&شاركت قبل اسبوعين في نقاش تلفزيوني يتعلق بسرقة اسرائيل لمصادر الغاز الطبيعي في المنطقة البحرية اللبنانية. تباينت مواقف المشاركين في النقاش حتى ان البعض رفض فكرة السرقة لذا سأضع أمام القاريء الكريم بعض الحقائق. ولكن قبل الخوض في التفاصيل من المهم الاشارة لقانون البحار الذي تم الاتفاق عليه في الأمم المتحدة عام 1982 ودخل حيز التنفيذ عام 1994 بهدف فض النزاعات حول الثروات الضخمة المخزونة تحت قاع البحر.

ومن أهم نصوصه تتعلق بتقسيم البحار بين الدول ذات السواحل البحرية.

1-المياه الاقليمية: تمتد الى مسافة 12 ميل بحري من خط الأساس وهي تحت السيطرة الكاملة للدولة المعنية ثم 2-المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تمتد 200 ميلا من خط الأساس ثم بعد ذلك يأتي 3- الجرف القاري و 4- أعالي البحار.

نقطة الخلاف في معظم النزاعات تتركز في المنطقة الاقتصادية الخالصة حيث تتجمع عدة نقاط تماس لعدة دول. يجب القول ان قانون البحار يبقى اتفاق اطاري عام وغير ملزم ولكنه يبقى المرجعية القانونية للمحاكم الدولية ولجان التحكيم. وتقوم الدول المتقاربة جغرافيا برسم الحدود بينها لتجنب النزاعات والصراعات. عقدت لبنان اتفاق بحري حدودي مع قبرص عام 2007 ولا يوجد اتفاق مماثل مع اسرائيل.

اسرائيل تدرك ان الطاقة والأمن عنصرين من الركائز الحيوية لوجودها وأخذ هذا الادراك أهمية كبيرة في حسابات اسرائيل منذ اندلاع الربيع العربي عام 2011 واستغلت اسرائيل المتغيرات الجيوسياسية لتوظيف الغاز كوسيلة في خدمة اهدافها السياسية. لا نستغرب ان اسرائيل وقعت اتفاقات لتزويد مصر والأردن بالغاز لمدة 15 عام. من كان يتوقع ان تلبي اسرائيل حاجتها من الطاقة ثم تجد الفائض للتصدير؟

اسرائيل تستغل الخلافات والتوترات في المنطقة لتطوير حقول الغاز في مناطق مختلفة من البحر الأبيض المتوسط. وكمثل بسيط على انتهازية اسرائيل انها استغلت مؤخرا الخلافات القائمة بين روسيا وتركيا للبدء بمفاوضات مع تركيا لتزويدها بالغاز وبحث سبل التعاون في عمليات اكتشاف وتطوير حقول الغاز في البحر المتوسط. كما تشير تقارير ان اسرائيل تستغل حقول غاز شمال فلسطين قريبة من لبنان حيث تقوم مجموعة شركات ديليك الاسرائيلية بسرقة مكامن مشتركة في حقلي كاريش وتامار. لبنان يعتبر حقل كاريش البحري كبوابة اسرائيل لسرقة نفط وغاز لبنان. وصل الصراع بين لبنان واسرائيل الى أروقة الأمم المتحدة والخلافات لا تزال قائمة. لبنان رفض اتفاقية رسم الحدود بين قبرص واسرائيل التي وقعت عام 2010 لأن هذه الاتفاق يعني استيلاء اسرائيل على 850 كم2 من المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة التابعة للبنان. تتحدث الصحف البنانية عن وساطة أميركية لتقريب وجهات النظر للتوصل الى تفاهم او اتفاق ما.

مشكلة لبنان هو عدم وجود اتفاقيات لرسم الحدود بينها وبين اسرائيل ولا يوجد وسائل اتصال مباشرة للتفاوض مما فتح المجال لاسرائيل ان تستغل حالة التخبط السياسي في لبنان لاستثمار حقول الغاز الواقعة في المناطق البحرية اللبنانية.

