كم كنا نتمنى ان يستفيد المعارضون السوريون في استنبول من التجارب المرة لتركيا في مجال الوصول الى الديمقراطية الحقيقية بالرغم من اقاماتهم الطويلة فيها، حيث لم نجد منهم quot; جملة مفيدة quot; تتعلق بمستقبل سوريا الدستوري والحقوقي.

من هنا ايضا يظهر ان المعارضات هي في نفس حالة الطالب ح الذي حصل على علامات الدخول الى كلية الطب وانهم في المستقبل اي بعد ستين عاما من سقوط النظام قد يتمكنون من صياغة دستورديمقراطي، اي الوصول الى مرتبة الطالب خ المزرية وهو على ابوب التخرج ( يرجى العودة الى الجزء الاول ) وهو الوضع اللاديمقراطي الحالي في تركيا، حيث لا تصدر عن زعامات المعارضة السورية الا الكلام المليء بالشعارت والعواطف بسطحية يخجل منها اي فرد مارس السياسة.

الذي يبعث على القلق في المعارضات السورية هو ان الاكثرية الساحقة منهم كانوا اعضاء في احزاب ايديولوجية من يسارية او قومية او اسلامية ولم يؤمنوا يوما واحدا بالديمقراطية ودولة الحقوق وليست لديهم اي تجربة في هذا المضمار وتصرفاتهم واقوالهم هي دلائل قاطعة على النقص الفاضح في الفكر الديمقراطي المعاصر والمستمر في التطور وكأنهم لا يزالون يراوحون مكانهم في التخلف الفكري العائد الى ستينات القرن الماضي.

اذا سقط النظام فاننا سنجد ان صراعا رهيبا سينشب بين الميليشيات الايديولجية اذا لم يتم الاتفاق على دستور يرضى عنه كل السوريين دون استثناء وبالذات في فترة ماقبل زوال النظام، اي في هذه الفترة الزمنية التي نعيشها الآن.

لا ننسى ان عمرالديمقراطية التعددية في سوريا قصير جدا وتنحصر بفترة الاستعمارالفرنسي واربع سنوات بعد الاستقلال في منتصف خمسينات القرن الماضي.

الشيء المثيرللدهشة هو اجماع كل المعارضين، بل حتى السلطة على مفهوم ساذج وهوquot;دولة المواطنةquot; ويفسرون ذلك بـانquot; الكل متساوون في الوطن لا فرق بين الدين والمذهب والعرق....الخ quot;. كلام شعري جميل، ولكن ماهي الآليات والمبادئ التي ستحقق ذلك. هناك فسيفاء سوري واسع الطيف عربي كردي علوي مسيحي درزي....الخ. تركيا رددت نفس الشعارلمدة تسعين عاما وفي العقد الاخير الحالي ادركت الاخطاء و صارت تؤمن بـquot;دولة الحقوقquot; والذي هو اساس اي ديمقراطية حقيقية وهذا الموضوع يحتاج الى المزيد من الوقت وقد نرجع اليه في المستقبل.

انطلاقاً من مبادئ quot; دولة الحقوق quot; صارت الدولة والمواطن والصحافة والاحزاب وكل منظمات المجتمع المدني والنقابات في تركيا تناقش كيفية حل قضايا العلويين جهارا نهارا على الشاشات لازالة الغبن التاريخي الذي لحق بهم وحل قضاياهم من فتح دور العبادة الخاصة (دور العبادة للعلويين تسمى بيوت الجيم وهم لا يذهبون الى الجوامع ) بهم واشراكهم في رئاسة الشؤون الدينية ( التي اعضاؤها ينتمون الى الطائفة السنية حصراً ) المرتبطة برئاسة الوزراء وغيرها من مطالب الديانة العلوية.

اول خطوة في درب دولة الحقوق في تركيا جاءت على لسان السيد اردوغان عندما قال : لقد تركنا سياسة الانكار والتتريك ويقصد انكار وجود الكرد ( كان يُطلق عليهم اتراك الجبال ) بينما يقول رئيس الجمهورية السيد عبد الله غول ان اكبر مشكلة تعاني منها الدولة التركية هي عدم حل القضية الكردية.

كذلك تم انكار حقوق العلويين في تركيا وهذه القضية صارت تُناقشْ منذ سنوات في العلن والاعلام بكل ادواته وعلى كل المستويات كما ورد آنفا. لا ننسى ان الديانة العلوية في تركيا ديانة مستقلة والعلويون هم ليسوا مسلمين. اما علويو سوريا فيسمون بالنصيرية ولا يوجد في تركيا نصيريون الا في لواء الاسكندرون وجوارها.

عودة الى مفهوم دولة المواطنة الفضفاض والخاوي من اي معنى.أليس كل من ينتسب الى دولة ما هو quot; مواطن quot; في تلك الدولة ؟ لا توجد دولة على وجه الارض لا تنادي بالمساواة بين المواطنين بما فيها الانظمة الدكتاتورية. حسب معاييرالمعارضات السورية فان الديمقراطية تسود العالم اجمع حيث ان الجميع يعيشون في quot; دول المواطنة quot; دستوريا......ياللسذاجة والجهل والتسطيح !!. لا يتساءل احد لماذا هناك دول فيدرالية او كونفدراليات او لا مركزيات...الخ، هل هي للزينة ام التسلية ؟

مثل هذه العقلية لا يمكن ان تبني دولة ديمقراطية قطعا وبالتالي دولة الحقوق.دولة الحقوق معناه ان الفرد هو مقدس وليست الدولة كما يظن اصحاب دولة المواطنة. تتشكل الدول ليس بهدف عبادتها كالاصنام وانما لاجل وضع الدولة في خدمة واسعاد وارضاء المواطن الفرد قبل كل شيء.

اذا كانت تركيا قد وصلت الى مناطق نائية على اطراف الريف الديمقراطي، فان الفضل بذلك يعود الى الارتباط الوثيق بالغرب وعضوية الناتو والاتحاد الاوربي وخدماتها الكبيرة للعالم الغربي عندما كانت تلعب دورالشرطي الامين للغرب على حدود السوفيات و كانت القاعدة النووية ضد العالم الشرقي الشيوعي وضد كل الاسلام السياسي وهي الآن تجني ثمن اتعابها المكلفة وذلك لاضطرارها بالقبول البقاء تحت قبضة وهيمنة العسكر حسب قواعد اللعبة ايام الحرب الباردة وتأجلت بذلك كل مشاكلها الداخلية المزمنة حتى اليوم وآن الاوان لحل تلك المعضلات.

التجربة التركية المريرة والعسيرة والغنية بالتجارب تمنح المعارضات و منظمات المجتمع المدني السورية وكل المثقفين والغيورين من ابناء الوطن فرصاً ذهبية لتدارك الامر والاستفادة منها والبدء بالاهتمام بمستقبل البلد لمناقشة المشاريع الدستورية ودولة الحقوق للوصول الى الديمقراطية الحضارية في اقصى سرعة ممكنة بدلا من الانتظار ستين عاما بعد سقوط النظام.

طبيب كردي سوري

[email protected]