رسالة التوضيح التي وجهها مسعود البرزاني رئيس اقليم كردستان في صفحته على الفيس بووك حول الوضع الراهن في العراق واقليم كردستان، احتوت على خيبة أمل غير متوقعة، ورسمت افقا سوداويا للمستقبل، وعبرت عن يأس سياسي كبير من خلال دعوته الى تخويل اي شخصية بكل ما يملك من صلاحيات لحل ومعالجة الوضع المتأزم بين بغداد واربيل.

وهذا يعني ان ابواب الخلافات بدأت بالاتساع بين بغداد واربيل، ونوافذ التقارب بينهما بدأت بالانسداد، واخفاق العملية السياسية في العاصمة الاتحادية بين تحالف دولة القانون والقائمة العراقية منذ أكثر من سنتين رمى بظلالها المعتمة على كل الكتل في مجلس النواب والحكومة، ومنظومة العملية السياسية متجهة لانهيار تام، والحكومة الاتحادية الفاسدة منزلقة الى منحدر عميق، وبنيان الدولة العراقية المشلولة مترنح للتفكك، والتصريحات التي تصدر من الاطراف المعنية لا تنقل الحقائق المريرة التي تقبع خلف الكواليس، ولكن حقائق الامور متجهة الى الانهيار.

وبفضل فقدان الحكمة والتعقل في مواقف قادة ائتلاف دولة القانون والقائمة العراقية والتحالف الكردستاني وانتهازية كتلة الصدر، فان الخلاف العراقي بدأ بالامتداد الى اطراف اقليمية، والخلافات الأخيرة التي برزت بين المالكي وعلاوي والبرزاني والصدر سببت تدهورا كبيرا للعلاقات بينهم، ومسار التصعيد الحاصل من قبل بعض الجهات السياسية والأمنية والعسكرية في بغداد تجاه اقليم كردستان لا يبشر بالخير، والمالكي وحكومته التي فقدت شرعية التوافق والشراكة في الحكم مع الكرد والمكون السني، بدأ بفرض سلطة شاملة له ولحزبه على ادارة البلاد وفقا لانفرادية مطلقة تتحكم بكل مفاصل الحكومة والدولة المشلولة لعراق العهد الجديد.

وبسبب التطوارت السياسية العقيمة التي اخذت تسيطر على المشهد العراقي وبسبب توقف زواج المتعة السياسية بين الكتل، فان تذبذب المواقف بين مكونات الكتل النيابية خاصة للتيار الصدري وبعض مكونات قائمة العراقية، أضرت بموقف ومصالح التحالف الكردستاني، ويبدو ان الرئيس مسعود البرزاني لم يحسب لها حسابا دقيقا فخرج من المولد بلا حمص في أول جولة دخل بها لسحب الثقة من رئيس الحكومة نوري المالكي، ونأمل ان لا يؤثر هذا الخروج الخالي على العلاقة الاستراتيجية بين الكرد والشيعة.

والصيف اللاهب في بغداد وجنوب البلاد قد كشف عورة المالكي وحكومته واتضح ان الدولة مشلولة تماما، وان ما تم بناؤه في العراق الجديد طوال تسع سنين من بعد سقوط صنم الاستبداد عام الفين وثلاثة لم تكن الا اوهاما واوراقا زائفة وصفحات فاسدة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الدول، وحال العراقيين من أسوء الى أسوء وهم يعانون من أزمات حياتية خانقة كبيرة متعلقة بالمعيشة والسكن والصحة والبطالة وفي ظل عملية سياسية مسيسة لمجموعات مافوية وعوائل حاكمة متسلطة تتحكم بمقدرات العراق وبالحالة الامنية والاقتصادية والاجتماعية والتجارية للبلاد.

والحالة الكردستانية في ظل حكوماتها المتوالية المحتكرة للحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، شهدت عمرانا واسعا وتحولا نوعيا في خدمات المياه الصالحة للشرب والكهرباء، ولحق بها تطورا في الطرقات والجسور، وتحسنا في التربية والتعليم، وتقدما في الادارة المدنية، ولكن المؤلم ان هذا التحول رافقه منذ اكثر من عقد فساد رهيب للمسؤولين والتجار والاثرياء، حتى باتت مفاصل التجارة والاقتصاد والمال والموارد النفطية والطبيعية مستغلة ومحتكرة ومتحكمة من قبل العائلة الحاكمة للرئيس البرزاني في اربيل ودهوك والرئيس طالباني في السليمانية، بينما الاستحقاقات الانتخابية للكردستانيين لم تنل حقها، وبالأخص الطبقة الفقيرة وشرائح كثيرة من اصحاب الدخل المحدود، و تعاني هذه المجموعات في ظل الظروف الراهنة من هول المعيشة وغول السكن وشبح الصحة ووباء البطالة.

