قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

حلول مبتكرة لمقاومة التطرّف والارهاب (٩)

من اطرف الحلقات الكوميدية القديمة للممثل السوري دريد لحام، انه كان يقوم في تلك الحلقة بدور غوار شرطي مرور وأخبره رئيس الشرطة هو وزميله شرطي المرور ابو عنتر بانه من الان فصاعدا سوف يعامل كل المواطنين بمساواة كاملة امام القانون ويجب عليهم القبض على المخالفين للقانون مهما كانوا ولا يوجد اي شخص فوق القانون، وكل المواطنين تحت القانون، وتحمس غوار وابو عنتر لأداء واجبهما الوظيفي وانطلقا في شوارع المدينة لحفظ الأمن وضبط المخالفين، وقاما بالقبض على احد المواطنين المهمين المخالفين للقانون واقتاداه الى مركز الشرطة وما ان دخلا به الى غرفة رئيس الشرطة حتى فوجئنا برئيس الشرطة يهب واقفا وياخذ المواطن المخالف بالاحضان : وسلامات وكيف الحال؟؟
ووقع غوار وأبو عنتر في حيرة شديده، ودار بينه وبين رئيس الشرطة هذا الحوار:
غوار : هذا المواطن مخالف للقانون ويجب ان نطبق عليه العقوبات المناسبة لانه كما ذكرت لنا بانه لا يوجد مواطن فوق القانون
الضابط: هذا صحيح ولكن هذا ليس مواطن هذا اخي
غوار : ولكنك قلت لنا هذا الصباح ان القانون سوف يطبق على الجميع
الضابط: صحيح قلت هذا لكن هذا اخي ابن أمي وابي
غوار : يعني فوق القانون
الضابط: لا ... ما في احد فوق القانون، ولكن القانون احيانا يكون مرن...
لمشاهدة الحلقة كاملة على اليوتيوب انقر هنا
***


وبدات المقال بموضوع تمثلية دريد لحام لكي أوضح موضوع ازدواجية المعايير، والخروج من مأزق ازدواجية المعايير يتطلب موضوعية وثقافة وتربية عالية جدا ويتطلب الإيمان الحقيقي بمباديء الحرية للجميع والعدالة والمساواة والإخاء ، وازدواجية المعايير نراها على المستوى الشخصي وعلى المستوى العائلي وحتى يصل الى مستوى الدول الكبرى والصغرى على حد سواء.
فعلى المستوى الشخصى فأنا ارى ان امي رحمها الله كانت أفضل ام في الدنيا بالرغم من أني لم اعرف كل امهات الدنيا، والتعصب يقود الى ازدواجية المعايير، فعندما يخسر الفريق الذي أشجعه أبرر هذا بان الحكم لم يحتسب ثلاث ضربات جزاء واضحة وأغمض عيني عن ضربات الجزاء التي لم يحتسبها نفس الحكم ضد فريقي.
وعلى مستوى الشعوب فمثلا يثور المسلمون لأي اهانه تلحق بدينهم ولكنهم يغمضون اعينهم عن الاهانات اليومية في المساجد واجهزة الاعلام والتي تلحق باتباع الأديان الاخرى،
وعلى مستوى الدول يثور العالم الغربي كله ووراءه كل العالم للحادث الإرهابي في باريس ولا يتاثر كثيرا لحوادث الاٍرهاب اليومية حول العالم والتي يتعرض لها المسلمون والأفارقة سواء على أيدي المسلمين او غير المسلمين، فعلى سبيل المثال قام في شهر سبتمبر عام ٢٠٠٧ أفراد من شركة بلاك ووتر الامريكية والتى يتعاقد معها الجيش الامريكي بقتل ١٧ عراقيا وإصابة ١٨ اخرين من الأبرياء وسط بغداد ومر الحادث من دون اي عقاب ولم يتم وصف أفراد بلاك ووتر بأنهم ارهابيون ولم يحاكم اي منهم ، ومر الحادث بدون اي ضجة إعلامية في العالم.
وفي عام ١٩٩٩ وأثناء حكم الرئيس الامريكي بيل كلينتون قام الطيران الامريكي بالإغارة على مقر محطة تليفزيون صربيا مما أدى الى مقتل ١٨ اعلاميا ولم يتحرك العالم ويطالب بالقبض على الطيارين الأمريكيين او على من اعطاهم الأوامر بضرب محطة التليفزيون ،
وما حدث لمجلة شارلي أبدو في باريس وهبة العالم كله للاحتجاج (بما فيهم أنا شخصيا عندما كتبت مقال أنا شارلي) جعل الكاتب والمفكر الامريكي المتميز ناعوم شومسكي يكتب مقالا هاما على موقع CNN بعنوان "هجمات باريس أظهرت نفاق الغضب الغربي"
"Paris attacks show hypocrisy of West's outrage"

