(
خلف سياج الحرير
اثنتين اثنتين
في دمشق
ارى لغتي كلها على حبة القمح
مكتوبة بابرة انثى ينقحها حجر الرافدين
دمشق.. تمسك في يديها الان اوراقا بيضا.. كثيرات، تكتب الشعر بمداد من وجع ممض، تكتب حكايتها الجديدة المترعة بالصبر والتجدد، دمشق ترسم على السموات سر احتمالها لتجليات الالم، دمشق.. تشعر بالانتصار، تحس ان الدمشقيين هم عشاقها الاصلاء وهناك اخرون غيرهم، وهؤلاء جميعا ينتظرون ان تمتلك ارادتها وتبتكر الفجر ليفصح عن جلال هيبتها.كل الاخبار الاتية من دمشق تؤكد انها تتشقق خوفا، وطرقاتها معززة بالارتياب، ومواطنوها يدركهم الذعر انى كانوا،كل الانباء الدمشقية تعلن ان البيوت ألتمت على نفسها وانزوت (تبسمل وتحوقل)، وان الحارات ما عادت ابوابها تصطفق الا بقوة الخوف،وأذرعها التي كانت ممدودة ببهجتها انسحبت ومن ثم اندثرت،وهي الان تعاني من حرارة هي بداية الحريق او اشتعاله على قدر كبير من الاسى والوجع، كل الاخبار تنوء بأحزانها التي تعلن الاسلحة التي تكاثرت وانتشرت وحولت المدن البلدات الجميلة الى (مشجب) للسلاح يتكدس حوله الرصاص، ثمة وجع يهتز من قلب دمشق، المدينة التي يعشقها الكثيرون ها هم يتباكون على احتراقها، فيما الشعراء برحوها لكنهم ينظرونها من ثقوب قلوبهم، هناك دخان ترتفع خيوطه لتكون سحبا تغطي الفضاء الجميل لدمشق، الاخبار.. تفوح برائحة الاسى والبكاء والجثث التي تتناثر في الارجاء حيث اعداد القتلى تتزايد، فيما الشوارع المزدهية تخلو، تتناثر فيها الاشباح ويتوزع الخوف على اكتارها، ولا مساحة للغناء ولا مسافة للجمال،وكأنني على البعد اسمع صوت الصبية الحسناء الدمشقية تقول بقلب راجف (الله يهدي بالك يا شام... و يرد عن اهلنا البلاء)، فيما يقول صديق دمشقي لي وكلماته اغرورقت بالدموع : لم تعد دمشق مثلما كانت، لقد خربتها الحرب ودمرتها، اصبحت المدينة تخاف، تلوذ بناسها وهم يلوذون بها، والبكاء على قدر كبير مثل اعداد الخائفين الذين لا يعلمون حينما يأتي الظلام اي شيء سيأخذ، يا صاح.. ليست هنالك من خطوات تطرق الطرقات، والمهاجرون الخائفون اختلطت اصوات هروبهم مع لعلعة الرصاص والهواجس التي تمتليء بها النفوس، والايادي ترتفع مع الاذانات ان يحمي الله دمشق، ان يحمي الله سورية.اذن.. تعال ننظر في فضاء مقهى دمشقي، ونقرأ الملامح على الحيطان التي انسدل على صفحاتها الغم، المقاعد يصفر الوجل على اجسادها،لا شيء غير رجل هرم ينزوي في طرف اخير، لكن المذياع بالقرب منه مشتعل ويطلق ألسنة اللهب، فيما الرجل يهز رأسه كأنه سمع الاغنية الف مرة عسى ان يجد نفسه في حلم ، فيفتح عينيه فيرى الحمامات تطير والطرقات مزهوة بالحركة وصبابا دمشق يغسلن انفاسهن بعطر الياسمين، انه يلتفت الى المذياع المهتز بصوت مارسيل خليفة من شعر كتبه محمود درويش :بقصيدته (هذي دمشقفي دمشق تطير الحمامات........
في دمشق
تسير السماء على الطرقات القديمة
حافية حافية
فما حاجة الشعراء للوحي والوزن
والقافية
........
في دمشق
ينام غزال إلى جانب إمرأة
في سرير الندى
فتخلع فستانها وتغطي به بردى
.......
في دمشق
أرى كيف ينقص ليل دمشق
رويداً رويداً
وكيف تزيد إلاهاتنا واحدة
).لكن دمشق التي تتسع العيون في النظر اليها وتشعر النظرات انها تحتاج الى ترليونات اخرى لتواكب كل هذا الجمال، ما عادت العيون ترى الا هشيما يذوي ودخانا يتصاعد وسكونا تتحرك اشلاؤه في المسافات، خوف.. هنا، وخوف هناك، ولا فضاء الا لعلعت فيه صرخات الرصاص،والخواء يدفع نفسه في الارجاء، وما عليك في تلك اللحظات المتأزمة الا ان تستذكر قول فاضل الخياط : (دمشق.. مدينة شفافة، هوائها عليل وماؤها عذب فرات ومنائرها عالية برشاقة مثيرة ومكتبتها في ذلك الوقت ١٩٩٦ تضم مليون كتاب.. تقع في واد ذي زرع وفير وتحيطها اربعة جبال توفر لها جوا طيبا وضلالا باردة ازقتها ضيقة وحميمة وناسها طيبون ومسالمون واهل دعابة واسواقها بهجة للعين ونزهة للخاطر..عشنا فيها سنة كاملة وكنا نطوف لياليها في الشوارع مع احمد عبد الحسين وشوقي عبد ( اين هو الان) ولنا بالـذات معها صلة رحم...فقد ولدت فيها ابنتي مريم في ليلة صيف على غرفة في السطوح الطليقة النسيمة، حزينون جدا وموجوعون هذه الايام ونحن نرى مدينة القلب دمشق الحبيبة تسيل دماء اهلها الزكية وتخرب بيوتها الانيقة.. يا وجع الخاطر.. اين انت ايها الرب الرحيم).فالامر يتطلب صبرا جميلا، قراءة في عيون الدمشقيات اللواتي ارعب الخوف سويداءهن، ولا مناص اذن من البحث عن نزار قباني للتحدث معه عن دمشق التي اقترب هاجسها من من الفزع وصار مزاجها رماديا، هناك.. بالقرب ذلك البيت العتيق، يشهق صوت نزار قباني )، يقول وفي ولا يدري ما تركته خيول الحرب الصاهلة المخيفة المرعبة بنفوس اهله، لكنه مثل عاشق اغمض عينيه قال : (
إني أحب... وبعض الحب ذباح
أنا الدمشقي
لسال منه عناقيد.. وتفاح
ولو فتحتم شراييني بمديتكم
سمعتم في دمي أصوات من راحوا
زراعة القلب تشفي بعض من عشقوا
وما لقلبي إذا أحببت جراح
مآذن الشام تبكي إذ تعانقني
و للمآذن
للياسمين حقوق في منازلنا...