وبهذا الصدد لابد من التأكيد في ظل الوضع الراهن المائل للانهيار بسبب تأزم العملية السياسية وتعقيد الوضع الاقليمي، فان موقف البرزاني وخروجه من مولد سحب الثقة من المالكي بلا حمص بسبب الموقف الانتهازي للتيار الصدري وبعض المكونات المتطفلة للقائمة العراقية، لا يعني نجاح وبروز قوة المالكي ومن يتصور هذا الأمر بهذه الصورة فهو واهم، ومن يرى ضعفا وخفوتا للبرزاني فهو واهم ايضا، لان التفاعلات والتدخلات السياسية والمذهبية والاقليمية المتناقضة مع بعضها متداخلة في المشهد العراقي ومع الوضع الاقليمي للمنطقة.

ولا بد من القول ان ما يجري من تغييرات في المنطقة تذهب باتجاه النفع للكرد في سوريا وتركيا وايران ورئيس الاقليم، ولا شك فان التغييرات المتوقعة لا يرتاح لها رئيس الحكومة الفيدرالية ولا حزبه ولا حليفه الاقليمي ايران التي يسعى نظامها الى انهاء ثورة الشعب السوري ضد حكمه الاستبدادي، وهذا ما دفع بالمالكي الى توسيع الازمات وتصعيدها مع اقليم كردستان، لاسيما وان الفترة الحالية لا تشهد مبادرة وطنية لانفراج الأزمة والخروج منها، ودعوة الرئيس طالباني لعقد المؤتمر الوطني بين كل الاطراف والكتل غير مضمونة ويعتقد البعض انها ذهبت ادراج الرياح.

ولكن مع هذا، فهنالك حاجة قصوى لتبني خارطة طريق للخروج من الواقع المتأزم، وهي تبقى ضمن الاختيارات المفتوحة امام رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس اقليم كردستان، لحل الأزمة وضمان عدم خروج البرزاني من المولد بلا حمص في الجولة القادمة، وهي تنحصر بما يلي:

1.الاتفاق على الاقرار المبدئي لحماية المصالح العليا للعراق وابداء المرونة التامة من قبل الطرفين لحل الخلافات بين الحكومة والتحالف الكردستاني بخصوص القضايا العالقة بين بغداد واربيل.
2.التشديد على تركيز مهام رئيس الحكومة ومكوناتها الوزارية والبرلمان على احياء التوافق والشراكة السياسية لجميع الكتل النيابية لادارة الدولة لحين الدورة المقبلة للانتخابات البرلمانية.
3.القيام بخطوات اعادة الثقة بين التحالف الكردستاني وتحالف دولة القانون، وابرام اتفاق ستراتيجي بين الطرفين لحماية الدولة ورعاية مصالح العراقيين.
4.الاقرار بمطالب المحافظات لتشكيل الأقليم وعدم وقوف المالكي بوجه هذه المطالب.
5.تفعيل المادة (65) من الدستور الدائم والاسراع في تشكيل (مجلس الاتحاد) لوضع العلاقات بين الاقاليم والمحافظات والحكومة الفيدرالية ضمن اطارها الدستوري.
6.معالجة المادة (140) الدستورية وفق سياقاتها الطبيعية لحل قضية كركوك، وترسيخ الحالة القانونية لتطبيع الاوضاع في هذه المدينة المتعددة القوميات، والتعامل بتعقل لتقرير مصيرها.

وفي الختام، لا شك إن اللجوء الى حزمة الافكار الواردة في خارطة الطريق سوف تساعد في تقليص المسافة بين المالكي والبرزاني للجلوس والاتفاق لحل الخلافات لوضع العلاقة بين الاقليم والحكومة الاتحادية على مسارها الدستوري بعيدا عن الخلافات والعقد المستعصية والرؤى الشخصية، وبذلك ستخلق حالة من الاسقرار السياسي ضمن منهاج عمل جديد لمعالجة الخلافات الحاصلة، وهو بدوره سيشكل عامل حاسم لإحداث نقلة نوعية في الثقة المتبادلة للسيطرة على الازمات، ونأمل ان لا يضيع هذا الامل المرتجى للحفاظ على سلامة العراق وشعبه المحب للحرية والانسانية.

ملاحظة: لاطلاع رئيس الاقليم نورد ادناه مقالات منشورة في ايلاف قبل اقل من سنة توقعت الوضع الراهن بكل حضوره واسبابه.

المالكي والانقلاب على الرئيس طالباني

أسباب تراجع دور الكرد في بغداد

المالكي وتساقط اوراق البرزاني وعلاوي

كاتب صحفي ndash; كردستان العراق
[email protected]