أصدرت مكتبة الإسكندرية كتاب "المغاربة في مصر"، حيث يتناول دور العائلات المغربية في الاقتصاد المصري، وكلمة مغربية هنا تعني في الأساس المغرب الأقصى أو مراكش.
بمناسبة عقد أول مؤتمر أكاديمي تنظمه مكتبة الإسكندرية خارج مصر، تحت عنوان "نقض أسس خطاب التطرف" الذي من المقرر إقامته في الرباط بالاشتراك مع الرابطة المحمدية في 20 ديسمبر الجاري، اصدرت مكتبة الاسكندرية كتاب "المغاربة في مصر" من تأليف د.حسام عبد المعطى، الأستاذ في كلية الآداب جامعة بني سويف، وسوف يهدى الكتاب إلى المكتبة الوطنية المغربية وجامعة محمد السادس.&
&
ويذكر د.اسماعيل سراج الدين أن صفحة العلاقات بين مصر والمغرب العربي من الصفحات المشرقة في التاريخ الامم، هكذا تحدثنا الشواهد الاثرية وتكشف عنه كتب التاريخ. ويعود هذا التاريخ الممتد من العلاقات الى العصور القديمة، وكان من نتيجة هذه العلاقات عديد من الاسفار والرحلات من بلاد المغرب الى مصر ومن مصر الى بلاد المغرب. حتى اننا نرى الروح المغربية موجودة في مدينة الاسكندرية في اوليائها الصالحين واسماء احيائها وشوارعها، بل امتد الوجود المغربي الى مدن مثل رشيد وفوة ومطوبس، وفي القاهرة عد حي ابن طولون مركزًا للمغاربة. ومازلنا الى اليوم نرى في هذا الحي أثرًا في بقايا العائلات المغربية القاطنة به.&
&
من اجل ذلك، تأتى اهمية هذه الدراسة التي بين ايدينا "المغاربة في مصر خلال القرن الثامن عشر"، حيث تلقي أضواء مكثفة على العائلات المغربية في مصر، وتاريخ البيوت التجارية المغربية، وتكشف كذلك عن الانشطة الاقتصادية والاجتماعية للمغاربة في مصر .ان هذا كله دفعنا في مكتبة الاسكندرية الى طباعة هذا الكتاب للمؤرخ المتميز د.حسام عبد المعطى، الذي انجز هذه الدراسة بمناسبة اختيار المملكة المغربية ضيف شرف معرض مكتبة الاسكندرية الدولة للكتاب عام 2012، وقد لاقت اقبالاً وترحيبًا دفعنا لإصدارها بطبعة موسعة. وهو يعد خطوة متقدمة للبحث في تاريخ المغاربة في مصر، حيث احاطنا من خلال تحليله وربطه لما توافر لديه من معلومات بالكثير، مما جعل حياة المغاربة الذين استقروا في مصر اقرب الينا من ذي قبل.
&
فيما يؤكد د.حسام عبد المعطى أنه حظيت دراسة الجاليات والأقليات والطوائف في مصر إبان العصر العثماني في الفترة الأخيرة بنوع من الاهتمام المتزايد بهدف دراسة البناء الداخلي للمجتمع المصري في هذه الفترة المهمة من تاريخ مصر، إلا أن الطائفة المغربية كانت أقل الطوائف حظًّا من الدراسة، فلم يحظَ المغاربة رغم ثقل تواجدهم في مصر إلا بدراسة د.عبد الرحيم عبد الرحمن، وعلى الرغم من أهمية هذه الدراسة الرائدة، والتي كانت تمثل حجر الأساس الذي سوف تنطلق منه هذه الدراسة، فإنها ركزت على كل المغاربة في مصر ورصد هذا التواجد، ولكن الإشكالية التي تطرحها هذه الدراسة هي دراسة الموجود المراكشي في مصر، وبالتالي فإن كلمة المغربي هنا تعني بالأساس المراكشيين ودورهم في مصر.
