10- البشر وكائنات السماء الأخرى في الكون المرئي : معضلة الاعتراف والإنكار

إن عملية غزو واستيطان كواكب المجرة القابلة لاحتضان المخلوقات الحية الذكية والعاقلة المفكرة كالبشر تبدأ بعمليات تمهيدية مثل إرسال مسابير sondes باتجاه النجوم القريبة وكواكبها بغية تحديد المواقع المؤهلة والمناسبة لإسكان البشر سواء كانت كواكب أو أقمار، بشرط سهولة الحصول على الطاقة والمعادن أو المواد الأولية. ومن ثم تأتي الخطوة التالية بإرسال المركبات الفضائية vaisseaux spatiaux وعلى متنها طواقم ملاحية وفرق بشرية من كافة الاختصاصات العلمية ومختلف الأصول العرقية على مدى بضعة أجيال. وبمرور بضعة قرون من الزمن من تأسيس أول مستعمرة بشرية التي سينتشر منها الجنس البشري إلى كافة أنحاء ومناطق مجرتنا درب التبانة وعلى التوالي، فإن كل مجموعة من أصل بشري سوف تتوسع بنفس الأسلوب لتذهب أبعد فأبعد داخل المجرة إلى تنقطع آخر صلة لها بالأرض الأم حيث سوف لن يكون من السهل العودة إليها إلا بعد مرور آلاف وربما ملايين السنين عندما يتحقق تقدم علمي وتكنولوجي يفوق الخيال من شأنه أن يقهر هذه المسافات الرهيبة والعوائق الكونية. وفي خضم رحلاتهم الكونية قد يتصادف مرورهم بالقرب من أجواء أمهم الأرض في المستقبل البعيد جداً حيث يكون مر عليها ملايين السنين من التطور العلمي أيضاً، وربما سيتاح للأجيال البشرية الاطلاع على مستقبل الأرض إذا بقيت على قيد الحياة ولم تدمرها الحروب الكونية والأسلحة الفتاكة التي تتجاوز قدرتها التدميرية قنبلة هيروشيما بملايين المرات.

قدم العالم ورائد الفضاء والجيولوجي والمراقب العلمي في مرصد لوس آلاموس الشهير Los Alamos إريك جونز Eric Jones تقويمات تخيلية افتراضية من خلال برنامج محاكاة متطور جداً في الكومبيوتر بواسطة تطبيق عرف باسم منهجية مونت كارلو meacute;thode monte carlo واتضح له من خلالها أن هناك مواقع كثيرة متناثرة في المجرة على نحو غير منتظم إن لم نقل عشوائي قابلة لاحتضان النوع البشري، وكلما وصل التعداد السكاني والنمو الديموغرافي لإحدى المستعمرات إلى الحد أو المستوى الحرج seuil critique يقوم سكان المستوطنة أو المستعمر البشرية بصنع سفن أو مركبات متطورة لنقل جزء من السكان المتطوعين الى موقع آخر للبدء في تأسيس مستوطنة بشرية جديدة، بعد توفير ثلاث شروط أساسية هي توفر المواقع الملائمة بعد عملية العثور عليها مسبقاً من خلال المسابير غير المأهولة، وحصول التكاثر السكاني الكثيف داخل المستعمرة، وتوفير سرعة السفر والتنقل الهائلة للمركبات والسفن الفضائية. وكانت الفترة التقديرية التي أعطاها الكومبيوتر تقول إن الحضارة التي تسيطر على برنامج السفر والترحال ما بين النجمي تحتاج إلى 30 مليون سنة لبث مستعمراتها في جميع أرجاء المجرة وهي فترة زمنية لا تذكر مقارنة بعمر الكون. فبعد ما يزيد عن القرن أو القرنين من الآن سيكون بوسع البشر العيش في مستوطنات فضائية قريبة من الأرض ومرتبطة بها بشكل أو بآخر وقد تكون على شكل محطات فضائية مأهولة بالسكان وليس ببضعة أفراد من رواد الفضاء وبعد خمسة قرون أو أكثر بقليل سيتمكن البشر من بناء مستوطنات حقيقية تكون بمثابة كواكب اصطناعية صغيرة أو محطات مدن عائمة في الفضاء وليس بالضرورة على سطح كوكب طبيعي صخري أو فوق الأقمار التابعة للكواكب على أن تكون قريبة من مصادر الحياة والطاقة والمياه والمعادن. وبعد مرور 30 مليون سنة سينجح البشر في التنقل والسفر بين الكواكب داخل المجرة ولا ننسى أن شمسنا تعتبر نجمة شابة وهناك نجوم أو شموس أقدم عمراً منها بكثير وتسبقها ببضعة مليارات من السنين وبناء على ذلك يعتقد العلماء أن قد توجد من الناحية النظرية ملايين الحضارات العاقلة وربما وصل البعض منها إلى مستوى علمي وتكنولوجي يتجاوزنا بكثير.

