قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ظاهرة إرتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الضرورية التي تشهدها دول العالم ومن ضمنها الدول العربية، باتت مشكلة يومية يعاني منها ما لا يقل عن 70% إلى 80% من المواطنين في الدول العربية الذين يمثلون الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، وأصبحت الحديث اليومي الذي تتبادله ربات البيوت فيما بينهم. المواطنون في أغلب الدول العربية يتهمون التجار بالإستغلال والإحتكار والجشع، ويحملون حكوماتهم مسئولية غياب الرقابة الحكومية الفعالة والتغاضي عن الممارسات التجارية المرتبطة بالمصالح والنفوذ على حساب أغلب المواطنين (المستهلكين) الضعفاء.

مبدأ الدعم الحكومي للسلع والخدمات الضرورية موجود في شتى بلدان العالم بما فيها الدول الغنية والمتقدمة إقتصاديا، والهدف الأساسي من الدعم الحكومي في أي بلد كان هو توفير هذه السلع والخدمات لشريحة كبيرة من المواطنين (الطبقتين الفقيرة والمتوسطة على وجه الخصوص) بأسعار مقبولة يستطيعون تحملها. كما يهدف الدعم كذلك إلى تخفيف العبء المعيشي والحياتي لهاتين الطبقتين، وتضييق الفجوة المادية بين طبقات المجتمع المختلفة ولتفادي حدوث أي مشاكل أو إضطرابات إجتماعية.

أغلب الدول العربية إن لم يكن جميعها لديها منذ أكثر من عشرين عاما برامج لدعم الأسعار تكلف خزينة الدولة مبالغ طائلة، غير أن الآلية المتبعة حاليا عبر تقديم الدعم المالي مباشرة إلى الشركات والجهات التي توفر هذه السلع والخدمات، وكذلك مراكز ومحال البيع بالجملة والتجزئة قد أدى إلى أن يستفيد من الدعم الحكومي كل شرائح المجتمع التي تستحق والتي لا تستحق. كما أدت هذه الآلية إلى ظهور شريحة من الطفيليين والمحتكرين الذين جعلوا من الدعم مصدرا للإثراء غير الشرعي على حساب المواطن البسيط وخزينة الدولة.

إن هذا الخلل الذي تعاني منه آلية الدعم الحالية يمكن معالجته عبر تطبيق مبدأ إقتصادي تعمل به كثير من دول العالم. هذا المبدأ يعتمد على تقدير كلفة دعم هذه السلع والخدمات ودفعها نقدا كعلاوة (غلاء معيشة أو أي تسمية أخرى مناسبة) إلى مستحقيها من المواطنين ضمن رواتبهم، بعد إعداد دراسة علمية دقيقة وشفافة تصنف الفئات المحتاجة في البلد طبقا لمعايير إقتصادية وإنسانية واضحة. كما أن هذا المبدأ يدعو إلى مراجعة هذه الدراسة بين فترة وأخرى للتأكد من صلاحيتها ومواكبتها للتطورات والتغييرات الإقتصادية والإجتماعية.

ويلحق تطبيق هذا المبدأ، مبدأ إقتصادي آخر هو تحرير أسعار السلع والخدمات الذي يتطلب فك الإحتكار الذي تمارسه بعض الشركات والمؤسسات المحتكرة توفير هذه السلع والخدمات، والسماح بدخول شركات ومؤسسات منافسة لتفعيل مبدأ المنافسة الإقتصادية الشريفة بين جميع الأطراف مما يؤدي تلقائيا إلى خفض الأسعار والإرتقاء بمستوى الخدمات الذي سوف ينعكس إيجابا على حياة المواطنين، ويخفف العبء عن كاهل الدولة.

الغلاء الناتج عن إرتفاع أسعار السلع والخدمات ظاهرة إقتصادية عالمية، وعلاجها على المديين المتوسط والبعيد مرتبط بشكل وثيق بالاصلاحات الهيكلية للإقتصاد الذي يتطلب تنويع مصادر الدخل القومي، وإستقطاب الإستثمارات المحلية والخارجية، وخلق فرص عمل جديدة. كما أن السيطرة على ظاهرة إرتفاع الأسعار يتطلب الأتي:

1. إعتماد سلة غذائية علمية لقياس معدل التضخم سنويا.

2. زيادة الأجور سنويا بنسبة لا تقل – في أسوأ الأحوال – عن نسبة التضخم، حتى يتم الحفاظ على مستوى الأجور من التآكل نتيجة التضخم. هذا ما تعمل به الدول الغربية للمحافظة على مستوى الأجور لمواطنيها.

3. تنشيط وتفعيل دور إدارات الرقابة بالوزارات المختصة، وتفعيل وتعزيز دور جمعيات حماية المستهلك المنوطة بهم مسئولية حماية المواطنين من الإستغلال بالتنسيق مع الجهات الرسمية المختصة.

أغلب الخبراء الإقتصاديون العرب يؤكدون أن إيصال الدعم لمستحقيه الحقيقيين سيلغي الكثير من التشوهات الإقتصادية والسعرية القائمة حاليا، عدا عن مساهمته في التخفيف من عجز الموازنة الذي وصل إلى ارقام خيالية غير مسبوقة في العديد من الدول العربية، ويشيرون إلى أن الدعم النقدي المباشرأثبت بحكم التجربة العملية أنه أفضل آلية لإيصال الدعم لمن يستحق وأكثر عدالة وأقل كلفة على الدول.

في الوقت الراهن، تشعر الطبقتين الفقيرة والمتوسطة في العالم العربي بالغبن والإجحاف وعدم الإنصاف من آلياة الدعم المتبعة حاليا التي يستفيد منها المستحق وغير المستحق، لذا من الضرورة معالجة هذا الخلل. إن إيصال الدعم الحكومي إلى مستحقيه الحقيقيين من المواطنين سوف يزيل هذين الغبن والإجحاف، ويحقق المزيد من التوزيع العادل للثروات الوطنية. كما أن الإرتقاء بالمستوى المعيشي للمواطنين جميعا، وتحقيق العدالة الإجتماعية، وتضييق الفجوة بين طبقات المجتمع الواحد، يعزز السلم الإجتماعي ويقي المجتمع من الإضطرابات والإحتقانات ويمتن الجبهة الداخلية.