&
&وتتناول الدراسة دور العائلات المغربية في الاقتصاد المصري، وكلمة مغربية هنا تعني في الأساس المغرب الأقصى أو مراكش، صحيح أنه في هذه الفترة كان يطلق على كل الوافدين من ليبيا إلى المغرب مغاربة إلا أنه أيضًا كان يطلق على كل شخص اسم مدينته مثل الطرابلسي والسوسي والفاسي. وتسعى هذه الدراسة إلى تركيز الضوء أكثر على المراكشيين وليس كل المغاربة وبالتالي فإنه يجب أن ننتبه هنا إلى أن كلمة المغربي تستخدم للإشارة بشكل خاص للوافدين من المغرب الأقصى.&
&
وتركز هذه الدراسة على دراسة العائلات المغربية خلال القرن الثامن عشر، والغاية ليست دراسة العائلة المغربية في حد ذاتها فقط، بل دراستها كخلية اجتماعية اقتصادية متحركة؛ أو بصورة أوضح دراسة حراك المجتمع من خلال العائلة المغربية، وبالتالي فقد جاءت الدراسة ترجمة لعائلات النخبة التجارية المغربية ودورها في الاقتصاد إبان تلك الفترة التاريخية، والمدى الجغرافي الذي اتخذته معاملاتهم التجارية بمختلف أنواعها والرخاء الاقتصادي الذي تمتعوا به وأسبابه، في الوقت الذي غلب الظن فيه أن الاقتصاد المصري قد أصابه الكساد. وتصلح مؤسسة العائلة أن تكون مؤشرًا لهذا التطور التاريخي بعيدًا عن الوجود العثماني، فالمعروف أن العثمانيين لم يتدخلوا بصورة واضحة في شؤون الحياة الأسرية والعائلية، وتعد تلك فرصة رائعة لدراسة الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع المصري مع ضمان عدم السقوط في التاريخ التدهوري الذي حاول دوماً أن يرسم صورة سلبية للعثمانيين في مصر.
&
وأضاف د.حسام "كان الاهتمام بتاريخ العائلات قد بدأ في فرنسا عقب الحرب العالمية الثانية، ومجال هذه الدراسات متقدم جدًّا حاليًّا في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. ويرجع اختيار التجار المغاربة كهدف للدراسة إلى أن الطائفة المغربية في مصر كانت أكبر طائفة إسلامية عربية وافدة إلى مصر خلال العصر العثماني، كما أن العائلات المغربية لم تنتشر في مصر وحدها، بل كانت لها فروع في العديد من أنحاء العالم الإسلامي إبان هذه الحقبة مما أسهم في تفعيل دور هذه العائلات في التجارة الخارجية عن طريق الشبكات التجارية التي ربطت بينها. كما أنها ترجع إلى ظروف عملية وثائقية بصورة أكبر؛ حيث تردد المغاربة بصورة أوسع من غيرهم على المحاكم؛ ربما بسبب كونهم من الوافدين الغرباء، فقد حرصوا على تسجيل أملاكهم وتعاملاتهم؛ لتأكيد هويتهم ووجودهم مما وفر المادة العلمية لهذه الدراسة".
