&
&
1- في بلاد الشام و مابين النهرين، لم يجر فقط ابتكار الكتابة المسمارية، وبعدها اختراع الأبجدية، ومعرفة أسرار الرقم سبعة، وحساب دورات الشهر القمري، وفيما بعد ضبطه على مواقيت السنة الشمسية، وصنع الدولاب، ومن بعده العربة بعدما اكتمل تدجين الحصان. فما كانوا ليكتفون بذلك، بل صنعوا لأنفسهم أعياداً يحتفون بها، ما عتم بعضها أن أضحى عالمياً على الرغم من تبدل مواعيدها، أحياناً، من الربيع إلى الشتاء، وبذا ففكرة الاحتفال بحلول العام الجديد. بنتُ حضارة بلادنا القديمة قِدَمَ تحضّر البشر.
غير أن بعض مظاهر احتفالات عالم بلادنا القديم ما انقرضت، وما غاصت في ثنايا التاريخ. بل ما انفكت تتظاهر في عديد من المناسبات، لدى مختلف ميتيات واثنيات بلادنا الجميلة المتداخلة فيما بينها ومع بعضها. حتى ليحار المرء، لدى إنعام النظر في هذا الركام الاحتفالي، مَنْ يعود إلى مَنْ؟ ومن يرتبط بمن؟ والجواب الطبيعي، ذلك كله يعود إلى جذور حضاراتنا القديمة، نابع من صميمها، ولاغَرْوَ، فلا تضارب ولا تعارض، فما هي سوى أيام خُصْصّت لنفس الإنسان ولفرحه، فـ"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" كما قال السيّد المسيح، الذي يتكرر عيد قيامته (قيامة الفادي المخلّص) في إبّان فصل الربيع.&
على هذا فالإخوة النساطرة الآثوريين + الكلدان، في الشمال الشرقي من سورية، لا يعْدُون الصواب في حفاظهم على الاحتفال بالأول من نيسان من كل عام، مكررين شَذرَة من تراث منطقتنا العظيم الساحر. وكذلك صِنْوَهم الأشقاءُ العلويون في جبال الساحل السوري، الذين مافتئوا يحافظون على الاحتفال بعيد الرابع = 4 نيسان شرقي/17 نيسان غربي، ذلك الاحتفال التاريخي الجميل بمقدم الربيع، وحلول الفترة التي لا يعود فيها صقيع (جمود). وكلا اليومين ليسا ببعيدين عن خميس المشايخ/ الأسرار وأحد الفصح، الذين يضمّون جميعاً في ثناياهم، ما ورثناه من حضاراتنا المتوالية، وشعائرنا - الشعبية - المعبرة عن حفاوتنا التاريخية بقدوم الربيع وألوانه، مما يحمل إلى الناس كافة، الشعور بالفرح والإحساس بالتحرر من عناء الشغل الدائب.&
2-* في تاريخنا القديم كان يعني حلولُ كلّ سنة جديدة العودة بالزمان إلى البدء. أو البدء من جديد أي تكرار ولادة العالم. ومما تعنيه "السنة الجديدة"، عند معظم المجتمعات القديمة، انتهاء التحريم عن الحصاد الجديد، فيغدو ممكنا جنيُه.&
دُعيَ الاحتفال بالعام الجديد في بابل "أكيتو". وقد يتم الاحتفال به في الاعتدال الربيعي، في شهر نيسان، كما قد يجري في الاعتدال الخريفي، في شهر "تشريت" من شُرّو = شروع".&
والاحتفال بالعام الجديد "الأكيتو" بالغ القِدم، فالعقيدة المتعلقة به كانت موجودة عند السومريين، ومارسه الأكاديون أيضاً، وللملك فيه دورٌ كبيرٌ، باعتباره ابناً وخلفاً للإله على الأرض، بالتالي فهو مسؤول عن انتظام إيقاعات الطبيعة وعن رفاه الجماعة. وعلى عاتقه تقع مهمة تجديد ولادة الزمان.
خلال الاحتفال بالـ"الأكيتو" الذي يستمر اثني عشر يوماً، (لاحظ الاثني عشر) يجري إنشاد قصيدة الخلق "الإينوما إيليش - عندما في الأعالي" مراراً، وكان يُعاد تمثيل صراع الإله "مردوخ" مع "تعامات" الذي سبق حدوثه "في ذلك الزمان" وانتهى بانتصار مردوخ. لذا كانت إعادة إحياء ذكرى الخلق تتضمن تلقائياً إعادة فعلية لولادة العالم...&
وعليه يتضمن الـ"الأكيتو" سلسلة ممارسات تشير إلى انقضاء الزمن المنصرم، وتكرار ولادة العالم. وهنا يمثل انتصار الإله مردوخ ارتجاع الزمن السابق للخلق، كما يمثل الحفاوة بتتويج "ملك"، وقلب النظام الاجتماعي، إذ ما من علامة ألا وتدل على الفوضى الكونية، إلى حد تصوّر طوفان عظيم يقضي على البشرية، تمهيداً لمقدم نوع بشري جديد يولد مجدداً.&
أيضاً لما أتم "اوتنابشيم" صُنْع "الفُلك" أقام عيداً كعيد رأس السنة "الأكيتو".
*معلومات (2-*)، معاني ومسار الاحتفال "بالسنة الجديدة" قديماً، مستقاة من كتاب "أسطورة العَوْدْ الأبدي" - تأليف مرسيا إلياد - ترجمة نهاد خياطة.&
&














التعليقات