كانت نسبية آينشتين العامة la relativiteacute; geacute;neacute;rale drsquo;Einstein قد فرضت الحدود القصوى التي لا يمكن تجاوزها لسرعة الضوء ولقد تقبل الوسط العلمي هذه المسلمة دون نقاش خاصة بعد التجارب التي أثبتت صحة ثبات سرعة الضوء في كل الاتجاهات ولأن معادلات النسبية العامة أظهرت أن الكتلة Masse لجسم ما تتزايد مع تزايد سرعته وعندما تبلغ سرعة الضوء أي 300000 كلم في الثانية فإن كتلته ستصبح لا نهائية infinie. وهذا يعني أنه يجب أن تتوفر لدينا قوة لا نهائية لتسريع ودفع الكتلة اللانهائية لمركبة فضائية تسير بسرعة الضوء وهذه استحالة بالنسبة للبشر. لذلك جاءت البديهية العلمية الفيزيائية التي تقول لا يوجد شيء يمكنه أن ينتقل بسرعة تفوق سرعة الضوء. إلى جانب أنه لو تمكنا من إجراء اتصال بأسرع من الضوء لبات بوسعنا إرسال رسائل تتجاوز الزمن وتعود إلى الماضي وهو الأمر الذي استغلته روايات وأفلام الخيال العلمي بكثرة. وهنا تبرز أمامنا مفارقة paradoxe causale تتمثل برجل يعود للماضي بفضل سرعة هائلة تتجاوز سرعة الضوء بكثير ويعمل شيئا من شأنه أن يمنع ولادته ومجيئه إلى الحياة كأن يقتل جده أو والده الشاب قبل أن يتزوج وينجبه وبالتالي لن يكون له آب أو لن يتمكن من المجيء إلى الحياة والحال كيف قيض له أن يتواجد في الحاضر ويعبر الزمن إلى الوراء ويعود إلى الماضي الذي سيولد فيه ويمنع ولادته؟ وهذه هي المفارقة المستحيلة لكن فيزياء الجسيمات physique des particules أوضحت أن الفوتونات photons تنتقل بسرعة الضوء دون أن تصبح كتلتها لا نهائية لأنها بدون كتلة، وبالتالي فإن التحليل المعمق والدقيق والصارم للنظرية النسبية أظهر أنه من الناحية النظرية ليس هناك ما يمنع أن يسير جسيم ما بسرعة تفوق سرعة الضوء شرط أن تبقى سرعة التنقل أعلى من سرعة الضوء، فكما أن الفوتون ينتقل بسرعة الضوء وهو جسيم فإن هناك جسيمات افتراضية أخرى لا نعرفها يمكنها الانتقال بسرعة تفوق سرعة الضوء وأطلق عليها إسم التاكيونات tachyons حسب عالم الفيزياء جيرالد فينبيرغ Gerald Feinberg مما يعني إمكانية وجود عالمين متميزين deux monde distincts وهما عالمنا الطبيعي المادي الفيزيائي الذي لا تتجاوز الجسيمات فيه سرعة الضوء، وعالم التاكيونات حيث كل شيء يتنقل بسرعة تفوق سرعة الضوء ويترتب على ذلك أن تتوفر قوة لانهائية لتسريع الأشياء العادية لكي تتجاوز سرعة الضوء وتنتقل إلى العالم الآخر وقوة لا نهائية لكبح السرعة لكي تبطيء سرعة التاكيونات حتى تصبح جسيمات طبيعية تسير بسرعة أدنى من سرعة الضوء إذ أن سرعة الضوء هي الحد المطلق بالاتجاهين الأعلى والأدنى حسب جيرالد فينبيرغ.

لذلك لا يوجد ما يمنع منطقياً وجود جسيمات مثل التاكيونات رغم غياب الدليل العلمي والمختبري التجريبي الذي يثبت وجودها. ولكن يمكن في المستقبل، مع تطور آلات وأجهزة الرصد والقياس وتطور مسرعات ومصادمات الجسيمات أن يتم اكتشاف مثل هذه الجسيمات مثلما اكتشفنا بوزونات هيغز سنة 2012 في مصادم ومسرع الجسيمات في سيرن بعد افتراض وجودها نظرياً قبل أكثر من نصف قرن. ومن هنا يفترض العلماء أننا يمكن أن نجري اتصالات مع حضارات فضائية عاقلة ومتطورة في أي مكان في المجرة وبصورة آنية باستخدام التاكيونات كوسيلة للاتصالات بدلا من الموجات الراديوية ondes radio المستخدمة حاليا في حال اكتشاف وجود جسيمات التاكيونات. فوسائلنا الحالية بدائية في مجال الاتصالات الكونية كما لو إننا نريد الاتصال الفوري بين جميع مناطق أوروبا وأمريكيا الشمالية والجنوبية وتخوم آسيا بواسطة الحمام الزاجل والحال انه لا يوجد اليوم من ينتظر أو يترقب وصول رسالة له بهذه الطريقة لذلك لا توجد حضارة كونية فضائية متطورة علمياً تستخدم وسيلة الموجات الراديوية للاتصال بالحضارات الفضائية الأخرى.