&
ولفت إلى أن أهمية دراسة تاريخ البيوت التجارية المغربية ترجع إلى انها تكشف عن التطور الاقتصادي والاجتماعي من داخلية بناء النظام الحياتي للناس وللمجتمع، وليس من خلال الدولة والقوانين والنظم، كما أنها تقدم نظرة متعددة الزوايا لشخصيات هذه البيوت التي تناولتها، فتتضمن المظاهر المختلفة لعلاقاتهم بالمجتمع، مما يساعدنا على أن نضع التغييرات الاقتصادية في سياق اجتماعي وثقافي بدلاً من دراستها كظاهرة مجردة منعزلة عن أي سياق حدد.كما تتيح دراسة هذه العائلات إجابات لمختلف التساؤلات التي لا يمكن طرحها في دراسة تختص بالأوضاع الاقتصادية وحدها، كما ان دراسة البيوت التجارية والترجمة لها تعد دراسة للفئة التجارية التي تنتمي إليها هذه البيوت، مما يعطينا استنتاجات تتعلق &بأمور أبعد مدى تتصل بدور النخبة التجارية ووضعها والتغييرات التجارية التي طرأت عليها، والطرق التي اتبعها هؤلاء التجار لجعل نشاطهم يتوافق مع المستجدات الاقتصادية والاجتماعية المتغيرة".&
&
وأوضح د.حسام "في الوقت ذاته تعد دراسة البيوت التجارية على الصعيد المنهجي دراسة محورية للتاريخ من الداخل إلى الخارج لما تبرزه من مظاهر الحياة الذاتية لهذه البيوت وما تواجهه من أمور حياتها اليومية فهي تمثل شكلاً من أشكال الكتابة التاريخية تقوم على المائدة المستقاة من التعاملات اليومية بين الناس على عكس المصادر والحوليات التاريخية التي تهتم برصد الحوادث الاستثنائية، فتسمح لنا دراسة هذه العائلات بفهم تاريخ الفترة التاريخية من خلال التعاملات اليومية للناس مثل البيع والشراء والزواج والطلاق وغيرها من المعاملات".
&
وقد جاء الكتاب في ستة فصول إضافة إلى المقدمة والخاتمة. تناول الفصل الأول عوامل الهجرة المغربية إلى مصر خلال القرن الثامن عشر، وفيه تم التأكيد على قدم التواجد المغربي في مصر وعلى أن الضغط الإسباني المستمر على المغرب والظروف السياسية التي مرت بها كانت من عوامل الطرد السكاني وهجرة العديد من العائلات المغربية إلى مصر، بالإضافة إلى النشاط التجاري الكبير في القاهرة، والحج السنوي للمغاربة ومرورهم بمصر، وكذلك للمركز الثقافي والعلمي الذي تمتعت به مصر مما جعلها محط أنظار كثير من المغاربة للاستقرار بها. كما تناول مناطق التركز المغربي في مصر.
&
وعالج الفصل الثاني مفهوم البيت ثم أهم العائلات المغربية التي استقرت في مصر، ثم رصد نشاط عدد من هذه العائلات التي استقرت في مصر، لبيان الدور الفاعل والحقيقي لهذه العائلات. ثم عوامل ضعف هذه العائلات وتواريها وبعدها عن العمل التجاري إلى أعمال وميادين أخرى.
&
أما الفصل الثالث فقد استهدف دراسة الاثراء التجاري وعوامل نجاح العائلات التجارية المغربية في مصر، وأساليبهم لتكوين الثروات بالاتجاه للتجارة في السلع والبضائع الترفيهية المطلوبة، والتي تحقق أرباحًا عالية مثل البن، والأقمشة القطنية الهندية، كما تناول دورهم في ميدان الالتزام وتقديمهم القروض للطالبين من الأمراء والتجار والملتزمين ثم استثماراتهم.
&
وركز الفصل الرابع على دور التجار المغاربة في التنظيمات التجارية في الأسواق المصرية، فتناول تنافسهم مع الشوام والأتراك والمصريين لتولي منصب شاهبندر التجار رأس التجارة المصرية، وكذلك رئاستهم للأسواق ثم تناول علاقة هؤلاء التجار بالسلطة الحاكمة.
أما الفصل الخامس فقد تناول الحياة الاجتماعية للتجار المغاربة، فتناول الطائفة المغربية والزواج والطلاق وأسبابهما، وما نتج عنهما ثم الحراك الاجتماعي والحياة داخل البيت المغربي في مصر، وفي ذات الوقت تناول دور التجار المغاربة في تشكيل المعالم الحضارية والعمرانية في مصر مثل إنشاء الوكالات والمساجد والأحياء ودعمهم للبنية الحياتية للحياة في المدن التي عاشوا بها.
&
في حين ان الفصل السادس والاخير قد ركز على المغاربة في الجامع الازهر، وكيف جذب الازهر المغاربة للدراسة به وكيف نظر المغاربة الى الازهر وسعوا الى الدراسة به، وركز الفصل على الرواق المغربي في الازهر واهم العلماء به، ودوره في تطوير الفقه المالكي والقضايا التي تخص المجتمع المصري &والمغربي.
