قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

في يوم واحد اطلعت على بيانين صادرين عن قوى سياسية كردية سورية متعارضة، لكنهما يتشاركان في التعمية على حقوق الكرد السوريين الناصعة الوضوح. الأول كان بيانا صادرا عن الإدارة الذاتية لـ "شمال وشرق سوريا"، وهي أخر تسمية لإقليم الجزيرة الواقع ضمن حدود سوريا، والتي تم اعتمادها من القوى الكردية السورية المتفرعة عن حزب العمال الكردستاني التركي التي تحكم الإقليم، بعد ضغوط أمريكية متواصلة لتحسين فرص قبولهم من السكان المحليين، بعد سيطرتهم عليه بشكل تام كنتاج لنهاية الحرب مع تنظيم الدولة الإسلامية الذي قتل "خليفته" قبل قليل. أما الثاني فهو خطاب عبد الحكيم بشار ممثل المجلس الوطني الكردي في اجتماعات اللجنة الدستورية التي تجتمع في جنيف، بصفته جزءاً من قوى المعارضة الممثلة في الائتلاف السوري الذي تسيطر على إرادته ومخرجاته الدولة التركية أيضاً.

هذا مدخل جيد لنقاش القضية الكردية السورية، فالقوى السياسية الكردية تخضع لإدارة عابرة للحدود، لكنها تدافع عن وحدة التراب الوطني السوري.فبيان الإدارة الذاتية يعدد ما قدمته الإدارة دفاعاً عن وحدة الأراضي السورية، ويستجدي السلطات الحاكمة في دمشق أن تقبل الحوار للوصول إلى ما أسماه "حل سياسي"، بينما خطاب المجلس الوطني عبر ممثله يركز في مطالبه على "حماية وحدة سوريا وسلامة اراضيها وسيادتها الوطنية" ويؤكد على أن "الشعب السوري الواحد".

يعتقد المرء لكثرة تكرار الخطاب السياسي الكردي "السوري" لـ لازمة وحدة التراب الوطني السوري، ووحدة الشعب السوري أن هذه الوحدة منصوص عليها في الكتب السماوية المقدسة، بل ربما وجد النص عليها في الألواح السومرية، التي تشكل أقدم تدوين لغوي بشري، وبالتالي فإن مخالفتها هو عبث بالمقدسات وعبث بنصوص ما قبل التاريخ، مما يجعل المطالبة بالحقوق الكردية في تضاد مع إيمان جميع المؤمنين أيّاً كانت ديانتهم، يحتاج بالتالي لكل هذه "التقية السياسية"، ويتطلب تزويراً لوقائع التاريخ القريب، التي تقول أن سوريا لا تشكل دولة إقليم، بل هي نتاج خرائط معاهدة سايكس- بيكو وما تلاها من اتفاقات دولية، وبالتالي هي عبارة عن خريطة جغرافية رسمها مستعمرون قبل مئة عام لا يعرفون عن المنطقة إلا خرائط النفوذ وقد تحولت هذه الخريطة إلى دولة، لكن هذه الدولة لم تنجز هوية تحولها إلى دولة راسخة، بل عاشت جل تاريخها كمزرعة لحكامها وهو ما ينفي عنها صفة الدولة.

فيما يخص الإدارة الذاتية التابعة لحزب العمال الكردستاني فقد قاومت هذه الإدارة بعناد لا يمكن فهمه سياسياً كافة الضغوط الأمريكية لتحويل الإقليم الذي يقع تحت سيطرتها إلى كيان قابل للعيش والاستمرار، عبر فتح المشاركة السياسية لكافة السكان، وإنجاز هياكل حكم محلية تحظى بالمصداقية المحلية قبل الدولية، ورفضت كافة دعوات الحوار من السكان لإنجاز حكم تشاركي يحظى بالديمومة، ويشجع سكان الإقليم على التمسك بالوضع القائم الذي نتج عن متغيرات في السياسة الدولية. وذلك كان يمكن له أن يصحح أخطاءً تاريخية نتجت أيضا عن متغيرات سياسة دولية جعلتالجزيرة جزءا من سوريا، ونتيجة هذا العناد والإصرار على إعادة انتاج أيديولوجيا شمولية تكرر حكم البعث المندثر في هذه المنطقة، فرطوا بمكتسبات واقعية كان يمكن أن ينتج عنها استقلال الإقليم. خصوصاً وأنهذا الإقليم بحدوده التاريخية المعروفة، وبمكوناته السكانية الحالية يمتلك هوية مشتركة للسكان؛ تقوم على الثقافة المشتركة، وطرق تحصيل العيش،والوجود التاريخي المشترك لآلاف السنين، وهو ما يقدم أرضية صلبة للمطالبة بحق تقرير المصير والانفصال عن سوريا. لكن الإدارة الذاتية فرطت بكل هذا حتى وجدت نفسها في المآل الأخير تستجدي سلطات دمشق للقبول بالحوار معها، والتي لم تقبل بأقل من حل نفسها والعودة الفردية لعباءتها الفاشية.

