قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ما نعيشه اليوم ليس ربيعاً شرق أوسطياًّ، بل خريفاً قاسياً، هو خريف بارد، قاس وجاف، تتساقط فيه أوراق الأشجار، بعد أن فارقتها الأزهار والثمار، لتبقى عارية قائمة بذاتها منتظرة فصل الربيع الذى لم يأتِ إلى الآن، لقد فرحت تونس ومصر وليبيا، وحاولت معهم اليمن والبحرين، بقيام الثورات التى أطلقوا عليها اسم الربيع العربى، فاختاروا لها أسماء أزهار الربيع، فى تونس لقبوها بثورة الياسمين وفى مصر بثورة اللوتس.

ودون أي مواناة أو كلل أو ملل، قدم البوعزيزى الشاب نفسه محرقة لإشعال ثورة تونس التى سعت للتخلص من حكم ديكتاتور فاشىّ قبع على أنفاسها سنين طوالا، وفى مصر قدم ما يقرب من ألفى شهيد أرواحهم لذات الهدف، وهو الخلاص من نظام فاشى ديكتاتورى وشمولى، ظل جاثماً هو الآخر، على صدور المصريين سنين، وبالطبع ليبيا وفى استبسال منهم قام ثوارها الأحرار أخيراً بخلع عميد الديكتاتوريين العرب من مكانه، وكل ذلك أملاً فى حياة أفضل ومستقبل أبهر، والبحرين حاولت، لكن ما لبثت ثورتها أن خمدت بمساعدة جيش التعاون الخليجى ومؤازرة دول الخليج، لماذا؟ خوفاً من اشتعال نيران الثورة فى بلدانهم غير عالمين بأنَّ تحت رماد تلك الثورة التى أخمدوها، تختبئ جمرات ستشتعل نيراناً، ولن ينجو من سعيرها لا حاكم خان الأمانة ولا ملكٌ ملكَ ظلماً على رؤوس العباد، آسراً وكاسراً كرامة شعبه.

ولكن ما معنى كلمة ثورة، الثورة هى التغيير المفاجئ السريع ذو الأثر البعيد، التغيير الذى يشمل الكيان الاجتماعى بمجمله ويسعى لاقتلاع جذوره القديمة التى تعفنت وبادت، أما هدف الثورة فهو توقيف استمرار الأحوال السيئة القائمة فى المجتمع، والعمل على إعادة تنظيم الدولة وبنائها من جديد، وكل هذا تحت مطلب واحد وهو الأفضل والأحسن، مطلب تطلقه الثورة فى شعاراتها وتسعى بجنون إليه، شعارات كالحرية والمساواة والعدالة من أجل حياة أفضل، قامت الثورات فى منطقتنا، فهل أصابت فى مسعاها أم خابت، ياااه ما كل ما يتمناه المرء يدركه، وما حدث فى الواقع أمر آخر، ثورات مصر وتونس وليبيا لم يكن نتاجها ما هو أفضل، بل ما هو أسوأ، وما هو أشر، وما هو أعنف، وما هو أقذر.

ثورات مصر وتونس وليبيا، أنتجت عورات، وأنتجت عاهات، وأخرجت رؤوس الأفاعى دعاة التخلف والتأخر من جحورها، لو تأملنا فى تونس لوجدنا أنه وبعد اكتساح حزب النهضة الإسلامى، تحولت جامعاتها إلى ساحات حرب وتمكن أعضاء laquo;الأمر بالمعروف والنهى عن المنكرraquo; من القيام باضطهاد منظم وسب علنى لأعضاء التدريس، فمن صوت ليبرالى كان يشدو دائماً بالحرية والحق والجمال، تحولت الدكتورة أمل كرامى إلى صوت مضطهد يشكو من تلاميذه ومن سبابهم العلنى البذىء لها، لماذا؟ لكونها ليبرالية.

وبالطبع ناهيك عن مصر، وعما فعله الإسلاميون فيها، يقولون بأنَّ أصوات ناخبى حزبى النور والحرية والعدالة حصدت أكبر نسب الانتخاب laquo;60 بالمائةraquo;، ولم لا؟ طالما أنَّ الغش والخداع هى أدوات الانتخاب، ومن الغريب فى الأمر، أنَّ اشتراك الأحزاب الدينية فى السياسة، جاء أصلاً بهدف نبيل، بهدف تقديم الدين بأفضل صورة له، لكن ولأن المكر والكر والفر والخداع، لعبة صناع الحروب والغزوات، خلع الدينيون أثواب الدين، وغيروا أقنعة الإيمان بأقنعة المكر والدهاء، مستغلين جوع الفقراء، ساعين لسد رمقهم ولو للحيظات برشوات منها ما هو مقنع ومنها ما هو واضح وصريح، تارة خمسون جنيهاً، وطوراً كيلو لحم وحقيبة أرز ومكرونة، وزيادة فى الدين والدينونة على رؤوس العباد، جاء بعض فقهائهم ليهدد السياح القادمين إلى مصر بمعركة الشرف ضد المايوه، وبطمس آثار مصر الفرعونية الكافرة، وبنفى الأقباط إلى بلاد الواق واق، وبقمع الحريات، وتكميم الأفواه.

إذن، أي ربيع هذا؟! لم يعد للربيع العربي وجود، هل يمكنك أن تسمى ما يحدث ربيعاً، إنه خريف، بل جفاف بل تصحر، بل إعصار، إنه تسونامى التخلف، هاج علينا بكل شياطينه وصح المثل الذى يقول، بأن شر البلية ما يضحك، فليبيا التى فعلت كل ما فعلت وقدمت كل ما قدمته من شهداء، للتخلص من ديكتاتور مجنون، أضحت هى الأخرى تحت حكم إسلامى، وهيئة سلطة الأمر بالمعروف التى تبحث فى نفوس البشر وتنهاهم عن المنكر، والنتيجة أنهم بدلوا الديكتاتور الذى كان يتسلط باسمه عليهم، إلى ديكتاتور صار يتسلط باسم الله عليهم، وهكذا ضاع العمر وضاع الجهد يا ولدى، وضاعت دماء الشهداء، وضاعت الثورات.

خلاصة القول: laquo;حين تزال أعلام الوطن، وترفع مكانها لافتات المرشحين، يذهب ربيع الثورات ويأتى خريف الانتخابات، نقايض صناديق الاقتراع بتوابيت الشهداء، ونكتب أسماء المرشحين على أجساد الضحاياraquo; آخر كلام من كلمات يسرى فودة.