&
أما عن المنهج البحثي الذي قامت عليه الدراسة، فقال د.حسام "أنه أتى انطلاقًا من فكرة التكامل المنهجي وانتهاجًا للموضوعية العلمية رؤى تكوين منهج توليفي يتلاءم وطبيعة الدراسة، وقد تضمن ذلك منهج البحث التاريخي، واستخدام المنهج التاريخي هنا لا يعد نوعًا من السرد التاريخي للأحداث للمادة العلمية الجديدة فقط، ولكنه بمثابة استخدام للمعطيات التاريخية وتوظيفها بالقدر الذى يتيح القدرة على ربط المتغيرات التي طرأت على العناصر المكونة للأوضاع السياسية والاقتصادية للمجتمع المصري ابان هذه الفترة التاريخية، وكذلك المنهج التحليلي والذي استخدم بغرض تحليل المعلومات والبيانات التي قام بجمعها الباحث مستخدمًا العديد من الاساليب مثل القياس الكمي المتعلق بتكوين جداول مختلفة واستخدام الارقام، وكذلك المنهج المقارن وذلك من اجل مقارنة العائلات المغربية ببعض العائلات الشامية والتركية والمصرية، من اجل فهم الصراع المجتمعي على ادوات النظم السياسية والاقتصادية المتاحة.
&
وأشار د.حسام إلى أن المادة العلمية استقت الدراسة اغلب مادتها العلمية من ارشيف المحاكم الشرعية، حيث كانت سجلات هذه المحاكم المادة الدسمة التي اعتمدت عليها بوصفها دراسة اقتصادية اجتماعية، حيث كانت المحاكم الشرعية ذاكرة المجتمع والادارة في العصر العثماني، فلم تكن مكانًا لفض المنازعات والحكم على الخارجين على القانون والاعراف، بقدر ما كانت تقوم بدور الشهر العقاري والسجل التجاري، فقد كانت المحكمة اداة لتسجيل الملكيات العقارية والاوقاف وعقود انشاء الشركات والمؤسسات التجارية، وتسجيل تركات المتوفين وتحصيل ديونهم او سداد ما عليهم من تركاتهم، كما كانت المحكمة اداة اشهار وتسجيل للقوانين والاحكام فتسجل بها اسعار السلع المختلفة مما يجسد الحياة اليومية للمجتمع، كما انها سجلت تطورات الحياة الاجتماعية والزواج والطلاق اضافة الى انها توضح التطور العمراني والحضري للمدن المصرية.
&
وأضاف د.حسام أن هذه المحاكم تجسد مؤسسة حقيقة نمتلك من سجلاتها فعليا اكبر رصيد وثائقي في بواكير تاريخنا الحديث، لذلك يمكن القول بأن سجلات هذه المحاكم قد تكاملت مع كتابات الرحالة المغاربة والاجانب والمخطوطات والمصادر والحوليات العربية في سد الكثير من ثغرات هذه الدراسة، فضلاً عن المراجع العربية والاجنبية والمقالات العلمية والرسائل الجامعية.
&
وأوضح "انه اذا كانت الثروة هي عماد الاقتصاد والتجارة، فهي ايضا محك معياري للتعرف على القوى الاجتماعية "الفاعلة والمهمشة" وتحديد مواقعها داخل بناء المجتمع، وتعد وثائق المحاكم الشرعية مصدرًا ثمينًا يغرى بقوة لدراسة هذا الموضوع، اذ الا ترصد هذه الوثائق تركات العائلات والافراد فحسب، وإنما تحوى كذلك معلومات غزيرة عن الطريقة التي تكونت بها تلك الثروات، كما تبدو غنية ايضًا بالكثير من التفاصيل الدقيقة عن المراحل التي تطورت خلالها الثروة، وآلية انتقالها بين الورثة من جيل الى جيل، بالإضافة إلى الظروف المختلفة التي ساعدت على تناميها أو تلاشيها".


.jpg)



















التعليقات