لم تتمكن فتوى آية الله خامنئي بتحريم سب الصحابة من محو ميراث ضخم من العداء المذهبي الممتد لما يزيد عن ألف عام، رغم ما قوبلت به هذه الفتوى من ترحيب في الأوساط السنية خاصة ردة فعل شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وكأنها بداية عهد جديد في العلاقات السنية الشيعية، وما صاحب ذلك من تهليل شعبي متناسين أو متغافلين أن هذه ليست المرة الأولى التي يصدر فيها خامنئي مثل هذه الفتوى، فقد أصدر عام 2006 فتوى مشابهة فيما يخص سب الصحابة على المنابر الشيعية. ورغم ما يتمتع به خامنئي من مكانة ومرجعية هامة في الأوساط الشيعية نالها من مكانته السياسية بالإضافة لوضعيته الدينية، إلا أن القضية ستظل أعمق من تلك المصالحات السياسية المرتهنة بالظرف التاريخي بين إيران وغيرها من البلاد العربية السنية بطبيعة الحال.
فما ترسب في الوجدان الديني الجمعي، من عداء تاريخي بين السنة والشيعة، والذي ساهم فيه فقهاء السلطة قبل مرحلة سلطة الفقهاء على مدار التاريخ الإسلامي، يجعل من المستحيل أن نتعامل مع تاريخنا بحياد يليق بالتطور الحضاري والفكري الذي لم نعلم عنه إلا القليل. فما زلنا متجمدين عند مرحلة خلت منذ ما يزيد عن ألف عام، نجترها ونعيد إنتاجها كلما داهمتنا أزمة سياسية أو اجتماعية، وكأننا ندافع عن أنفسنا ضد أنفسنا، وما زلنا في حاجة لفتوى تمحنا مشروعية التوقف عما اعتدنا عليه. وما زالت الحكومات تستغل تهافتنا حول أمور ما أنزل الله بها من سلطان لتحقيق مكاسب خارجية أو داخلية لا نعلم عنها شيئاً.
فرغم أن الله واحداً أحد، والإسلام له كتاب واحد، إلا أننا ما زلنا متعددين ومنقسمين وكأننا أمام دينين أو كتابين، حتى أن التاريخ الإسلامي له عدة قراءات وكتابات تتفق مع الخيال المجتمعي الذي قرر الانفصال والانقسام. فالشيعة يتعاملون مع الواقع الآني بنفس ذهنية الاضطهاد التي تبنوها نتيجة لأزمات سياسية بحته لا تمت للدين بصلة، فالصحابة على مكانتهم الجليلة ليسوا إلا بشراً يصيب ويخطئ، بما في ذلك علي بن أبي طالب، الذي رفعه الشيعة من وضعيته الإنسانية إلى مكانة مقدسة يحتكرها في المخيال الشيعي هو و بنوه من بعده، فهو الإمام الأول، الذي عانى من اضطهاد الخلفاء بعد عهد النبوة، بداية بأبي بكر الصديق، الذي ولاه عمر الخلافة تحت حجة ترد في كتب التشيع (إن قريشاً كرهت أن يكون فيكم النبوة والخلافة فولوا أبا بكر)، بل أنه وقف ضد تسلم علي وفاطمة إرثهم في بستان (فدك) كان قد تركه النبي بعد وفاته خشية أن يستقوي به علي لينال الخلافة، التي هي حق أصيل في المذهب الشيعي لعلي فقط دون غيره والتي تحولت للإمامة مع التقادم المذهبي. فكأن هناك تاريخ خفي للصراع لا نعلم عنه شيئاً. حتى أن عمر كان المتسبب كما يرد في كتب التشيع وفي خطبهم في مقتل جنين في أحشاء السيدة فاطمة وهو المحسن . وتمتد تلك الحالة للخلاف بين معاوية وأنصاره وعلي وشيعته، وصولاً لمقتل الحسين في كربلاء والتي أصبحت حادثة مفصلية في الوعي المذهبي الشيعي، فكان من البديهي أن ينسب ليزيد قوله (تلاعبت بنو هاشم بملك العرب فلا وحي جاء ولا دين نزل). فدائماً يلبسون الشيعة ثوب الشيطان للأخر أياً كان.