أمام البشرية خيارين لا ثالث لهما: الأول أن تصل إلى معدل توازن صارم ومبرمج يحافظ على مستوى معين من التعداد السكاني للبشرية على سطح الأرض يتناسب مع قدرة وقابلية الكوكب على الاستيعاب ويكون هناك توازن مدروس بدقة متناهية بين عدد الولادات والوفيات يستمر حتى استنفاذ شمسنا لطاقتها وانطفاؤها بعد بضعة مليارات من السنين عندها سيهلك كوكب الأرض لأن مصيره مرتبط بمصير الشمس التي تمده بالحياة والطاقة، وهذه عملية شبه مستحيلة نظرا للتنوع والتباين البشري والثقافي بين سكان المعمورة. أو أن يتمكن البشر من عملية الهجرة والتوسع والاستيطان داخل المجرة وربما فيما بعد في المجرات الأخرى القريبة والبعيدة. وبعد كشف خريطة الجينوم البشري وفك كودات أو شيفرات الجينات الوراثية الــ ADN أو les codes des structures geacute;neacute;tiques قد يتوصل البشر إلى تعديل وتحسين أنفسهم وراثيا والتمكن من عمليات الاستنساخ والقضاء على الأمراض الفتاكة وترميم الخلايا التالفة وتجديدها بدلا من تعديل نمط حياتهم الحالي. ولكن لو قرر أحفادنا بعد ملايين السنين وملايين الأجيال تبني الخيار الثاني وزيارة الكواكب والنجوم والمجرات الأخرى عندها سوف يتعين عليهم إيجاد السبل الملائمة لتنفيذ هذا الخيار وتأمين وسائل النقل الضرورية لذلك لأن السفن الفضائية المستقبلية مهما كانت متطورة فسوف لن تكون كافية حتى لو بلغت سرعة قريبة من سرعة الضوء إلا أنها لن تتمكن أكثر من زيارة نجوم قريبة لشمسنا في المجرة تبعد بضعة سنوات ضوئية عنا تتراوح بين 5 و 10 سنوات ضوئية لا أكثر وإذا لم تبلغ السفن الفضائية البشرية سرعة قريبة من سرعة الضوء فعليها أن تستغرق قرن كامل من الزمن لقطع مسافة 5 سنوات ضوئية أما إذا تعدى الأمر ذلك وتعلق بنجوم داخل المجرة تبعد ملايين السنوات الضوئية أو نجوم في مجرات أخرى تبعد مليارات السنين الضوئية عندها ندخل دائرة المستحيل. فأقرب مجرة لنا تتواجد على بعد مليوني سنة ضوئية ولو سافرت المركبة الفضائية البشرية بسرعة تصل إلى عشر سرعة الضوء فإنها سوف تحتاج إلى أكثر من 20 مليون سنة لتبلغ أطراف أقرب مجرة لنا في الفضاء الفاصل بين مجرتين في رحلة ذهاب فقط والحال أن الفراغ القائم بين المجرات لا تتواجد فيه مصادر للطاقة وبالتالي إذا لم يقهر البشر سرعة الضوء فمن المستحيل عليهم حتى بعد مليارات السنين الخروج من مجرة درب التبانة la voie lacteacute;e لذلك تساءل بعض العلماء بجرأة هل الرقم الذي يحدد سرعة الضوء 300000 كلم في الثانية قدري محتوم ومطلق أم نسبي؟ علما إن التجارب أثبتت صحة المسلمة العلمية التي تقول أن الكتلة تزداد بتناسب طردي مع تزايد سرعة الجسم ولا أحد يستطيع أن يعترض على نسبية آينشتين العامة.

فما أن تلفظ مفردة سرعة الضوء في نطاق علم الفيزياء بالطبع حتى تأتيك أصوات الآخرين بقوة تنهرك بألا تقترب أكثر فأنت في المحراب المقدس. ويعلو صوت العلماء الآخرين يصرخ لا شيء أبداً أبداً يمكن أن يكون أسرع من سرعة الضوء. إلى جانب أن آينشتين كبلنا بمسلمة أخرى تقول أن الضوء ينتقل بسرعة واحد فقط هي التي نعرفها والتي قسناها عبر مختلف التجارب العلمية. إلا أن فرضية جديدة خرجت قبل عشرة أعوام من جامعة كمبردج على يد العالم جواوو ماغويجو Joao Magueijo تقول أن الضوء قد انتقل فيما مضى من الزمان بسرعة أكبر من سرعته الحالية المعروفة والثابتة على الرقم 300000 كلم في الثانية وذلك في البدايات المبكرة من نشأة الكون المرئي الوليد أو الفتي وقد أعلن ذلك في كتاب مهم تحت عنوان أسرع من سرعة الضوء.

