&
&
&
لنتصور إنسانا حالماً وقع في حب فتاة إسطورية الجمال. وفي ريعان وذروة العشق تصاب الفتاة الأسطورية الجمال بمرض لا شفاء منه فتذبل أمام عيني العاشق، فهل تبلغ ذروة الحب عند عاشقها ذروة التجلي في أن يتمنى الموت قبلها كي لا يرى سكوتها وصمتها الأبدي؟!
ماذا يمتلك العشاق الذين يعيشون في حنايا الوطن أو البعيدون عنه وهم يرونه متشظيا. هذا الوطن الذي زرعت فيه بذور الكراهية وزرعت فيه بذور الخوف وقبل كل شيء زرعت فيه بذور الجهل والتأخر لكي يغيُب وعي العاشق.
كل ما جرى ويجري يتمثل بغياب الوعي في المجتمع العراقي. فالمشكلة لا تكمن في السياسة والسياسيين حتى وإن إستبدلنا هذا بذاك، أو ذاك بهذا. الوعي هو الغائب وقد عملوا على تغييبه.
كل قادة العراق اليوم متمترسون وراء العقليات العشائرية والقومية والدينية فيما الوطن غائب عن الجميع. غائب عن مخيلة الجميع وغائب عن حلم الجميع. ومرد هذا يعود إلى غياب الوعي.
ما كان الوطن هكذا يوم تأسست الدولة العراقية قبل قرابة قرن من الزمان. كان الناس طيبون، هادئون، وحنونون، وكانوا يرددون "جارك ثم جارك ثم جارك ثم أخاك"
الكارثة اليوم ليست سياسية، ولا هي قصة مفخخات، ولا هي كارثة إجتماعية وليست ثقافية. هي كارثة تتعلق بالوعي وتكوين الوعي حتى بات الناس يجدون في التشظي حلا لكل مشكلاتهم ليوم أو بعض يوم لشهر أو بعض شهر ولسنة أو بعض سنة، فالتشظي ذاته لن يطول وسوف تتجسد مشكلات لا حصر لها سمتها الوحيدة دما يسري في أنهر جافة وفي صحارى جافة وعلى سفوح جبال جافة. المكونات الثلاثة بالأقاليم الثلاثة لو إنفصلت تماما عن بعضها والتي بات يتمناها الناس دون التفكير بالمركزية واللامركزية وحقوق النهجين، فإن التقسيم يصبح حلا تدميريا وسوف يصيب المجتمعات الثلاثة بمقتل! ويقتل بينهم مسيحيون طيبون وصابئة طيبون وأزديون طيبون وشبك طيبون. وستكون لنا أوطان بلا عنوان وبلا هوية وبلا راية خفاقة وبلا نشيد وطني!
العراقيون الآن بكل مكوناتهم بحاجة إلى أن يقف ليس كل مكون بل كل فرد فيه أمام نفسه وأمام المرآة ويرى نفسه بوضوح ويحدث نفسه ويجيب على إسئلة العشق وأسئلة الخوف وأسئلة المذلة وإسئلة الكبرياء وأسئلة الماضي وأسئلة الحاضر والمستقبل. ولعل الفئة الواعية من أهل العراق أينما وجدت فهي مطالبة اليوم بتلك اللحظة الواعية المتأملة كي لا يضيع الوطن وهو على حافة الهاوية فهو أي الوطن عندما سيسقط فإنه سوف يسقط بكامله مثل الكابوس دون أن يستقر في القرار. الوطن العراقي اليوم في حال مخيفة، وصورة الإعلام الزائف لا تجمله ولا تتمكن من صبغ الخدين ولا تلوين الشفاه ولا كحل سواد الأهداب! الوطن اليوم مشروع تشظي على أرض الواقع تحكمه خلافات وخليفات. وهو أحوج ما يكون إلى أبنائه المسكونين بالوعي المتألق والعشق الصوفي والحلم المستحيل كي يشكلوا لجنة العقلاء أولجنة الحكماء فالوقت يضيق حقا وأصبح الناس يائسين وخائفين من مجهول مريع حتى وصل بهم خدر الرعب نحو اللا أبالية وأنتظار الموت. العراق اليوم بحاجة&إلى لجنة عقلاء خبراء حكماء تعيد صياغة الدستور وتجعله سقفا آمنا للمواطنين يلغى منه الحيف الجائر الذي دمر البلاد والعباد حتى يتساوى فيه المواطنون على كافة الصعد ويشعر فيه المواطن بالعدالة والإطمئنان ويتحول إلى عنصر فاعل في بناء الوطن وليس عنصر هدم وخراب. وهذا الحيف على كافة الصعد هو الذي دفع بالوطن إلى هاوية التشظي.
ثلاثة مكونات تدفع اليوم بإتجاه التشظي واللوحات الثلاث مرسومة بشكل باهت وبلا هارموني لوني وبدون تشكيل جمالي. لوحات ينقصها البرواز والمسمار حيث سيتم تعليقها بمسمار نابت في الفراغ تدفع بها رياح الموت الآتية، والناس فيها يمشون بشكل آلي ويقبلون الوقوف بالصف لدفع رسوم شهادة الجنسية العراقية البالغ ألف دينار ومائتين وخمسين فلساً يوقعها إثنان من شهداء الزور ويتقاضون مقابل ذلك ثمنا بخساً من أجل إثبات عراقة العراقيين، فيما الغرباء يأتون من أنحاء العالم متجاوزين مطارات الدنيا وحدود المدن العالمية والعراقية ويستقرون أنا يشاؤون ويقتلون ويغتصبون الصبايا تحت لافتة النكاح الجهادي بدون جنسية ولا شهادة جنسية ولا بطاقة سكن فيقيمون ويقتلون ويغتصبون الوطن والصبايا ويجدون دائما حواضن تأويهم.. كل ذلك يجري بغياب الوعي عند العراقيين.
