&

سينما ريالتو بتصماميها و لمساتها الفاخرة وستائرها المخملية الحمراء،و ادوارها الثلاث، و ادراجها الاسطورية اللولبية، في شارع صفية زغلول، تراث غدر به و اندثر اليوم حيث لم يعد بعد اليوم ستار يفتح و لا شاشات تعرض.

تلك السينما التي قدمت حفلات عبد الحليم حافظ، شادية، افلام جيمس بوند، جيمس دين، كلارك جيبل، و افلام عربيه و فرنسيه و تركيه و اسبانية بحضور ممثلين عمالقه من امثال كمال الشناوي، فاتن حمامة، يوسف وهبي، نور الشريف، احمد رمزي، ذكري تاهت و قتلت معها ما تبقي من رونق مدينة يطيح و يسحق بتاريخها بلدوزر شركات الاستثمار.

انقبض قلبي و قلب كل عشاق الاسكندرية مع هدم اثر ثقافي و حضاري مهم في مدينة الاسكندرية الكوزمبولتينيه، قبله الاثرياء و المشاهير، و المركز المالي و الثقافي علي البحر الابيض المتوسط و التي تم بنائها في القرن الرابع قبل الميلاد علي يد القائد الاسكندر، اساسها ميناء كبير و ثقافة حضارية ممتده عبر العصور.

هدم السينما و التي انشئت عام ١٩٣٠، ضمن اكثر من ٢٥٠٠ مبنى اثري معماري تلاشوا في الاسكندرية شملت مبان قناصل و قصور و فلل رجالات الفكر و السياسة و المال، امرُ يثير الحزن و الشفقة علي تاريخ معالم معمارية تتآكل في مدينة ساحلية من اهم مدن العالم الثقافية و التي احتضنت حضارات عالميه و عاش بها اوروبيون و عرب و يهود و ازدهرت احيائها عبر العصور بعمارة نادره قل امثالها.

&

هدم ثلاثين سينما في أخطر تعدٍ علي الثقافة و الحضارة&

السينما هي تاريخ هام من شارع صفية زغلول، الذي به سينما الهمبرا التي احييت بها ام كلثوم حفلاتها و سينما ستراند في البدايه و سينما مترو في الوسط و سينما امير في النهاية، و مطاعم و محلات تسوق، وهو شارع اهتم به اليونانيون و الايطاليون و الفرنسيون و السويسريون و السوريون و اللبنانيون و اليهود، اللذين لديهم العديد من المحال و المطاعم في هذا الشارع، من امثله ذلك مطعم ايليت اليوناني، و مطعم لورنتس،و فلوكيجيرل للحلويات و التورت، والنادي السوري، علي كيفك، المطعم و النادي الليلي سانتا لوتشيا، مطعم استيريا، حداد للسجاد ( الشركه التي اعدت فرش سجاد مركب المحروسة في افتتاح قناه السويس) و ليس محل جاد للفول الا عنوانا اخر علي تزاحم المكان.

هدمت ريالتو كما سينما الهمبرا و تحولت دور السينما الي مخازن و مولات و غيب التراث و قتل.

مدينة الاسكندرية هدم فيها اكثر من ثلاثين سينما دون ان يتحرك احد، تغييب واضح للثقافة و المحافظة علي التراث، سينما اوديون، سينما لاجتيه، سينما ماجستيك، سينما الشرق، سينما سبورتج مجرد امثلة علي تغول البلدوزر علي الثقافة، الي دور السينما الصيفيه في المنتزة و الدخيلة و ميامي و التي هي ايضا تراث اختفي و هدم.

&

جاليات عديدة عاشت و انقبض قلبها لهدم سينما ريالتو

عشت مثل كثيرين غيري في الاسكندرية من السيتينيات الي اوائل الثمانينات، و التي هي المدنية المفضلة لمحمد علي حاكم مصر و باني نهضتها و الذي شيد قصر رآس التين الشبيه لقصر فرساي الفرنسي بها، وايضا من المدن المفضلة للخديوي توفيق و العاصمة الادارية لمصر في فصل الصيف حيث تتنقل رائسة الحكومة و الوزراء الي منطقة الهداية في قصر منيف.

تآثرنا بثقافتها التي احتضنت البينالي للفنون، حفلات اشهر عازفي البيانو و التشيللو في المكز الثقافي في محرم بك، اشهر الاوبريتات الغنائية في دار الاوبرا التي تحمل اسم سيد درويش بجانب سينما رويال في شارع فؤاد، و التي لا تقل اهمية عن دار الاوبرا في باريس التي امر نابليون ببنآوها، مهرجانات السينما، حفلات ام كلثوم و عبد الحليم و شادية، ياالاهي ماذا يحدث من تخريب لتلك المدينة التي تشرفت بالعيش بها و شرفت برساله من محافظها الراحل فوزي معاذ في الثمانينات عنوانها “ الي صديق الاسكندرية “، و ها انا ارثي احد معالمها بقلب حزين و دموع فراق.

انقبض قلبي، مثلما انقبض قلب هنري بوليتي اليهودي الذي عاش في مصر، الذي علق من جنيف في سويسرا حيث يعيش، كتب يقول في الاهرام الطبعة الانجليزية: علي الحكومة المصرية ان تاخذ الموضوع بجدية مثلما هي تحاول معالجه الفقر و البطالة و التعليم بآن تحافظ علي مبانيها الاثرية.&

و اقصد ان هنري بوليتي ابن أحد الاثرياء اليهود اللذين عاشوا في مصر و غادروها في عام ١٩٥٦ اتشارك معه في ذكريات عديدة، منها الدراسة في كلية فيكتوريا، سكنا في قصر والده بساباشا، حي السفارات و الاثرياء، بعد ان رحلت عائلته من مصر بسبب التآميم، و كان والده من أهم التجار و المساهميين في بناء السينما قبل ان تتحول ملكيتها الي عائله يونانية، و كلنا ارتبطنا نوعا ما بسينما ريالتو و الاسكندرية، و اقصد ان سينما ريالتو و الاسكندرية جامع مشترك لجنسيات من مختلف انحاء العالم و بغض النظر عن الدين و الجنسية و الثقافة و الجنس، لذلك انقبض قلب العالم و ليس فقط الاسكندرنيون.

اذن، سينما ريالتو، ليست فقط ثقافة و علاقات تبادلية اجتماعية بين جاليات عدة تشاركت في حضور الحفلات السينمائية و الغنائية و انما معلم معماري رحل، وروح تجسدت في سكان المدينة،هدمت بمعاول غدر السنيين.&

&

وحشاني يا اسكندرية

[email protected]