ورغم أن معظم تلك الروايات وردت على فترات تاريخية متباعدة، تلي كل أزمة سياسية بداية بتاريخ الخلافة وصولاً للحكم الصفوي في إيران في القرن التاسع الهجري، وأغلبها يمت بصلة لحكايات شعبية مذهبية، إلا أنها ترسخت في الوعي الشيعي وأصبحت أداة للاستغلال الطائفي والسياسي على مر العصور، ليكتسب الفقهاء السلطة المقدسة المطلقة في ذهنية العامة، أو لترسيخ ملك أو حكومة تريد أن تكتسب مشروعيتها من السماء. فكل من حكم باسم الشيعة بداية بالبويهيين في القرن الرابع الهجري، وصولاً للحكومة الإسلامية الإيرانية، اعتمدت على الفصل بين الشيعة والسنة، وكأنهم قائمون على الأمة لحين عودة المهدي المنتظر، الذي سيعيد صياغة العالم من حوله ويحقق كل الانتقامات المؤجلة في التاريخ الشيعي الموازي. حتى أن هناك بعض الروايات التي تتمادى خيالاً بأن المهدي سوف يُقيم أبي بكر وعمر من الموت ليحاسبهم على مواقفهم ضد علي بن أبي طالب. تلك الروايات التي لا تتعدى تصفية لحسابات شعبية، كما يفعل مريدو الأضرحة أو الأولياء.
وتمتد الفكرة لتصل إلى القرآن الكريم، حيث يتم ادعاء أن هناك مصحف كان قد كُلف به علي من قبل النبي قبل وفاته، بأن يكتب القرآن، ولكن الصدّيق علم بهذا الأمر فسارع بتدوين القرآن خشية أن يرد في مصحف علي ما يؤكد على أحقيته في الخلافة، وأن هذا المصحف العلوي هو ميراث الأئمة، وسوف يظهر مع الإمام المهدي في آخر الزمان. بل أنه قد ورد في إحدى الكتب الفارسية وهو كتاب (دبستان مذاهب) ما يشير إلى حذف سورتين كاملتين من المصحف وهما (سورة الولاية والنورين) لصالح مصحف أبي بكر و تلاه مصحف عثمان بن عفان، ورغم أن ذلك الكتاب لا يتعدى كونه كتاب فارسي مؤلف في الهند لمؤلف مجهول يتحدث عن بعض غلاة الشيعة والمذاهب الأخرى ويجمع ما يرد في أفواه الناس دون تدقيق أو بحث، إلا أن تلك الرواية تم تناقلها في الكتب الشيعية الأم مثل الكافي، وفصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب، بل يرد في تلك الكتب أن هناك خمسمائة موضع قد تم تحريفه في المصحف، لصالح الخلفاء وضد علي. وللأسف ما زال هذا الكلام راسخاً في وجدان العامة سواء من الشيعة أو السنة. رغم عدم منطقيته أو علميته بعيداً حتى عن النيل من قدسية القرآن.
فقضية سب الصحابة أو تحريف المصحف أو غيرها من الأفكار التي لا تزيد عن كونها ميراثاً عدائياً نابعاً من عقدة جمعية بالاضطهاد أو المظلومية المفتعلة، الممتدة لمئات السنين يجعل من الصعب أن يتوحد الوجدان الديني بشقيه السني والشيعي، بفتوى واحدة، يطلقها القابع هناك، ويشيد بها من هنا. فما زالت القضية سياسية إلى الآن من تنظيمات شيعية يتم إلقاء القبض عليها في البحرين أو مصر، أو تفجيرات يقوم بها جند الله السنة في إيران. أو نعيق وسباب متبادل بين شيوخ الطوائف والملل. أو دعوى كويتية لسحب جنسية داعٍ هنا ومفتٍ هناك. أو انقسام لبناني بين حزب الله وحزب غير الله من حكومة أو شعب، وإستقواء برجل العسكري الذي تحول إلى بطل ديني شعبي. فسيظل الدين ألعوبة في يد السياسة تسيسه كيف شاءت، طالما أننا ما زلنا لا ندرك أن خلاصنا الحقيقي ليس في ميراثنا الفصامي، ولكن في عمق إدراكنا أننا شعوب فصامية بالفعل، نخلق من داخلنا أخر لنلقيه في جحيمنا الخاص، اعتماداً على وهمنا الذاتي أننا موكول لنا أن نعيد صياغة تاريخ لم نشهده أو نشارك في بنائه.

.co.uk[email protected]

أكاديمي مصري