أعترف أن القارئ الكريم، قد يمل من عودتنا مراراً وتكراراً، إلى الحديث عما يصح تسميته "فيروس نظرية المؤامرة"، المتفشي بين شعوب منطقة الشرق الأوسط، عامة ونخبة على حد سواء. نعرف أيضاً أن حديثنا هذا، قد يستفز البعض ويستثير غضبه، باعتباره مجرد دفاع عن سياسات العالم الغربي، التي تستهدف مص دماء الشعوب، وتفتيتها وبث الفتن والقلاقل فيها، لتظل تحت رحمته وهيمنته.
ولأن الأمر غير هذا تماماً، ولأننا لا نستهدف إلا وضع أيدينا على أصل الداء الحقيقي، الذي يجعل شعوبنا في مؤخرة دول العالم، من حيث التحضر والاستقرار. ولأن التشخيص الصحيح لأي داء، هو المقدمة الضرورية، للوصول إلى دواء وعلاج. فإننا لا نرى مناصاً من مقاربة الأمر مرات بلا حصر ولا تحديد، حتى يشاء القدر أو شعوبنا، أن تغادر كهوف الغيبوبة اللذيذة الممتعة، لتخرج إلى نور الشمس والهواء النقي، لترى نفسها والعالم، كما هو في الحقيقة، وليس من خلال أوهام وخيالات سقيمة.
مريح هو ورائع، تصور أننا كنا "أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة"، كما يقول شعار "حزب البعث العربي الاشتراكي"، ذلك الحزب الذي لعب دوراً محورياً في النصف قرن الأخير، في إفشال أي جهد كان من الممكن بذله، لتطوير وتحديث المنطقة، عبر تأسيس دولة وطنية حديثة. ممتع أيضاً اختصار أسباب حالتنا المتردية، في أن الاستعمار وأعداء الإسلام قد تآمروا علينا، وقسموا بلادنا إلى دول مختلفة، في "اتفاقية سايكس بيكو". يقول هذا من لم يكلفوا أنفسهم الاطلاع على نص الاتفاقية، ليروا إن كانت هي التي صنعت هذه التقسيمات بالفعل، أم أنها لم تتعرض لمثل هذا الأمر من الأساس. مريح أيضاً النظر لما يحدث الآن من انهيارات، للكيانات التي حكمتها أنظمة ثورية عروبية واشتراكية، قامت باضطهاد شعوبها، وتبديد ثرواتها في مغامرات حمقاء، وتحولت أنظمتها الجمهورية، إلى ملكيات وراثية ثورية ممسوخة، أن نتصور الأمر باعتبار مؤامرات الغرب، هي التي تستهدف أنظمتنا الماجدة، لتفتيتها إلى دويلات وشيع متناحرة.
هي عبقرية من شعوبنا ونخبتنا، أن يذهبوا هذا المذهب من التصورات والهلاوس. فالحقيقة مرة شديدة المرارة، بحيث لا يتحملها من تربوا على قصائد الفخر والعنتريات، وعلى أننا أمة علمت العالم الحضارة، التي أخذها الغرب عنا، ليرتد علينا بالمؤامرات والاستهداف، فلا تقوم لنا بعدها قائمة. الحقيقة أن أغلب شعوب المنطقة، كانت مجرد قبائل وعشائر بدائية وحشية، تتعيش على الرعي والنهب والسلب (باسم الغزو)، مما يجاورها من قبائل. ثم قامت باكتساح ما يجاورها من حضارات، بالعراق ومصر والشام، فكان أن حولتها إلى خرائب وأطلال. الحقيقة أن ما نسميه ازدراء "الاستعمار"، بذل ما وسعه من جهد، منذ القرن التاسع عشر، لوضع أسس لنظم سياسية مستقرة، تجمع الشتات المبعثر والمتقاتل المتناحر. بداية لتأمين طرق التجارة العالمية مع الهند والشرق الأقصى، وتالياً لتأمين منابع البترول، الذي قام باكتشافه واستخراجه، ويقوم بشرائه، مقابل أن يعطينا ما كان كفيلاً، بتقدم وتحديث شعوب، تمتلك الحد الأدنى من الرغبة والقابلية للتحضر. الحقيقة أن الكيانات التي شكلها "الاستعمار"، من الأشلاء المبعثرة، التي استطاع تجميعها بشق النفس، قد فشلت لأسباب ذاتية. بعضها يرجع لطبيعة إنسان المنطقة، وبعضها لنوعية الأفكار والأيديولوجيات السائدة، وبعضها نتيجة لنمط الحياة وكسب العيش، الذي فشلنا في تطويره، بما يناسب دولة وطنية حديثة. فشلت هذه النظم في التحول من حالتها العشائرية الطائفية البدائية، باتجاه بناء أوطان حديثة، تحترم فيها حقوق وإنسانية كل من تضمهم هذه الكيانات. الحقيقة هي أن ما يحدث الآن، ليس مؤامرة لتقسيم كيانات جديرة بالحياة، ولكنها الردة إلى البدائية الأولى، لتثبت شعوب المنطقة، أنها عسيرة على التحضر، وممانعة للتقدم والحداثة.
لا يحتاج المثقفون والمتثاقفون العرب، لأكثر من بعض من الإخلاص، وبعض من قراءة تاريخ المنطقة، هذا إن أرادوا أن يكونوا بالنسبة لأوطانهم وشعوبهم، ليس أداة هدم وتغييب وتضليل، لكن مرشدون وحملة مشاعل تنوير، تساعد شعوبنا على أن ترى العالم المعاصر كما هو بالفعل، وليس كما يشاء الهوى، أو الارتزاق بالشعارات، في معية أو مواجهة حكام، فاقدي الرؤية والشرعية الموضوعية، ممن يستندون في بقائهم إلى فوبيا الاستهداف.
الغريب الوحيد في الأمر هنا، أن ينساق الشعب المصري، عامة ونخبة، إلى من يستدرجونه ليدرجونه، وهو صاحب الحضارة العريقة، والبلد الموحد الأقدم في العالم، ضمن هذا الشتات والتشرذم العربي (إن صحت التسمية). فمصر أمة موحدة منذ فجر التاريخ، ولا أحد في العالم يتصورها غير ذلك. وما مؤامرات تقسيمها إلا هلاوس منافقين ومرتزقة وسذج. ستظل مصر موحدة، لكن مريضة وكسيحة، حتى ينتبه شعبها، لانتهاء صلاحية أفكاره ومفاهيمه، ومجمل عاداته وتقاليده ونمط حياته، ويبدأ مع نخبة تتمتع بالحد الأدنى من الإخلاص والوعي، في شق طريق جديد، يخرج به من مستنقعات الجهل والأوهام، إلى حقائق العصر الراهن.
[email protected]
&