وقطة البيت تغفو حيث ترتاح
طاحونة البن جزء من طفولتنا
فكيف أنسى ؟ وعطر الهيل فواح
خمسون عاما
فوق المحيط
تقاذفتني بحار لا ضفاف لها..
وطاردتني شياطين وأشباح
هنا جذوري.. هنا قلبي
فكيف أوضح؟ هل في العشق إيضاح؟
هذي دمشق.. وهذي الكأس والراح .. لو شرحتم جسدي .. كالأشجار.. أرواح .. وأجزائي مبعثرة.. .. وما في الأفق مصباح .. هنا لغتي ).الا ان هذا الصوت النزاري المنهمر عشقا لدمشق وهو الغائب عنها ولا يراها ولا يحس بها، الغائب عنها قسرا، لا يمكن ان يتلاشى سماعه دون ان يخفق على اطيافه صوت (فيروز)، كأنه يحاكيه ويتلمس الشجن المكتظ في الخلجات، على ارض الواقع، حيث دمشق لا تعرف النوم والسهر الذي تمارسه عبارة عن اوجاع تصرخ بأعلى صوت، وقد هرب اهلها وغادرها المحبون لها واضطر اللاجؤون اليها ان يبحثوا عن ملاذ اخر ويحملون معهم ذكرياتهم، وفرغت الكثير من امكنتها، ليس هنالك من بقاء، ليس باستطاعة صوت فيروز ان يمنح الاخرين طمأنينة، وان منحها فوقتها قصير، هاتي فيروز ما عندك من تغريد مما كتبه سعيد عقل : (
أشقر أجمل ما شعثت الشمس أو طيرت الريح اللعوب
شعر أغنية قلبي له و جبين كالسنى عال رحيب
أنا ان سألت أي مضني قالت القامة حبيك عجيب
مثلما السهل حبيبي يندري مثلما القمة يعلو و يغيب
و به من بردة تدفاقه و من الحرمون اشراق و طيب
ويحه ذات تلاقينا على سندس الغوطة و الدنيا غروب
قال لي أشياء لا أعرفها كالعصافير تنائي و تؤوب
هز سماني أنا أغنية ليت يدري انه العود الطروب
من بلاد سكرة قال لها تربة ناي و نهر عندليب
و يطيب الحب في تلك الربى مثلما السيف إذا مست يطيب
نسمت من صوب سوريا الجنوب قلت هل المشتهى وافي الحبيب).هنا دمشق.. لا تلبس الان ثوب الحداد، بل انها تلبس ثوب الحزن.. ذلك الدخان، وسوف يذهب عما بعد قليل، نعم، ويتطاير الدخان بعيدا، هنا دمشق التي لن تستكين للاخطاء ولن تستسلم للقساة، صبرها مرير، هي في انتظار المجد دائما، لن تخلد للسواد ولا للظلام، تاريخها يشير الى انها عظيمة، ومهما ارتكب القساة مفاسد على ارضها ومهما اضطهدوها ومهما حاولت المتاهات ان تلفها، ومهما اشاح بوجهه عنها الصفاء فأنها ستعود مزهوة بالجمال والمجد، وعليها ان تلبس قصيدة محمد مهدي الجواهري (دمشق يا جبهة المجد) التي يقول فيها :
(
شَمَمْتُ تُرْبَكِ لا زُلْفى ولا مَلَقاوما وَجَدْتُ إلى لُقْياكِ مُنْعَطَفاً
وسِرْتُ قَصْدَكِ لا خِبّاً، ولا مَذِقاكنتِ الطَّريقَ إلى هاوٍ تُنازِعُهُ
إلاّ إليكِ،ولا أَلْفَيْتُ مُفْتَرَقاوكان قلبي إلى رُؤياكِ باصِرَتي
نفسٌ تَسُدُّ عليهِ دونَها الطُّرُقاشَمَمْتُ تُرْبَكِ أَسْتافُ الصِّبا مَرِحاً
حتى اتَّهَمْتُ عليكِ العينَ والحَدَقاوسِرْتُ قَصْدَكِ لا كالمُشْتَهي بَلَداً
والشَّمْلُ مُؤْتَلِفاً، والعِقْدُ مُؤْتَلِقالكنْ كَمَنْ يَتَشَهّى وَجْهَ مَن عَشِقا)
التعليقات