غالباً ما يجري البحث في الأفكار الجديدة، ليس من خلال النتائج المستمدة من التجارب العلمية والمختبرية والحسابات الرياضياتية وعمليات المحاكاة الكومبيوترية، بل وايضاً عن طريق التأمل والافتراض والحدس والظن وخرق المألوف والمسلمات السائدة حتى وإن لم تكن الأفكار موضع الدراسة والتأمل لا تستند على عمل تجريبي منهجي مقرون بمعادلات رياضياتية وحسابية رصينة. وغالباً ما تبدأ العلمية بمجرد خواطر تداعب الذهن انطلاقاً من خلفية متينة من المعلومات العامة في الفيزياء النظرية. وهناك محاولات لا زالت تستوعب مثل هذه الطرق التأملية كمسألة التوسع الكوني الانفجاري المفاجئ المعروف باسم التضخم inflation والذي كان في بدايته حدسي ثم تم إثباته قبل أيام في منتصف عام 2013 بعد تحليل نتائج رصد وتصوير الفضاء الخارجي بواسطة التلسكوب الفضائي بلانك الذي رصد الخلفية الضوئية الماكروية المنتشرة في الكون المرئي عند اللحظات الأولى للانفجار العظيم البغ بانغ Big Bang وما بعدها بقليل حوالي 380000 سنة تقريباً،اثبت صحة فرضية التضخم. والحال إن نظرية التوسع الانفجاري المفاجئ أو التضخم الانفجاري كان قد افترضها واقترحها العالم آلان غوث Alan Guth من معهد ماسوشوسيت للتكنولوجيا MIT وهي النظرية التي تقضي بأن الكون المرئي كان قد توسع وتضخم فجأة في مراحل نشأته الأولى بسرعة أكبر بما لا يقاس من سرعة توسعه الحالية وهي سرعة تفوق سرعة الضوء الحالية بكثير وهو ما يفسر حجمه المهول الحالي بعد تمدده تمدداً انفجارياً بأسرع من الضوء بكثير. ولو تم إثبات هذه الفرضية العلمية فسوف تفتح أبواب كثيرة أمام العلم والعلماء في مجال الترحال والتنقل ما بين النجوم والمجرات. ففي الوقت الحاضر هناك عقبة تمنع البشرية من الانتقال الى ما وراء النظام الشمسي وهي عقبة سرعة الضوء وبالتالي لا بد من وجود وسيلة تلتف على هذه العقبة وتتجاوزها ولكن ليس بصنع سفن ومركبات تتسارع حتى تبلغ سرعة الضوء أو قريباً منها إزاء استحالة تجاوز سرعة الضوء في الوقت الحاضر، لأن ذلك سيشكل خرقاً لقوانين الفيزياء الكلاسيكية وهنا يتوجب علينا فهم واستيعاب النسيج الفضائي ومعرفة ماهية المكان والزمان وإدراك حقيقة ما يسمى بأقصى الفضاء أو الهيبرسبيس Hyperspace والتمكن من طوي أو انبعاج النسيج الفضائي أو شيء من هذا القبيل مثل اختراق الثقوب السوداء بعد تعطيل جاذبيتها أو ثقالتها المهولة والخروج من أطرافها الأخرى المطلة على أكوان أخرى وعوالم أخرى أو استخدام الثقوب أو الأنفاق الدودية سواء الطبيعية أو الصناعية للسفر والتنقل واختصار المسافات. ولتقريب الصورة لذهن القاري لنتخيل الفضاء عبارة عن سطح ورقة ذو بعدين وعلى طرفي الصفحة الورقية نقطتين أ و ب A et B وإن المسافة بينهم وهي عبارة عن خط يربطهما تحتاج لساعتين ولن لو طوينا الورقة وأوصلنا النقطة أ A بالنقطة ب B دون الحاجة للسير على طول الخط الرابط بينهما فسوف تتقلص المدة الزمنية من ساعتين إلى ثانيتين وربما اقل على أن يتم الانتقال عبر بعد ثالث وليس بعدين فالجسم الموجود على النقطة A سيختفي فجأة ويظهر فجأة بسرعة فائقة في النقطة B دون الحاجة للمرور عبر الخط الفاصل بينهما وهو ممر من نوع البعد الرابع المكاني وليس الزماني. يتبع

[email protected]