قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عندما يقترب الوقت من منتصف الليل أشعر بلهفة ورهبة وقلق، توقع، أشعر أنني على أعتاب مدينة جديدة طولها عام كامل وعرضها شهوره وعمقها مشاعر تولد بداخله، أفتح نوافذي وأبوابي وتزدحم بداخلي الأمنيات.
في استقبالي لعام جديد أظل مشغولة بتهذيب حدائقي وتعبيد طرقي وتنقية أجوائي والحفاظ على نقاء بحاري ومحيطاتي، هكذا أنا دائما، أحاول أن أصنع من كل لقاء عيدا، وأطلق زغاريد فرحتي وفراشات توقعاتي الملونة.
عندما يتعانق عقربا الساعة لا يفض اشتباكهما إلا تأملاتي أذكر سندريللا وأتساءل هل لابد أن نفيق من أحلامنا؟
وأجد نفسي تتمطى بداخلي على مقعدها الوثير تسألني في خبث:quot;هل لا زال عندك رصيد من الأحلام؟ ألا تقدرين حجم خسائرك؟ quot;فأرد بصوت خفيض أنا عاشقة تجوب بلاد الدنيا برسالة واحدة يفهمها كل البشر، حتى الاطفال، حتى النواقيس المعلقة، يفهمها العصفور فيتخذ من كفي مهدا يدفئه، تستوعبها الأشجار فترخي ضفائرها حضنا يحتويني، رسالة رقيقة أوراقها بحجم هزائمي وانتصاراتي، ولا تحمل إلا حرفين، حاء وباء، لا أملك إلا هذه الرسالة، أتجول بها في جرابي، وأنثر أوراقها تماما مثلما يفعل بابا نويل ليسعد الصغار.
لا أملك وعودا براقة ولا بللورة مسحورة، ولا شموسا ذهبية أو أقمارا ماسية، لا أملك إلا هذه الرسالة ذات الحرفين. أتجول وحدي داخل عام جديد أحمل كل ما املك، أجر خلفي كلماتي وأشواقي، وأحمل فوق كتفي كل أحلام السنين، عطائي منقوع في الحب، وغضبي مغسول بالسماح.
أهدهد هزائمي وأغني لها حتى تنام في هدوء.
أروض مشاعر سلبية تحاول التسلل والدخول لمياهي الإقليمية، أستقبلها، أرحب بها، أعد لها القهوة وأصنع لها الفطائر، أهديها وشاحي حتى تدفئ صقيعها، لترحل في هدوء.
كثيرا ما يحاول الشر الإنساني إستدراجي لأصبح مواطنة في مملكته القاتمة. إستعار أثوابا كثيرة، مرة يأتيني في شكل صداقة زائفة تسير على قدمين من مصلحة وأنانية، ومرة يفد في هيئة خيانة ممن لا نتوقع خيانتهم، ومرة يحضر في ثوب زمالةتستعر بنار منافسة حاقدة.
في كل مرة أشفق عليه رغم غضبي، أصاحبه لفترة أكتشف خلالها كنهه وحقيقته، مرات كثيرة حاولت مصادقته،quot; فلا مانع من مصادقة الذئاب على أن يكون فأسك مستعداquot; كلمة قرأتها وأعجبتني. كنت في عمر الزهور والبراءة أتصور أن الحب يهزم الشر ويصرعه، لكنني على نار التجارب نضجت وتعلمت أن الشر يظل شرا، ولن تجدي كل طقوس التوبة في تطهيره، ولن تكفيه كل بحور العالم، ومحيطاته ليكمل وضوءه.
تعلمت أيضا أن شرور النفس فن لا يجيده الكثيرون، لذلك قررت أن أعامله برفق كله الحذر، فأنا أخلع عنه قناعه بهدوء شديد، وآخذه من يده، أقلم أظافره، وأصفف له شعره، وأعطيه ثمن التذكرة ليسافر، ليرحل بعيدا، بعيدا عن مدني النظيفة.
كثيرا ما كنت أري قلوبا جميلة تصيبها سهام الغيرة، واذا ما تركت هذه المشاعر بدون تهذيب أثمرت حقدا وغدرا في كثير من الأحيان، هذه المشاعر تطلق جراثيمها بين دروب النفس فتحدث العدوى القاتلة، وتدمر الأخضر واليابس بداخلنا، لذلك تعلمت أن أعتني بقلبي وأرفع قدرته على المقاومة، تعلمت فن المناعة، والمناعة لا تأتي إلا عن طريق الحب.
كاذبون من يطلقون إتهاماتهم بأن الحب قد انتحر وينفقون الوقت في كتابة برقيات عزاء، فالحب لا يمارس إنتحاره إلا إذا استقلنا نحن من مشاعرنا، إلا إذا شنقنا عواطفنا وسممنا أحاسيسنا الجميلة وأغرقنا أشواقنا وأطلقنا الرصاص على قلوبنا
الحب لا يأخذ كيانه إلا بنا نحن، فحبنا هو الطفل الشرعي لقلوبنا، يرث قسماتها ويكتسب عاداتها ولا قيمة لحب لا يجد قلبا قادرا على استيعابه.
ولا أزال رغم كل هذه السنين أواصل معاركي من أجل منطقتي الخضراء
فكلنا نولد أبرياء إلي أن تجبرنا الظروف على تغيير إنتماءاتنا وتبديل جلودنا
الرابح من فهم اللعبة واستوعبها وكان كفاحه الأكبر من أجل منطقته الخضراء، مساحة البراءة التي تسكنه، مدينة الأحلام التي تستوطن مسام جسده
الرابح من يحتفظ بقلبه طفلا بريئا لا تعرف تجاعيد الزمن سبيلها إليه، ولا تزور مشاعره الغضون..
الرابح من ينجو بقلبه في معركة الحياة الشرسة..
ومع بداية عام جديد، أظل أحسب خسائري وأرباحي..
في معاركي لا أحسب كم سأخسر، لكنني أحسبها هكذا: من سأخسر؟
فالإنسان هو فوزنا الأكبر..
(*) كاتبة وصحفية مصرية