قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&منذ أن وعينا، ونحن نقرأ ونسمع، بغض النظر عن الجيل الي ننتمي إليه، بأن ثقافتنا عريقة، لأنها تمتح من مصادر ومرجعيات متأصلة، في تربة وادي الرافدين، من جهة، والثقافة العربية- الإسلامية من جهة ثانية. لكن قناعة الإنسان العادي تبدو مختلفة نوعا ما، نظرا لأن الحياة اليومية القاسية تطحنه، وتهدد حياته المخاطر الأمنية وسطوة السطة، فتدفعه كل هذه الظروف إلى تقديم تنازلات، لو كان متسلحا بالوعي والمعرفة والثقافة لما قدمها بسهولة، على أقل تقدير. منذ سنوات، ونحن نقرأ ونسمع شعارات من مصادر متنوعة، عن أهمية الوطن، والدفاع عنه، فمات من مات وعاش منْ عاش، متسربلا بهذا الشعور.&
& منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم، والكل يلاحقه ساطور عزرائيل. فلا صدقت تلك الشعارات المرفوعة وتحققت، ولا غابت، ولا &شعر الناس بالراحة والطمأنينة. أخذ الفرح يبتعد يوما بعد يوم، عن موائد وحياة العراقيين. لكنه، لا أحد كلف نفسه عناء تفحص أسباب ما حدث ويحدث. لقد اصطرعت شعوبٌ قبلنا، وتوقفت عن الاقتتال الذي لا طائل من ورائه، أما لماذا اتخذوا هذا الموقف؟ فلأنهم توصلوا إلى هذه النتيجة بعد تجارب مريرة اتسمت بالتناحر والتقاتل ومضيعة الوقت والجهد والمال. توقفوا بعد أن وعوا أن الدمار الذي لحق بهم كان جراء جهلهم وضيق أفقهم. حينما تتحضر المجتمعات، يأخذ الصراع فيما بين الأطراف المتنافسة صيغا متحضرة كذلك. يعني غلبة النزوع إلى التمسك بالعقل والحكمة وبالقوانين الوضعية(والشرعية من الناحية الأخلاقية) لفض النزاعات والمشاكل، والابتعاد قدر المستطاع عن هدر كرامة المختلف أو سفك دم الآخر، من أبناء الوطن الواحد.&
& &من بين أهم مشاكل العراق على مر العقود الماضية، هو سيادة الجهل والضحالة الثقافية والمعرفية، وانعدام ثقافة التسامح، والإحساس بواجب الدفاع عن حق الآخر – المواطن، بقدر الدفاع عن النفس، وأن من حق كل مواطن، مهما كان شكله ولونه ومذهبه أن يعيش حرا، ويفكر حرا، ويعمل حرا، بشرط الخضوع لمعيار المواطنة، وما يسنه ويرتضيه القانون، ويقتضيه العمل الشريف. كانت النظرة للثقافة، من جانب السلطة، تستند إلى كونها أداة لتثبيت ركائز السلطة والحزب. وهذا أحد أسباب انتكاسة الدولة العراقية الحديثة. المجتمع الجاهل الذي لا يحترم المعرفة والثقافة، لا يمكن أن يعطينا طبقة سياسية وعلمية كفوءة.
& منذ عشرات السنين، ونحن العراقيين، نعيش في حالة من الخوف حتى من أبسط شرطي، في ظل أوضاع يتضاءل أو ينعدم فيها الوعي بأن ثقافة القطيع لا تصنع بلدا، ولا مستقبلا شخصيا، ولا مذهبيا ولا عائليا، ولا تبني وطنا مهما كانت طبيعته، ولا تدفع عنه شرور المتربصين. ينقص الكثيرين إيمان فعلي، بأن هناك أولويات أعظم وأكثر نبلا، من المصالح الشخصية والفئوية الضيقة ذات الأرجل القصيرة. إن ثقافة التسامح والخلق والإبداع إذا ما جرى السير على نهجها، وتوظيفها وتوجيهها، تخلق مثل هذا الإيمان الإيجابي، في داخل الفرد والجماعة. وإذا ما جرى تأصيلها وشرعنتها، ستقينا جميعا، من التهلكة وشر المخاطر، وستدفع الموت المجاني عن أبنائنا وأهلنا. إذا لم يعمل الجميع على احترام حياة الفرد سيموت الجميع موتا مجانيا محفوفا بالعار. مثل هذه الأرضية الصلدة، لا يمكن أن تنخلق، بدون عمل معرفي وثقافي حقيقي، وهذا لا يمكن أن يحصل بدون مشروع ثقافي ومعرفي واضح وملموس، يقوم بطمأنة طموحات العراقيين، أفرادا وجماعات. &
