قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ما زلت متشبثا بإيماني أن العرب أمة واحدة ذات رسالة خالدة، وأن أهم ما يجمع العرب وجود أنظمة سياسية متشابهة إلى حد التوأمة سبحان الله، فالنظام السياسي العربي الجاثم بكل محبة ومودة وعشق على صدورنا، موحد في ملامحه التالية على الأقل:
-رئيس يملك كل السلطات الزمنية والروحية، و يمارس الحكم حتى آخر نبض في القلب من فرط الوطنية، لكنه يستنكف عن استصدار قوانين أو مراسيم أو فرمانات تؤبده، بل يحرص كل الحرص بين الفينة والأخرى إلى خوض انتخابات رمزية، يجدد فيها لنفسه أو يبايعه فيها الغالبية المخلصون من شعبه، فهي في بلد أربع سنوات، وفي آخر خمس، وفي ثالث ست أو سبع..حسب نية المواطنين.
-انتخابات رئاسية تعددية جدا، يتنافس فيها مع الرئيس منافسون مرضي عنهم، أو غير مخشي منهم، يشير غالبيتهم أنهم في مشاركتهم يأخذون بخاطر السيد الرئيس حتى لا يشمت فيها الباغضون والحاسدون، أو يسهمون في تطوير حياتهم الديمقراطية ضمن مخطط رئاسي غير معلن سيستمر بحول الله ثلاثمائة سنة على الأقل، رابعها كلبهم..
-نظام يهمين عليه حزب حاكم، هو نفسه الحزب الوحيد السابق لكن بمسمى جديد، يمنح رخصة العمل القانوني لأحزاب لا وجود لها إلا في مكاتب رؤسائها في العاصمة، أسماؤها على حد قول عادل إمام أشبه بquot;المصنع العالمي النووي لرباط الجزم..quot;، وهي أشبه بملحقات للحزب الحاكم مكلفة بلعب دور المعارضة، رغم عدم الحاجة في حقيقة الأمر لهذه المعارضة، لكنها تسهم على أية حال في التقليل من نسب البطالة السياسية، وأحيانا البطالة العائلية، حيث يشترك رئيس الحزب المعارض عادة مع زوجته أو أشقائه أو أصدقائه في إدارة مؤسسات الحزب وتوزيع ما سيحصل عليه من هبات حكومية سخية وفقا لقاعدة quot;جحا أولى بلحم ثورهquot;.
-انتخابات برلمانية و محلية يحرز فيها الحزب الحاكم ما يكفيه من الأغلبية المطلقة التي تمكنه من الهيمنة على مؤسسات الحكم جميعها و تعديل الدستور والقوانين الأساسية إن ظهرت حاجة إلى ذلك، والأهم الحيلولة دون تسلل أعداء النظام من عملاء وخونة مشكوك في أمانتهم ووطنيتهم إلى دولة المؤسسات والقانون والديمقراطية وحقوق الإنسان، أو حتى مجرد إزعاج ولي الأمر بالترشح إلى جانبه أو مزاحمة شيعته. وعموما فإن الانتخابات العربية والحمد لله لم تعد انتخابات التسعات الأربع، حتى لا يعيرنا الغرب الاستعماري أو تنتقدنا المنظمات الدولية والحقوقية التي لا شغل يشغلها غير عرقلة مسيرتنا التنموية العامرة بالانجازات.
-عائلات رئاسية حاكمة مقدسة، حيث ولى زمن الرؤساء العرب المتخلفين المغفلين الذين يعتبرون تكليفهم السلطوي فرديا، فيحتكرون الحكم لأنفسهم ويأمرون نساءهم بأن يقرن في بيوتهن، ويمنعون أبناءهم من إبراز عبقرياتهم الفذة لشعوبهم، فللزعماء العرب الحاليين المتنورين سيدات أول ملهمات أيضا وأبناء نجباء خوارق وأصهار أخيار أفاضل أكثر حرصا على المصالح الوطنية و أشد تأهيلا لتشرب الأفكار والرؤى والإشرقات الرئاسية وأولى بإدارة الاقتصاديات القومية من سواهم، خصوصا و أن الأنظمة السابقة لم تقدرهم حق قدرهم إذ حرمتهم من السلطة والثروة ظلما، وعاد التعويض حقا تاريخيا عليهم، وعدالة ربانية يهبون بموجبها لأنفسهم في إطار مشاريع quot;الخوصصةquot; أو quot;الخصصةquot; ما وسعت عقولهم، و quot;كلو بالقانونquot; كما يقول الإخوة المصريون.
-التوريث أو الجملكة، فالأنظمة العربية متجهة في مجملها ndash; ويا لروعة الوحدة العربية- إلى حالة متشابهة، يورث فيها الأب القائد الزعيم رئيس الجمهورية الإبن أو الأخ أو الصهر أو إبن الأخ أو الأخت، عضو القيادة العليا للحزب الحاكم أو قائد القوات الخاصة أو رئيس الجمعية الخيرية الأولى أو كاتم السر و مدير الديوان، وتفصل فيها العائلة الرئاسية الحاكمة السيناريو السياسي الأفضل لتحقيق الأمنية و ضمان الاستقرار و الحفاظ على الإنجازات، فيما يتولى الكومبارص السياسي الموزع على الحكم والمعارضة عمليات الترويج والتسويق والتوزيع داخليا وخارجيا.
