يتكرّر الخبر التالي يوميا في الضفة الغربية منذ عودة السلطة الفلسطينية عام 1994 عقب توقيع اتفاقية أوسلو، وأيضا في قطاع غزة كان الخبر يتكرر يوميا حتى ما أطلق عليه الإحتلال الإنسحاب من طرف واحد عام 2005 مستعيضا عن ذلك بقصف جوي شبه يومي واجتياحين رهيبين عامي 2006 و 2014 أوقعت ألاف القتلى والجرحى وتدمير شبه كامل للبنية التحتية في القطاع. الخبر المقصود بالتكرار اليومي هو:

" شنّت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم حملة مداهمات واعتقالات واسعة طاولت عدداً من الفلسطينيين في أنحاء متفرقة من الضفة الغربية المحتلة، وسط اندلاع مواجهات عنيفة مع الشبان الذين حاولوا التصدي لعمليات الاقتحام تلك، ورشق جنود الاحتلال بالحجارة. وفي مدينة نابلس (شمالاً)، اعتقلت قوات الاحتلال كلاً من فضل المصري، وخالد كنانة وأنس قطب، ومحمد عجعج بعد مداهمة منازلهم وتفتيشها في المدينة، في الوقت الذي اعتقلت فيه الشاب علي سوالمة بعد مداهمة منزله في بلدة عصيرة الشمالية شمالي المدينة. وأصيب العشرات من الشبان في قرية قرواة بني حسان شرق مدينة سلفيت (شمالاً) خلال المواجهات التي أعقبت اقتحام قوات الاحتلال للقرية ومداهمتها عدداً من المنازل، فيما أطلقت قنابل الصوت والغاز ونصبت الحواجز العسكرية، وداهمت عدداً من المنازل في قرية تلفيت (جنوباً) إضافة إلى اقتحام عدد من القرى المجاورة من بينها قرية دوما مسقط رأس الشهيد الرضيع علي دوابشة ".
ولم يقتصر تدخل وإرهاب الإحتلال على تكرار هذا الخبر اليومي ، بل قام بعمليات عسكرية إجرامية إرهابية في الفترة المذكورة يرفضها أي شعب محتل أم مستقل كما ترفضها كافة الأعراف القانونية الدولية، ويكفي التذكير بجرائم الإغتيالات الإسرائيلية التالية في داخل الضفة والقطاع:

اغتيال يحيى عياش القيادي العسكري في حركة حماس، الخامس من يناير 1996 .
اغتيال أبو علي مصطفى، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في الثامن عشر من مارس 2001 .
اغتيال مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين، الثاني والعشرون من مارس 2004 .
اغتيال القيادي في حماس الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، السابع عشر من أبريل 2004 .
اقتحام مبنى الأمن الوقائي في مدينة رام الله حيث قتل 11 فلسطينيا وأصيب 70 آخرون وتمّ اعتقال 150 شخصا من عناصر الأمن الفلسطيني، العشرون من يوليو 2006 .
اختطاف الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات من سجن أريحا ونقله لسجون داخل دولة الإحتلال، الرابع عشر من مارس 2006 ، حيث ما زال مسجونا حتى اليوم.
اختطاف واعتقال عضو المجلس الثوري لحركة فتح، مروان البرغوتي، الخامس عشر من أبريل 2002 حيث ما زال في السجن محكوما مدى الحياة.
حصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مبنى المقاطعة بمدينة رام الله في الثامن من ديسمبر 2001 لمدة ثلاث سنوات ومعه داخل مبنى المقاطعة حوالي 480 شخصا، واستمر اجتياح الجيش الإسرائيلي لمباني المقاطعة حيث دمّر أغلبها مما نتج عنه طوال فترة الحصار مقتل 148 فلسطيني وجرح 400 شخص، واستمر الحصار لحين مرض عرفات القاتل حيث تمّ نقله بمروحية أردنية إلى مطار ماركا الأردني ومنه إلى المستشفى في باريس حيث مات في الحادي عشر من نوفمبر 2004 . هذا ويبلغ الآن عدد المعتقلين والسجناء الفلسطينيين في كافة سجون الإحتلال ما لا يقل عن تسعة ألاف شخص بينهم نسبة من الأطفال والنساء.