رغم ان الحكومة اللبنانية وضعت مراسيم تتعلق بالمسح الجيولوجي وطرح مناقصات لفتح المجال للشركات الكبرى بالاستثمار في أعمال الاكتشاف والتطوير الا ان البيروقراطية والتأجيلات وعدم اخذ قرارات حاسمة وشلل الحكومة بسبب التجاذبات السياسية في لبنان والخلافات العميقة بين الاطراف والتيارات السياسية المختلفة تعرقل الاستثمار وتحول دون ترجمة المراسيم الى أفعال. كل هذه الاخفاقات فتحت المجال لاسرائيل لتسرح وتمرح في حوض البحر الابيض المتوسط دون التقيد بالمعاهدات والقوانين الدولية. ولكن اسرائيل وقعت اتفاقات مع قبرص ومصر لاستغلال احتياطات النفط والغاز ويقف لبنان كالمتفرج العاجز. علما ان لبنان يمتلك احتياطي ضخم وبما انه تم اكتشاف الغاز في سواحل فلسطين ومصر وقبرص واسرائيل من الطبيعي ان لبنان يجلس على ثروة ضخمة غير مستغلة. حيث تم قبل سنوات مسح سيزمي جيولوجي ذو 3 ابعاد لنصف مساحة مقدارها 22700 كم2 وأكد المسح وجود أكثر من 12 ترليون قدم مكعب من الغاز في المنطقة التابعة للبنان.

المسوح الجيولوجية اثبتت وجود ما لايقل عن 122 ترليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي و 1.9 بليون برميل من النفط في شرق البحر المتوسط. هنا يجب الاشارة الى أهم حقلين غاز تستثمرهما اسرائيل هما ليفياثان Leviathan الذي يحتوي على 622 بليون مترمكعب اي 16 ترليون قدم مكعب من الغاز ويقوم بتطويره تآلف من الشركات يضم نوبل انيرجي ألأميركية ومجموعة ديليك الاسرائيلية وشركة دوري الاسرائيلية. يعتقد بعض الخبراء انه يجب ان يكون لمصر حصة في هذا الحقل البحري العملاق لاسباب جغرافية. ولكن ما يهم لبنان هو حقل تامار Tamar الذي يحتوي على 8.4 ترليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي حيث يبعد حقل تامار 90 كم عن شمال حيفا بينما يبعد 35 كم جنوب المياه اللبنانية.

لبنان ليس الخاسر الوحيد من الغطرسة الاسرائيلية حيث استغلت اسرائيل حقل شمشون الذي يبعد 114 كم عن دمياط المصرية و 237 كم عن حيفا. وهناك اعتقاد سائد بين المراقبين أن ثلاثة حقول للغاز الطبيعي وهي شمشون وليفثيان وافرودايت" تتواجد في منطقة شرق البحر المتوسط على الحدود البحرية الإقليمية لمصر، كان يمكن أن تحقق الكثير للاقتصاد المصري لما تمثله من احتياطي للغاز تقدر بنحو 220 ترليون متر مكعب حسب تقديرات متفائلة وربما مبالغ بها، لولا أن اسرائيل مارست عملية البلطجة ووضعت يدها على تلك الثروة الطائلة.

واستولت اسرائيل على حقول اخرى من المياه الفلسطينية في غزة.

منذ سنوات واسرائيل تسعى للسيطرة على احتياطات الغاز الفلسطيني التي تقدر ب 1.4 ترليون متر مكعب من الغاز. الصراع حول الغاز مع فلسطين يعود لعام 2000 حيث تضع اسرائيل عراقيل وشروط تعجيزية لتأخير او تعطيل انتاج الغاز الفلسطيني. واضح ان اسرائيل لا تريد وجود فلسطيني قوي اقتصاديا بحجة ان الاموال ستذهب لشراء اسلحة لاستخدامها ضد اسرائيل وهذه الحجة وجدت تجاوبا في الغرب.

على المدى المنظور لبنان يخسر واسرائيل تربح.

&

&

لندن