-الاشتغال على إضعاف المعارضات الحقيقية و تحطيم رموزها نفسيا وماديا وإظهارهم بمظهر المتطرفين أو المرضى أو المتعطشين للسلطة أو العملاء للاستعمار والصهيونية، وتشويههم أخلاقيا و إلهائهم بخصومات وقضايا جانبية وتحريض السوقة عليهم، واختلاق المشاكل لهم، و دفعهم إلى مغادرة أوطانهم وتجريدهم من مصداقيتهم الميدانية و تشجيع وسائل الإعلام الموالية للخوض في أعراضهم وبث الدعايات الكاذبة ndash;عفوا الصادقة- عنهم.
-العمل على ربط الثروة بالسلطة وجعل الاغتناء منة نظامية ومنع أي رأسمال مستقل من الحركة والتطور و إغراق المنظمات النقابية و مؤسسات المجتمع المدني في صراعات داخلية و ارتهان وسائل الإعلام المستقلة من منافذ متعددة أهمها احتكار السلطات لآليات منح تراخيص العمل والبث وغيرها، و كذلك مصادر التمويل كعائدات الإعلان والخدمات الخارجية.
-وثمة خصوصيات عربية أخرى مظهرة لتضامن العرب ولله الحمد على توفيقه، كتفشي البطالة و الرشوة والزبونية و انهيار المرافق العامة التعليمية والصحية والتفريط في مؤسسات القطاع العامة الرابحة والخاسرة على السواء في إطار صفقات مشبوهة وتفشي التعذيب وخروقات حقوق الانسان في مراكز الشرطة والسجون و تداعي العقائد الوطنية وتفشي مشاعر اليأس والثقة في المستقبل لدى غالبية الشرائح الشعبية، وخصوصا منها الشباب الذين ما يزال يقال تجاوزا أنهم عماد الغد و أمل الأمة..لكن الحديث قد يطول.
و العرب منصوحون بعد كل هذا بالاستمتاع بخدمة quot;الديمقراطية بالتقسيطquot; التي حرصت جل الأنظمة العربية على تبنيها وتقديمها للشعوب حسب الظروف المحلية، فهي على أية حال أفضل من التسرع في منح هذه الشعوب ديمقراطية حقيقية، قد تقود لا سمح الله إلى الفوضى والفتنة التي هي أشد من القتل، والكل يعرف مدى حرص رؤسائنا المؤيدين بالله على أن لا تغرق بلادنا في الفوضى وأن تسعد بما قسمه الله لها من انجازات لا تنتهي ومشاريع رئاسية لا تفشل..
لكن والدتي حفظها الله وأطال في عمرها ترى ndash; ولا تلوم-، أن رؤساءنا ndash;أطال الله في أعمارهم- يهدرون بعضا من أموال شعوبهم على برلمانات وانتخابات لا حاجة لشعوبهم بها، وأنها كانت تفضل لو أن زعماءنا الأحبة حكمونا هكذا بدون هؤلاء quot;الصلع الذين لا يعرفون من السياسة غير النوم خلال الجلسات وإلقاء خطب المديح المكررة الممجوجة و رفع أيديهم بالموافقة على كل شيء وملأ كروشهم ببوفيهات فنادق الخمسة نجوم المفتوحةquot;.
و هي ترى ndash; أي أمي- أن رؤساءنا لا حاجة لهم إلى حكومة أو وزراء، وأن في مساعديهم ومستشاريهم كل الكفاية، و أن صرف مخصصات الوزراء و الانتخابات بكافة أنواعها والبرلمانات بكافة غرفها ومجالسها المتناسلة ونوابها وأعضائها، بل و مخصصات سائر المؤسسات المفروضة علينا من الغرب الذي يجهل طباعنا الرعوية (من رعية)، أولى على مشاريع قد تساعد في تشغيل أصحاب الشهادات العليا من العاطلين عن العمل منذ عشرات السنين..
ووالدتي معذورة في تفكيرها لأنها للأسف الشديد لم تجد من يساعدها على استيعاب فضائل خدمة الديمقراطية بالتقسيط هذه، التي طورها العرب وتفوقوا فيها على صناعها الأوائل الذين لم تعد تذكر أسماؤهم اليوم في دفاتر التاريخ أو سجلات السياسة، وأنا مقر تمام الإقرار بتقصيري في شرح هذه الفضائل العظيمة، لأنني لم أفلح في دراستي السلطانية ولم أقدر ndash; رغم محاولاتي المتكررة- في أن أكون مواطنا صالحا كما تقتضيه الشرائع العربية، فكلما التزمت ثارت في داخلي جينات المعارضة غير السوية.
ثم يشكك البعض في أن العرب أمة واحدة، و أن رؤساؤهم مخلدون مصانون برعاية الذات العلية، وفوق هذا أشقاء جدا من المحيط الأطلنطي إلى الخليج الفارسي.
* كاتب تونسي