إيلاف من لندن: "الأسلوب هو الرجل". هذه العبارة هي فاتحة كتاب داوود الشريان الجديد عيال البسّة (244 صفحة، منشورات ذات السلاسل، الكويت، 50.63 ريالًا سعوديًا)، لمّ فيه باقةً من مقالات بقلمه، نشرها بين عامي 1987 و2015، وهي تعبير عن رحلته مع العمود الصحافي عبر سنوات.

إن صحّ هذا الكلام عن الأسلوب، فليس أقرب إلى النفس من أسلوب رجلٍ طبع الصحافة السعودية – العربية بطابع خاص. في أي حال، أليس أدلّ على هذا الطابع من عنوان الكتاب؟

سمى الشريان كل الكتاب باسم الجزء منه. ففي مقدم المقالات المدرجة في الكتاب مقالته الشهيرة، التي خرج بها قبل ربع قرن تقريبًا معلنًا فيها معادلةً شبه وجودية جديدة في علم الإنسان، مفندًا الفروق المعيشية وأساليب التعامل مع الشعوب التي انتهجها الحكام في دول نامية فقيرة من جهة، وفي دول متقدمة غنية من جهة أخرى، ومقيمًا المفارقات بين البسّة (القطة) والكلب.

الشعوب – القطط الآمنة

يقول في تلك المقالة، وهي الثالثة في الكتاب، بعد المقدمة: "تشتهر البِسَس أو القطط بأنها لا تهتم بمشاعر أولادها أو رفاهيتهم وتكتفي في تعاملها معهم بالمحافظة على الجانب الأمني فحسب. فإذا أحسّت أنهم في خطر فإنها سرعان ما تنقلهم إلى مكان آخر ولا يهم أن يكون هذا المكان باردًا أو حارًا، أو قذرًا أو نظيفًا، المهم أن يكون آمنًا، ولهذا صار الناس يقولون (حِنا عيال البِسّة) إذا أحسوا أنهم يُعاملون بمستويات متدنية أو يُخاطبون بطريقة غير لائقة".

يضيف الشريان: "وعلى عكس القطط، تتصرف الكلاب مع أولادها بطريقة راقية مراعية مسألة الدعة والنظافة والشياكة في أماكن صغارها، ولو أردنا أن نستخدم لغة السياحة في هذا السياق لقلنا إن الكلاب تضع أولادها في فنادق خمس نجوم، في حين أن القطط تضع أولادها في موتيلات شعبية. من هنا صار الناس يقولون في بعض الأحيان: ’فلان ابن كلب‘ كناية عن القدرة والعز والذكاء وغير ذلك من الأوصاف الخمسة نجوم".

بحسب الشريان، إذا قيل هذا مجتمع متخلف، فالحكومة فيه تتصرف مع مواطنيها على طريقة القطط، وإذا قيل هذا مجتمع متقدم، فالحكومة فيه تتصرف مع المواطنين على طريقة الكلاب، "فالبلاد المتخلفة تهتم بالأمن وتفرط في ما سواه، تمامًا كما تفعل القطط، أما البلاد المتقدمة فإنها تهتم حتى بالتفاصيل وتجمل هذه التفاصيل بتعبير يقال له الرفاهية". برأيه، يتم بمقتضى هذا المنهج إشغال الشعوب – القطط بهاجس الأمن من منطلق أنه الوحيد الذي عليها تحقيقه، مضحية في سبيله بكل ما سواه.

ورفاهية الكلاب مذكورة عند الشريان في مقالة أخرى: "الصحفي ابن عم الكلب"، ومثارها ما نقل عن ابن رويبخ من قول إن الفقير هو ابن عم الكلب. إلا أن الحال تغيّر. يقول الشريان: "الكلاب تجاوزت الفقراء، ووصلت إلى مرحلة الرفاهية، فأُسِّست لها المستشفيات، والفنادق، ودور الحضانة، وحين تُباع تُعقد لها المزادات الضخمة، مثل المقتنيات النادرة والتحف الثمينة، أما إذا أرادت أن تأكل فإنها تحتار ماذا تختار من أنواع الطعام الذي تزدحم به أرفف الأسواق، وتضج به الإعلانات التجارية". هذا، فيما زاد الفقير فقرًا، ولا يصح برأيه غير الصحفي نسيبًا لهذا الفقير. يضيف: "صحفيو زماننا يعيشون في أوضاع مهنية لا تضمن لهم كرامة العيش حين تنزل بهم عاديات الدهر والرقيب، ولذلك يموتون وهم ينتمون إلى عالم الفقراء".

الكلب أولًا وآخرًا وبين بين

في مقالة أخرى، عنوانها "الإنسان والكلب"، لا يتوقف الشريان عن المقارنة. يكتب: "يوجد في العالم العربي أكثر من خمسين مليون إنسان يعيشون أوضاعًا ترفضها حتى الكلاب، وبعضهم يعيش تحت خط الفقر ويفرح إذا حصل على قطعة خبز يابسة وشربة ماء باردة أو حتى نقية. تصور أنك لاجئ في أحد المخيمات الفلسطينية التي أصبحت تفتقد أبسط الخدمات ولا تليق بكرامة الإنسان، وقرأت مقالًا لأحد الكتاب يتحدث عن الرفاهية التي وصلت إليها كلاب أمريكا وكيف أصبحت هذه الكلاب تنام في غرف مكيفة وعلى أسِرَّة من الديباج والحرير وتعيش أحسن من عيشة هارون الرشيد في زمانه، إلى درجة أن هناك من يتحدث في أمريكا عن حقوق الكلاب على غرار حقوق الإنسان".