ولقراءة المقال انقر هنا

وخلاصة المقال يقول فيه الكاتب الامريكي بان :
"Their crimes are terror attacks, while "Our" attacks are not crimes but are noble "defense of values
جرائمهم (يقصد المسلمون) هجمات ارهابية ، اما هجماتنا فهي ليست جرائم وإنما دفاع شريف عن المباديء" وهو مقال جريء جدا كما عودنا الكاتب والاستاذ في معهد MIT

...
وهناك أمثلة لا تعد ولا تحصى عن ازدواجية المعايير، فهذا الأسبوع قام ارهابي فلسطيني بطعن ١١ إسرائيلي في أنوبيس في تل ابيب ولم تحدث اي وفاة نتيجة لهذا ولكن الحادث كان الخبر الاول في معظم اجهزة الاعلام الغربية، بينما العقاب الجماعي الذي تمارسه اسرائيل يوميا ضد الفلسطينيين لا يلفت اي انتباه. ويبدو ان المواطن الاسرائيلي في نظر الغرب اكثر قيمة من المواطن الفلسطيني، ولم لا ؟ الم يتم مبادلة جندي إسرائيلي (شاليط) بأكثر من الف فلسطيني؟؟
ومثال اخر حدث تقريبا في نفس توقيت الهجوم الإرهابي على مجلة شارلي أبدو ، وهو حادث اختطاف ٢٠ مصري مسيحي في ليبيا بواسطة جماعة ارهابية، والغرب المسيحي لم يلتفت أبدا لتلك الحادثة ولم يعلق عليها وكان المصريون هؤلاء حتى ولو كانوا مسيحيون لا يستحقون الاهتمام الذي يعطى للمواطن الفرنسي، بل وزاد الطين بلة ان الاعلام المصري نفسه كان اكثر اهتماما بالهجوم على شارلي أبدو من اهتمامه بمواطنيه المختطفين، وحتى أنا شخصيا لم اكتب عن المصريين المختطفين وإنما كتبت عن ضحايا شارلي أبدو ؟؟
ويبدو ان المثل المصري صحيح تماما (اللي ليه ضهر ما ينضربش على بطنه) ويبدو ايضا ان المواطن الذي ينتمي للدول القوية والمنتجة له قيمة اعلى بكثير من مواطن الدول الضعيفة والمستهلكة.

...
طيب ما علاقة كل هذا الكلام بمقاومة التطرّف والارهاب؟ طبعا العلاقة واضحة لان الكيل بمكياليين وازدواجية المعايير تسهل جدا من تغذية التعصب والتطرف وخاصة لدى الشباب والذي يغذيه فقهاء التطرّف ويسهل عملية تجنيد المزيد من الإرهابيين ، عندما يقال لهم ان ضحايا المسلمين لا قيمة لهم وضحايا الغرب لهم كل الاهتمام، وهجماتنا ارهابية وهجماتهم دفاع عن الحرية والمبادىء .
وانا بالنسبة لي القتل هو القتل سواء كان يرفع شعار وراية الدين ام يرفع شعار وراية الدفاع عن مباديء الحرية والديموقراطية، في النهاية هو قتل ويجب ان يعامل القائمين به معاملة القاتل.
والعدالة المطلقة مستحيلة ولكن قليل من العدل يقاوم التطرّف ، وعموما العالم لا يحترم سوى القوي ويعامل الضعيف معاملة المجرم