديد باللغة الإنجليزية "كيف يتزوج الشباب هنا" كان الشاب أعلن في وقت سابق أنه "لا يؤمن بأي شيء". جواب دفعه إلى محاولة إقناعه بمزايا الإسلام "دين شرع في كل مناحي الحياة". لم تقتنع الصيني، فخاطب زملاءه "هذه مهمتنا في إيصال رسالة الإسلام إلى هؤلاء". في العام 2020 يتجاوز عدد العمارات التي يفوق عدد طوابقها 50 طابقا، وربما سيظل الأخ السوداني، المقرب من البشير، يدعو حفدة ماو بالدخول إلى الإسلام ويظل الغبار يدعو مطار الخرطوم، كما هو واقع الحال اليوم، حسب المسؤول السوداني.




التعليقات