أما خطاب المجلس الوطني الكردي في اللجنة الدستورية غير الشرعية، التي شكلتها دولا فاعلة في الملف السوري تحت عباءة الأمم المتحدة، لم يكن بودي التعليق عليه، ذلك أن الملهاة الدستورية برمتها تجري بمعزل عن السوريين، لولا أنه طرح نفسه ممثلاً لغالبية الكرد في سوريا في تزويرٍ فادح للوقائع، كما وادعائه أن سوريا شعباً واحداً ودفاعه المستميت عن وحدة "التراب الوطني". وهو ما يزايد على أي قوى سياسية تطالب بحق تقرير المصير لإقليم الجزيرة الفراتية الذي تنطبق عليه كافة الاشتراطات والمحددات القانونية الدولية لطلب هذا الحق وطرحه للنقاش العام أمام سكانه أولا، حيثيشكل الكرد جزءا أصيلا منهم. وبغض النظر عن المطالب التي طرحها ممثل المجلس في الدستورية، فإن هذا الخطاب لا يعبر إلا عن الأشخاص المنضوين في المجلس الوطني الكردي، وهم أقلية مجهرية في الجزيرة.

وبصفتي أحد سكان الجزيرة الفراتية المطالبين بالاستقلال التام عن سوريا،أؤكد أن أحداً لم يستشر السكان للحديث باسمهم؛ كرداً وعرباً وعشائراً وسرياناً وآشوراً وشركساً وأرمناً وتركماناً وشيشانا وقرباطا ونوراً؛ وإذا كان لدى المجلس تفويضا بهذا الخصوص فليبرزه؛ ولا أحد مخول نيابة عنالسكان بالحديث عن البقاء في سوريا الموحدة أيّاً كان حاكمها وأيّاً كان دستورها. نحن شعب لنا هوية مشتركة متمايزة عن بقية السوريين ومطالبتنا بحق تقرير المصير مكفول وفق شرائع حقوق الإنسان وحقوق السكان والشعوب.

كما أتوجه مخلصاً للقوى السياسية الكردية في الجزيرة على وجه التحديد والخصوص، والتي تمثل مركز الثقل الديموغرافي للكرد السوريين، أن تكف عن خطاب الاستجداء المشين الذي اعتادوا عليه، وأن ينفضوا يدهم من "الرغاء الوطني" حول وحدة سوريا، التي هي وحدة مصطنعة تفتقر لهوية جامعة، وقامت هذه الوحدة منذ نشوئها على قمع السكان وتعطيل مطالبهم المشروعة.

إن تكرار السياسيين الكرد لـ لازمة "وحدة سوريا" بشكل ممل لأثبات "وطنية" لوطن وهمي لم يتشكل يوماً؛ وتقديم براءة ذمة وحسن سلوك "وطني"، لقوى سياسية مزورة ومصنعة مخبرياً لا تمثل شيئا، لا في وطن واقعي ولا في وطن متخيل حتى، يتجاهل مطالب السكان في إقليم الجزيرة ورغبتهم في حق تقرير المصير المشروع قانوناً.

ونجد أن الاجدى للسياسيين الكرد من سكان الجزيرة المطالبة بالاستقلال التام والانفصال لكامل الإقليم عن سوريا التي صادرت وستصادر حقنا التاريخي بأراضينا بكل مكوناتنا، وأن يطرحوا أنفسهم كممثلين لكافة مصالح سكان الإقليم بدلا من السياق الضيق الذي يضعون أنفسهم فيه، وأن يذهبوا لقراءة القوانين والمعاهدات والمواثيق والأدبيات الدولية التي تعطينا هذا الحق بشكل واضح، بدلا عن خطابات الانشاء "الوطنية" التي تزور الواقع.

نريد أن ننشئ وطناً مستقلا جديدا على أرضنا التاريخية، يتشارك جميع سكان الجزيرة في بنائه من نقطة الصفر، وعندها لن يكون هناك مكاناً لخطاب الاستجداء المشين، لأيٍ من الجماعات السكانية التي تعيش على أرضها، وليس لأحد منة في منحها هذا الحق.

وننصح هذه القوى، بدلا من اللهاث وراء قوى المعارضة التي تتحكم بمساراتها الدول الفاعلة في الملف السوري،أن يشاركوا بقية السكان المطالبة باستقلال الجزيرة لتكون وطناً مشتركاً ونهائياً لسكانها الذين عاشوا آلاف السنين متآخين قبل أن تفتتهم الدولة السورية الحديثة لإثنيات وطوائف وشيع ومذاهب، وأقليات وأكثريات، لتنهب مواردهم وتصادر أراضيهم وتغير أسماء مناطقهم وتنتهك حقوقهم وتمنع لغاتهم وثقافاتهم من التداول.