قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من أهم معالم حالة الفوضى التي نعيشها في جميع جوانب حياتنا اختلاط وتداخل المفاهيم، وبالتالي تضاربها وتضاربنا مع بعضنا البعض بناء على ذلك.. وخير نموذج حي لتلك الفوضى وذلك الاختلاط للمفاهيم هو العراق.. ذلك البلد الذي ننتظره نحن دعاة الحداثة في المنطقة، واضعين عليه كبير الأمل في أن يكون نموذجاً لنجاح إنسان منطقة الشرق الكبير، في مغادرة كهوف الزمن المنسي، والتقدم إلى عصرنا الراهن، بكل ما يحفل من اختلافات جذرية عن ماضينا الذي أمسك حتى الآن بتلابيبنا، وتعلقنا نحن باستماتة بأذياله!!
العراق ليس فقط حافلاً بالتنوع العرقي والديني، فالتنوع في المجتمعات الصحية المتحضرة نعمة وليس نقمة، لكنه حافل في نفس الوقت بالفاشيات المتصارعة.. ربما هو قدر العراق وليس فقط موقعه الجغرافي، الذي حتم أن تجتمع فيه كل بلايا المنطقة.. فتكوين العراق بالأساس تكوين قبلي، تسيطر عليه ثقافة القبيلة، ولقد لمست بنفسي مدى اعتزاز الفرد العراقي بانتمائه القبلي، ما قد بدا غريباً على ابن مدينة صناعية مثلي، وهذا لابد شئنا أم أبينا، اعترفنا أو أنكرنا واستنكرنا، أن يكون على حساب استشعار الانتماء الوطني.
قدر العراق أيضاً أن يكون مجاوراً بالمناطق السُنِّية لسوريا، ليصاب منها بعدوى الفاشية العروبية البعثية العفلقية، القائمة على عداء مرير لأعداء وهميين أكثر منهم أعداء حقيقيين، والتي تمكنت منه منذ العام 1968 وحتى تم تحرير العراق في 9 ابريل 2003، لكن هذا التحرير كان من القبضة البوليسية الرهيبة للبعث الصدامي، ولم يكن من الفكر الإيديولوجي الاستقصائي العروبجي، الذي استشعر في هذا التحرير طعنة نافذة في صدره.
كان شيوع الفاشية العروبية في المناطق السنية من العراق، علاوة على سيادة الثقافة القبائلية، عاملاً ممهداً وأساسياً لدفع الأفراد والقبائل والعشائر لاستقبال تنظيم القاعدة فكراً وتنظيماً، للوقوف في وجه التغيير القادم على ظهر دبابات قوات التحالف، فكان ما كان من تحالف دموي راح نتيجته الآلاف من الضحايا العراقيين، حتى كانت الصحوة التي أعادت الأمور إلى نصابها عسكرياً على الأقل، لتعود المناطق السنية ليس للانتماء الوطني، بل إلى انتماء القبيلة الذي لعب دوراً محورياً في الانسلاخ التنظيمي عن القاعدة، وليس هناك حتى الآن ما يمكن رصده، ويشير إلى شفاء تلك المناطق من الفكر الأيديولوجي للإسلام السني السياسي، الذي ربما يشكل الآن مع الانتماء القبلي مزيجاً صلباً مهمشاً وكارهاً ومعادياً للآخر.
هو ذات القدر الجغرافي الذي جعل العراق بكتلته الشيعية مجاوراً لإيران، ليرتبط عضوياً بالإسلام السياسي الشيعي، ذو الأساس العقائدي الديني المتجذر بفضل ما يعرف بمبدأ ولاية الفقيه، والذي لابد وأن نتوقع تشبعه بقدر هائل من المرارات والعداوات، نتيجة للمرحلة الصدامية الرهيبة، تلك التي أججها في المرحلة الأخيرة، جرائم تنظيم القاعدة ضد الشيعة العراقيين، والمنسوبة حقاً أو ظلماً في ذهنية المواطن الشيعي العادي على الأقل إلى مواطنيه السُنَّة!!.. يضاف إلى العداء الهيكلي لمختلف تيارات الإسلام السياسي للغرب، حامل قوافل التغيير إلى العراق، جاء الإسلام السياسي الشيعي محملاً بالموقف السياسي الإيراني من العالم الغربي، ليتخذ موقفاً عدائياً من قوات ومسيرة سياسية تعيد للشيعة تواجدهم الوطني بعد حقب التهميش والمجازر.. هنا تختلط الأوراق، ويتلاقى جيش المهدي مع تنظيم القاعدة بأرض الرافضين في العداء لقوات التحالف، رغم تبادل التفجيرات الانتحارية بينهما في المساجد والحسينيات والأسواق!!
المعضلة العراقية إذن ليست معضلة تنوع أعراق وأديان، فالأكراد عرق مختلف وثقافة متميزة، لكنهم خارج المعادلة الرهيبة التي تفعل فعلها حالياً بالعراق، وهي معادلة تتطاحن فيها الفاشيات التي ذكرناها أعلاه، ليقف باقي مكونات الشعب العراقي موقف المتفرج مما يحدث، أو تطالهم نيران الصراع الدموي، ليكونوا وقوداً وضحايا على مذبح صراع الفاشيات، كما يحدث للمسيحيين المسالمين، الذين ليس لهم في الصراع الدائر ناقة ولا جمل!!
