قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بداية دعونا نتعرف على سوق هرج لكي ندخل القارئ معنا في متعة الهرج والمرج في هذه الأسواق التي تنتشر في معظم عواصم الشرق الأوسط والعربية منها تحديدا، واهم ما يميز هذه الأسواق إنها في معظمها خارج كل معايير العمل المعروفة في الأسواق التجارية، فهي لا تعتمد مقاييس السيطرة والنوعية ولا نظام تسعيراتها أو أسلوب عرضها، بقدر اعتمادها على الدعاية لها وكيفية الإعلان ومغنطة المشتري الغلبان والهارب من ارتفاع الأسعار أو نظافة جيوبه من الأموال، حيث تستخدم كل الوسائل لإقناعه بالشراء مغرية إياه بأبخس الاثمان، كونها تنافس البضائع الأصلية إن لم تك نسخة منها، معولين رخص أثمانها إلى كونها معفية من الضرائب وإيجارات المحلات وكون بضاعتها مستخدمة قليلا وهي ما تعرف بالمستخدم النظيف أو الجديد.

 أردت بهذه الأسطر القليلة أن افتح لقارئي العزيز نافدة على كثير وسائل الإعلام الحالية في دول الربيع الأحمر التي يفترض أنها تعيش بدايات انتقالها إلى عصر الديمقراطية وحرية التعبير، حيث انتشرت آلاف من تلك الوسائل المفترض أنها وسائل ومنابر إعلامية تعبر عن الرأي، حيث فار تنورها وغدت سيولا من الصحف والمجلات والفضائيات التي لا تختلف عن دلالي سوق هرج الذين يعلنون عن بضائعهم البائرة كما وصفناهم في سطورنا الأولى، حيث أصبح بين ليلة وضحاها كل من هب ودب صاحب وسيلة إعلام أو إعلامي أو كاتب أو صحفي لمجرد امتلاكه رأس مال أو مفتاح قوة أو حيلة رزق أو سلم للتسلق أو منبر للبذاءة والسفاهة، وفي كل هذه الصور لا يمت بأي صلة لا بالإعلام ولا بالصحافة ولا بفن الكتابة!

 ولكي تكتمل الصورة في مشهد سوق هرج الإعلامي فقد أضافت وسائل الاتصال الاجتماعي الجديدة في الفيس بوك والتويتر وغيرها، نوافذ معفية من الضرائب والتكلفة والضمير ورقابة الأخلاق أيضا لمئات أو ربما آلاف الصفحات الوهمية بأسمائها، وخاصة تلك التي كشفت عنها بعض التسريبات كواحدة من قضايا الفساد الإعلامي والدعائي الذي كان مارسه مكتب رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وذلك بتعيين عدد مهول من إعلاميي الكواليس الشتامين والنبازين والملاقين، للعمل في صفحات الفيس بوك والتويتر، إلى جانب عشرات الصحف والفضائيات التي ولدت من حمل ملوث جاء نتيجة خطيئة من أموال قذرة تكومت من عمولات في الأيام الأولى للاحتلال وذلك لتقديم خدمات ( كرسونية ) أو صفقات وسخة من مشاريع وهمية وقومسيونات لا تقل قذارة عن أي مهنة مهينة للكرامة الإنسانية، حيث ظهرت العديد من تلك الصحف والإذاعات والفضائيات من أسواق شبيهة بأسواق هرج التي تعج فيها بضائع لا يعرف لها أصل ولا فصل، أصبحت تسيطر اليوم على اتجاهات الرأي والمزاج العام للأهالي في بلدان أتخمتها الشعارات الكاذبة والمبادئ الغرائزية التي أنتجت ثقافة الذبح والسبي الداعشي المنتشر اليوم في معظم بلدان ما يسمى بالتسامح الديني والقومي!؟ 

 وفي ضل غياب مؤسسة عليا تنظم وجود ونشاط ومجالات عمل هذه الوسائل بقوانين صارمة ومعايير مهنية متحضرة، مؤسسة يقتنع الجميع بأنها تمثل الشعب وليس الحكومة أو رئيسها أو حزبها القائد لكي تستمد شرعيتها واحترامها من تمثيلها الحقيقي لمكونات الأهالي، وحتى ظهور هكذا مؤسسة فلن نستغرب وخاصة في زمننا الحالي حيث الأزمات والصراعات العنيفة ظهور عصابات ومنظمات إرهابية جديدة ولكن على مسرح الانترنيت ووسائله الافتراضية، وأنماط من البطولات الكارتونية وخاصة على صفحات نوافذه الاجتماعية مثل الفيس بوك والتويتر وغيرهما، حيث يستل هؤلاء الأبطال المفترضين رؤوس أصابعهم بدلا من السيوف في ضربات الكيبورد، ليقاتلوا كل من يختلف معهم في الرأي والفكر من عباد الله شتما أو مدحا، بل ليس بالضرورة من يختلف معهم على اعتبار إن الكثير منهم لا فكر لهم ولا رأي لكونهم موجهون كالأدوات والألعاب الآلية بواسطة الريمونت كونترول.

 إن داعش انتشرت في بيئة البداوة والتخلف والفقر والأمية الأبجدية والحضارية والشعور بالنقص والاضطهاد، وهذا النوع من الإعلام ينتشر في بيئة ملوثة بالفساد المالي والأخلاقي والمهني! 

 

[email protected]