لقد لعب تدني الوعي وغياب القيمة الجمالية لدى المجتمع العراقي دورا كبيرا في خراب الوطن العراقي وقد أسهمت الأحزاب الفاشية والقومية والدينية دورا كبيرا في تغييب الوعي وتدني القيمة الجمالية، كما لعبت الحقب الدكتاتورية ذات المهام القصدية في سيادة الجهل الذي ينتج بالضرورة غياب الوعي فقادت المجتمع بكل مكوناته مافيات سياسية نهبت ثروات الوطن وأدخلته في الشكل العشوائي في كل مجالات الحياة.. ولذلك أوصلوا المجتمع إلى رغبة أبناء الطوائف والقوميات بالتشظي فرحين بمكاسب آنية معتقدين أنها ستشكل حلما ستراتيجيا لهذا المكون أو ذاك فيما التشظي يصيب مكوناتهم بمقتل تراجيدي مخيف.
ترى هل يسكن العراق هاجس الوطن وهل يسكن العراقيين هاجس العشق المستحيل؟! أم أن هاجس الموت، سيبقى هاجس الوطن والمواطنين؟!
الموت بحد ذاته ليس مخيفا. الخوف يكمن في مرحلة إنتظار الموت!
والعراقيون الآن في مرحلة الإنتظار وهنا يكمن الخوف!
الا من عاقل واحد من بين العراقيين يدرك هذه الحقيقة!؟ فيبدأ النداء بزرع بذور العشق بدلا من زرع بذور الكراهية!؟ يوم لا ينفع الندم حين نتحول إلى ثلاث لوحات نابتة مساميرها في فراغ الفضاء تأتيها الريح العاتية فترمي كل مكون في متاهات الزمن فيصاب كل مكون بمقتل. حينها لن ينهض أحد من نومته الأبدية.
العراق اليوم بحاجة إلى برلمان عراقي جديد يتمثل بمجموعة من عقلاء القوم ولسنا بحاجة إلى برلمان المافيات الجديدة السابقة، وبرلمان العقلاء الذي ينبغي أن يتشكل من مثقفي المجتمع العراقي من الوطنيين المستقلين من الساسة وعلماء الإجتماع والتكنوقراط والأدباء والفنانين الذين يرسمون للوطن صيغة جديدة متحضرة تؤمن الحقوق المدنية لكل الشعب العراقي وكل فئاته، يشكلون أعلى سلطة في البلاد، وهو ما حصل لكل شعوب الأرض في أزماتها تأريخيا. فالوطن العراقي اليوم في خطر حقيقي، وبدون لجنة العقلاء سيبقى العراق في مهب الرياح ولن تنقذه المتغيرات الشكلية في الأسماء، إنما يحتاج الوطن إلى وطن جديد قائم على الحب والعشق الحقيقي لا على الكراهية والثأر العشائري والحزبي.
الإعلام العشوائي في العراق يلعب اليوم دورا سلبيا في تدني الوعي الإنساني ويسهم في عمليتي اليأس وحلم التشظي البائس. مطلوب إعادة النظر في العملية الإعلامية وفق قانون متحضر يتيح فقط للأكاديميين من الوطنيين من تأسيس المؤسسة الإعلامية التي تعمل بحرية ومسؤولية من أجل نهوض الوطن وسيادة المحبة ومعايشة الحياة بشكل حضاري يواكب عملية التطور الحياتية&والإنسانية، فيما إعلام اليوم يعيد العراق إلى عصور الجهل المظلمة وإلى عصور التخلف والمراوغة والإنتقام وفق أجندة الجهات الداعمة وهو أخطر ما يواجه الوطن العراقي إذ يسهم الإعلام في تدني القيم الجمالية وفي نشر الجهل وتغييب الوعي الثقافي والإجتماعي.
مطلوب دراسة واعية لواقع الإعلام في العراق بكل أدواته المقروءة والمسموعة والمرئية، ووضع قانون متحضر ينظم العملية الإعلامية مثل كل وسائل الإعلام في العالم حتى نبدأ بصياغة الوعي الذي فقد في العراق منذ عشرات السنين وحل محله الجهل وحلت الأنانية فأنتجت الخوف وصرنا نبحث عن حل قاتل نظن فيه خلاصنا فيما هو موت الوطن الذي بات يلوح في الأفق!
لا أحد يدرك المخاطر التي يتعرض لها الوطن العراقي، لا أحد يدرك ماذا يبيت للوطن من فخ كبير لإصطياده وذبحه. لا أحد يشخص جنس الجزار والذابح المترصد لذبح تاريخه وحاضرة وغده، حتى صار الجميع يحلم بوطن متشظ دون أن يدركوا أنهم يصيبون أقوامهم بمقتل. لا أحد يدرك ذلك والسبب يكمن في غياب الوعي وتدني القيم الجمالية في المجتمع!
&
سينمائي وكاتب مقيم في هولندا





التعليقات