هنا والحالة هذه يكون المطروح الممكن على الساحة السياسية العراقية هو المحاصصة، التي تعني هنا تقسيم كعكة الوطن بين الفئات المتصارعة.. هكذا يتمزق الوطن فعلياً خلال وبناء على عملية التقسيم هذه.. هنا يستوي الأمر في تقسيم أو تمزيق الوطن، إن تم ذلك بفرض أمر واقع عسكري وديموجرافي يؤدي إلى تحويل الوطن لمجموعة كانتونات، أو تم بناء على انتخابات يصوت فيها الناس وفق رؤاهم الفاشية المنغلقة على ذاتها، والتي لا يرى فيها كل فريق إلا ذاته، ولا يرى في الآخرين إلا أعداء، أو منافسين يهددونه بانتقاص نصيبه من الكعكة.. لا يغير من الأمر هكذا ما يطلقه بعض السياسيين من تصريحات أو شعارات جميلة وبراقة عن المواطنة ووحدة الوطن، أولاً لأن هذه التصريحات ليست أكثر من دهان يحاولون به تغطية الجسم الطائفي للثقافة السائدة، والذي بناء عليه جرت عملية الاختيار والتصويت في عملية أخذت من الديموقراطية شكلها دون الجوهر، وثانياً لأن تصريحات أخرى تنفلت من سياسيين آخرين، تفضح الحقيقة القبيحة لتلك التكتلات.. فما أن يبدأ رموز القائمة العراقية يستشعرون قدرة قائمتهم التصويتية، حتى نسمع نعيق بوم ينادي بأن يكون رئيس الجمهورية عربياً، بحجة إعادة الروابط بين العراق والدول العربية!!
الأمر إذن في نظر هؤلاء ليس وحدة وطن كما يدعون، وإلا ما استهدفوا مرشح الأكراد للرئاسة، وهو الرجل الإنسان بمعنى الكلمة، فجلال طالباني بأدائه قد جعل العالم كله يراه ليس ممثلاً للأكراد فقط، ولا حتى ممثلاً للعراقيين فقط، بقدر ما كان ممثلاً للقيم الإنسانية في منطقة هي أحوج ما تكون لاسترجاع قيمها الإنسانية والحضارية!!.. كما أن الأمر بالتأكيد ليس سعياً نحو الدول العربية خدمة لمصالح العراق وشعبه، فهذا القول مضحك إلى حد البكاء!!.. فنحو أي دول عربية يريد هؤلاء السادة أن يتحركوا؟.. نحو محور مصر والسعودية والأردن؟.. أم نحو قطر وسوريا وحماسستان ولبنانستان الضاحية الجنوبية؟.. أم نحو اليمن وليبيا والصومال؟!!
كان هذا عن quot;المحاصصةquot; الدائرة رحى معاركها الآن، بغير ما نهاية مبشرة تبدو في الأفق، أما quot;المشاركةquot; في حكم الوطن وإدارته فهي أمر آخر مختلف تماماً.. في المشاركة نجد الجميع طوائف وأفراداً مشاركون وبفاعلية في إدارة أوطانهم، ويمكن أن يحدث هذا تلقائياً وببساطة، دون إحصاءات وحسابات وتجاذبات، حين تسود ثقافة المواطنة، ويستشعر الجميع انتماءهم لكل شامل هو الوطن، وفي ظل شيوع ثقافة ومعايير حقوق الإنسان.
أما في حالة مثل الحالة العراقية، وبعد عقود من حكم استبدادي فاشي ودموي، ومع غياب تام لثقافة المواطنة، ورواج أيديولوجيات استئصالية كأيديولوجيا العروبة والإسلام السياسي بطبعتيه السنية والشيعية، فإن بناء حالة جديدة ووطن حر وحداثي، قائم على quot;المشاركةquot; وليس quot;المحاصصةquot;، يتطلب تواجد صفوة ذات مستوى أعلى من المستوى السائد للجماهير وقياداتهم التقليدية.. يكاد يكون هذا المطلب أو المطمح هو المستحيل بعينه، إذ كيف نحصل من انتخابات حرة على نواب لا يمثلون الجماهير وثقافتها وميولها؟!!
المهمة التي أمامنا هنا ثقيلة بالفعل، إذ ليست فقط اجتثاث البعث وزبانيته الذين أجرموا في حق الشعب العراقي، بل لدينا أيضاً سماحة السيد مقتدى الصدر وجيش المهدي ومن خلفه الحرس الثوري الإيراني، بذات القدر الذي يحتم مواجهة فدائيي صدام والرفيق عزة ابراهيم وأذرعة هنا وهناك، تماماً كما علينا غلق الأبواب في وجه أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة في أرض الرافدين.. المطلوب مواجهته هنا ليس حاملي السلاح فقط، فالسلاح مهما بلغ عديده أعجز من أن يدفع وطن إلى هاوية التخلف والتمزق.. الخطير هنا هم حاملو الفكر الاستئصالي الفاشي من عامة الناس، والذين يلوكون هذا الفكر سراً وعلانية وكأنه ثوابت ومسلمات.. مشوار الحداثة العراقي الطويل والمرير يبدأ من هنا.. من تواجد صفوة تعمل على تحريك جمود وتخلف ثقافة أهلها وعشيرتها، وليس التقاتل مع نظرائها على اقتسام الوطن، ليتمزق ويتهلهل بين الأيدي الملوثة بالفاشية وبالدماء.
مصر- الإسكندرية
[email protected]