& &في ظل تدهور أحوال العراقيين، معرفيا وثقافيا، وأمنيا، وفي ظل تزعزع فانهيار ثقتهم بالدولة وبمؤسساتها وبسياسييها، يجري الحديث بشكل متسارع ومتواتر، وفي ظل أجواء متلبدة ومتوترة، عن تغيير وزاري يستند إلى النزاهة والكفاءة والاستقلالية. &حتى أن البعض أخذ يراهن على انقاذ البلاد والعباد، بفضل هذا التغيير المفترض. في هذه الأوقات والظروف، ترد الثقافة ووزارة الثقافة في ذيل قائمة التغيير، وكأننا شبعنا ثقافة وأدبا ومعرفة وتسامحا ورحابة صدر، وما علينا سوى القيام بتصديرها للخارج، لأنها فائضة عن حاجتنا!&
& فهل يا ترى، هناك من يهتم فعلا بالثقافة، من قبل القوى المتصارعة على السلطة والنفوذ والجاه في العراق، ويعي أهميتها وخطورتها في حياة الفرد والمجتمع؟ ثم، عن أي ثقافة تراهم يتحدثون؟ مَنْ مِنْ هذه القوى، أحزابا ومنظماتٍ وطوائف، يرى في الثقافة نفعا، وللثقافة دورا، لا يقل أهمية عن الأسلحة المشهورة في السر والعلن لمحاربة الفساد والإرهاب؟ نقول: لا أحد، باستثناء نفر مكتوٍ بهموم الثقافة والوطن! والآن، كيف يمكننا أن نرى العراق دولةً ووطنا، أهلا للعيش الكريم، ومكانا صالحا للتفكير، والخلق والعمل الشريف؟ نقول، لا يمكن أن يتحقق ذلك إطلاقا، بدون أحترام وإعلاء دور ثقافة الشعب الروحية والمادية.&
& إن من بين أسباب تردي العقلية العراقية على مرّ السنوات الماضية، ومن بين أسباب تخلف الوضع العام، وانحطاط مستوى الخطاب السياسي وحتى الديني في البلاد، هو ناجم عن تخلف النظرة للمعرفة والثقافة، وإبراز دورهما في إعادة الشعور بإنسانية المواطن العراقي وحقه في الوجود والتنفس والعيش الكريم أسوة بشعوب الأرض، وفي كونه وريثا لحضارة وثقافة عريقتين، لا يمكن السير قدما بدون إعطاهما ممرا آمنا لإثبات الوجود.
&بالاستناد إلى ما تقدم، وبما أن وزارة الثقافة، والتعليم العالي، والتربية، مشمولة بالتغيير المرتقب، نقول: لا يمكن، لأي مسئول ثقافي أو وزير ثقافة، أن يقوم بتغيير هذه الصورة السيئة عن الثقافة والمعرفة، ثم المساعدة في تنقية الأجواء في البلاد، بدون أن تكون لهذا المسئول المرتقب، صلاحيات واسعة، على صعيد وزارته أو مؤسسته أولا، وبدون برنامج عمل دقيق ومفصل ملموس ثانيا، وبدون نزاهة وجرأة وحزم، وإجراءات سريعة واقعية ثالثا، وبدون تدخل هذا المسئول وذاك بعمله وقراراته(خاصة وأن الرأي العام يفترض في هذا المسئول المنتخب الاستقلالية والنزاهة)، أقول، كيف يمكن الابتعاد عن ضغوط المنظمات والأحزاب السياسية المتنفذة، والنزعات المذهبية والطائفية رابعا، ما أهمية التغيير، بدون أن تكون الثقافة، في بلد مثل العراق، مستندة إلى مرجعية التعددية وموزائيكية بلاد الرافدين المعهودة خامسا، وليس أخيرا.
& &أقول، بدون هذا وذاك، سيبقى أي منصب في المؤسسات الثقافية والأكاديمية والتربوية، فارغا من محتواه، وسيكون وبالا على من سيناط به مهمة وزارة الثقافة وسواها، في الظرف الراهن، حيث تختلط المفاهيم والمعايير والآراء وتتصارع فيما بينها بشكل رهيب، في ظل غياب الرؤى السليمة التي يمكن معرفة نفعها من عدمه، من خلال وضعها على محك مطابقتها لمتطلبات المصلحة العامة.
علينا أن نعي حقيقة، أن كل ما من شأنه أن يتعارض والمصلحة العامة، وشرف وكرامة المواطنين وتطلعاتهم، فهو باطل. &
&
& د. هاتف مجيد كركور
&