بعد كل هذه الممارسات ما فائدة بقاء السلطة الفلسطينية؟
وهذا ليس تنظيرا لبقاء الإحتلال المرفوض بكافة أشكاله، ولكن مجرد مقارنة بحياة الفلسطينيين في القطاع والضفة بين عامي 1967 بداية احتلال القطاع والضفة بعد هزيمة حزيران وحتى اندلاع ما أطلق عليه "الإنتفاضة الفلسطينية الأولى " أو " إنتفاضة الحجارة " في ديسمبر 1978 ، حيث ساد تلك الفترة هدومء كامل رغم وجود قوات جيش الإحتلال مسيطرة بشكل كامل على القطاع والضفة، فقد كانت كامل المعابر والحواجز مفتوحة مع أراضي فلسطين عام 1948 ومع الأردن ومصر بدون أية قيود، وكان عدد الفلسطينيين العاملين داخل دولة إسرائيل في عام 2014 قرابة مائة الف حسب تقرير البنك المركزي الإسرائيلي، حوالي عشرين ألفا منهم يعملون في المستوطنات التي يطالب الفلسطينيون بتفكيكها لإلتهامها قرابة 18 في المائة من مساحة الضفة الغربية. وحسب تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عن عام 2014 " قدّر فيه عدد الفلسطينيين العاملين في إسرائيل في عام 2014 بنحو 11.7% من إجمالي القوى العاملة الفلسطينية في الضفة الغربية، بينما بلغت أجورهم نحو 12.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي في 2013، الذي بلغ 11.4 مليار دولار " وحسب استطلاعات بين هؤلاء العمال فراتب أي واحد منهم لا يقل عن خمسين دولارا في اليوم، وهو مبلغ ليس بسيطا في ظل نسبة البطالة في القطاع والضفة وانخفاض الأجور والرواتب، لدرجة أنّ بعض مدرسي وموظفي وكالة الغوث "الأونروا" حيث رواتبهم أعلى من رواتب العاملين في المؤسسات الرسمية، استقالوا من الأونروا للعمل داخل دولة الإحتلال حيث يتقاضون رواتب أعلى من رواتب الأونروا.

فإذا كانت السلطة الفلسطينية لا تستطيع توفير الأمن الداخلي،
للمواطن الفلسطيني حيث كما لاحظنا جيش الإحتلال يتجول في الضفة ليلا ونهارا، يعتقل ويدمّر ويهدم البيوت ويعتدي على الناس الآمنين، دون أي تصدي له من قوات الأمن الفلسطيني التي أساسا تنسحب مسبقا من أية منطقة سيدخلها جيش الإحتلال، وها نحن منذ توقيع اتفاقية اوسلو عام 1993 أي قبل 22 عاما ننتظر دولة فلسطينية في الحلم بينما الإحتلال مستمر في إجرامه وتوسعه وقمعه،

فأيهما أفضل للمواطن الفلسطيني ،
استمرار هذا الحال المرعب أم عودة الإحتلال المباشر حيث هناك التزامات دولية وحقوقية على كل إحتلال. وأكرّر هذل ليس تنظيرا للإحتلال المرفوض ولكن مقارنة بين حالتين و وضعين، وليس من حق أحد الإجابة أو اتخاذ القرار سوى الشعب الفلسطيني في القطاع والضفة، فمن يده في النار غير من يده في الماء. رغم أنّ القيادات الفلسطينية المستفيدة من بقاء الإنقسام بين "إمارة حماس" في القطاع و"دويلة عباس" في الضفة، لا يهمها الإجابة على هذا السؤال فهم مع بقاء الحال كما هو عليه طالما مصالحهم الشخصية والتنظيمية في أمان وتحقق المكاسب التي يريدون بالملايين. وإلا من يصدق مع استمرار الإحتلال وجرائمه اليومية المذكورة، يستمر الإنقسام الفلسطيني والحرب الحمساوية الفتحاوية منذ ثمانية سنوات، دارت خلالها معارك وتصفيات بين الإمارة والدويلة بشكل مخزي، لا يقبله أحد سوى الإحتلال حيث قام الطرفان الإنقساميان بنسبة لا يستهان بها مما يريده الإحتلال، وهذا ما دعى مسؤول عسكري إسرائيلي يجيب على سؤال للقناة الإسرائيلية الثانية: لماذا خفّض جيش الدفاع الإسرائيلي عملياته في القطاع والضفة؟. أجاب وهو يضحك: لأنّ حماس وفتح تقومان بالمهمة!!!.
www.drabumatar.com