إنه الموقف الإنساني نفسه، تقرأه من أولى مقالات الكتاب حتى آخرها. بالتأكيد، الأسلوب هو الرجل، والشريان رجل يعرف من أين تؤكل كتف "المسألة" التي ينوي التصدي لها بقلمه، بأسلوب يقرّب المعلومة من قلب القارئ، ويجعل النقد همسًا لاذعًا ومحببًا في آن، فتقف في صف مقالته، ظالمًا كان فيها أم مظلومًا. في "قصة خيال لم تتم"، يتأوه على حال الصحافة عند العرب حين يقرأ عما حصل – يومًا ما – في إيران من احتجاج حاشد على إغلاق صحيفة "سلام"، الناطقة باسم التيار الإصلاحي الذي يتزعمه الرئيس الإيراني محمد خاتمي. يكتب: "تخيلت وأنا أتابع ما يحدث في إيران أن المشهد سيعاد تمثيله في العالم العربي، لكن خيالي توقف عن التخيل، عبثًا حاولت ولكن من دون فائدة، وحين سألت خيالي عن سبب رفضه إكمال اللعبة قال: ’لأن ليس هناك صحيفة يمكن إغلاقها في العالم العربي فكلها للأسف شبه مغلقة أو مغلقة، ثم إذا أردت أن تعيد المشهد عليك أن تستبدل فعل الإغلاق بالفتح أو الترخيص، وتغير كلمة تظاهرات إلى مسيرات تأييد وهتاف بحياة القائد والزعيم".

بين تيس القضية والطقاقات

موقفه السياسي لا لبس فيه، ولا حرج. في "من قتل التيس؟"، وفيها قصة التيس الفلسطيني النافق "أبو مسعود" الذي اشتهر أنه يشفي من العقم ويضاعف الفحولة، يهزأ بما وصل إليه حال "الوطن السليب" وبتهافت قضية العرب الأولى وتواضعها إلى حد اتهام الفلسطينيين إسرائيل أو منظمة التحرير الفلسطينية أو حماس بقتل التيس، إذ خاف من خاف أن يتحول إلى رمز لانتفاضة جديدة، وخشي من خشي من فحولة متزايدة. وفي مقالته "المثقفون والطقاقات" يماثل الشريان بين المثقف الحديث والطقاقة، أي ضاربة الدف. يكتب: "مثلما أصبحت حفلات الأعراس لا تقوم إلا بالطَّقَاقَات، كذلك صارت الحفلات الخاصة الآن لا تنعقد إلا بهذا النوع من المثقفين. ولهذا أصبح لزامًا على كل من يريد أن يدعو أميرًا، أو وزيرًا، أو وجيهًا، أو مسؤولًا مهمًا، أن يقدم له قائمة بأسماء الطَقَّاقِين، عفوًا، أقصد المثقفين الذين يرغب الضيف في سماع رَغْيهم، ومشاهدتهم عن قرب".

بقيت هذه المقالة ماثلةً في ذهنه فتذكرها لاحقًا في مقالته "المثقفون والصالونات"، حين أغراه أحدهم بحضور حفلة قائلًا: "ستري في هذه الحفلة أشهر الراقصات والفنانات، وأهم المثقفين والصحافيين". يكتب الشريان: "اعتذرت له ضاحكًا: ’لا أستطيع أن أحضر حفلة فيها سمك ولبن وتمر هندي‘". ويبلور موقفه من حديثي الثقافة في العالم العربي، فيقول: "هذا النوع من المثقفين، وهم في ازدياد مضطرد، يبقي مثقفًا اسمًا
لكن فحولته الثقافية والفكرية مدمرة، لذلك يحترف الرغي في الجلسات الخاصة والصالونات المغلقة".

الناقد المفوّه

الشريان في مقالاته المختارة المجموعة في كتابه عيال البسّة ناقد لا يهاب مسؤولًا. ففي مقالة عنونها "يا خال أبوي"، ينتقد بشدة تحول الصحف السعودية في معظم الأحيان "إلى لوحات إعلانية، ووسائل ترويجية لنشاطات بعض الأفراد والمؤسسات"، فهذا رئيس بلدية "يعلن أنه سوف يقوم بجولة تفتيشية على خزانات المياه في المطاعم، وينشر خبرًا عن هذه الجولة قبل تنفيذها بأسابيع، وكأنه يقول للمطاعم استعدوا لهذه الجولة المفاجئة، لكي تبيضوا وجهي أمام المسؤولين، وحين يقوم بالجولة ينشر خبرًا أنه قام بالجولة ووجد كل المطاعم تسير ضمن التعليمات، وأن على المواطنين أن يكرعوا مياه المطاعم دون خوف أو وجل وأن النظافة في المطاعم آخر تمام!". وينتهي إلى السؤال: "متى يتوب الله علينا من هذه الأخبار؟". أما في مقالته "عُطلة من صور المسؤولين!"، فيسأل خاله: "كيف ’نفطم‘ المسؤولين في الإدارات الحكومية عن ’الترزّ‘في الجرايد؟"، فاقترح عليه خاله أن يطلب من "ربعه"، أي معشر أهل الصحافة، أن يمتنعوا عن نشر صور هؤلاء المسؤولين في يومي الخميس والجمعة، ليكونا يومي إجازة للشعب من صورهم.

الكلام في مقالات الشريان لا ينتهي، وفي كل منها عود على بدو الكتابة الهادفة.. وهدفها صالح الإنسان وصلاح الإنسانية. هكذا كتب الشريان منذ أحترف كتابة العمود في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ومنذ اشتهر بعموده "أضعف الايمان" على المستوى العربي. وهكذا نقرأه اليوم.

* للحصول على كتاب "عيال البسّة" لداوود الشريان، يرجى طلبه إلكترونيًا من ذات السلاسل على الرابط: https://online.thatalsalasil.com.kw/