قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

في الفكر الديموقراطي، الليبرالي منه على وجه التحديد، تعتبر خيارات الناس وحقوقهم الفردية والجماعية أولوية، بما فيها حق تقرير المصير لأي جماعة بشرية تعيش تاريخيا على جغرافيا محددة. وفي الدول الديموقراطية المعاصرة تعتبر المطالبة بالحكم الذاتي أو الفيدرالية أو الانفصال حق سياسي، يجري ضمن إطار العملية السياسية من أنصاره ومعارضيه، ورغم أن الانفصال عن دول مكرسة الحدود يحدث بشكل مستمر إلا أن الدول تضع أمامه عراقيلا شائكة، لكن السياسيين المعارضين له لا يمكن أن يستخدموا لغة تقع تحت طائلة القانون للتنديد به، كإطلاق أوصاف الخيانة الوطنية وما شابه، الشائعة في البلدان التي لا تحكمها دساتير وقوانين نافذة.

هناك على سبيل المثال في مقاطعة سكونا السويدية حزب صغير يدعو لاستقلال المقاطعة عن السويد، وشاهدت مرة مسيرة صغيرة لهم في شوارع مالمو دون أن يعتدي عليهم الوطنيون السويديون.

في هذا المقال سأناقش جوانب من موجبات ومسببات طرح مشروع استقلال الجزيرة الفراتية عن سوريا. ومن المفيد التنويه أن طرح هذا الأفكار لا يتعلق بوضع الانسداد الحالي الذي تعيشه سوريا تحت الحكم الحالي الذي عانت منه كل سوريا والسوريين، إذ أن مشكلة الجزيرة أكثر تركيباً وأعمق زمناً. ولا يتعلق فقط بالأوضاع الحالية التي تعيشها منطقة الجزيرة.

في المصطلح والجغرافيا

دون الذهاب بعيداً في التاريخ لتحديد النطاق الجغرافي لمصطلح إقليم الجزيرة وحوض الفرات، فإن تسمية "الجزيرة السورية" تطلق حالياً في الأدبيات المستقرة على الأراضي الواقعة بين نهري دجلة والفرات، والتي تتبع سوريا حالياً بموجب ترسيم الحدود النهائي بين العراق وسوريا وتركيا، الذي نتج بشكل أساس عن اتفاقية سايكس- بيكو (1916 م) لتقاسم المنطقة إبّان انهيار الإمبراطورية العثمانية، وما تلاها من معاهدات، وما نتج عنها من تأسيس الدول الحديثة التي تقاسمت بلاد ما بين النهرين. أخر خرائط العهد العثماني (1895 م) توضح أن الإقليم كان يطلق عليه ولاية الچول وعاصمتها لواء دير الزور، والتي تضم أراض تقع حالياً في العراق وتركيا إضافة لسوريا.

المقصود بإقليم الجزيرة الفراتية في هذا المقال هو الأراضي الواقعة بين نهري دجلة والفرات وضفاف نهر الفرات التي تسمى الشامية، والتي تقع بمحاذاة بادية الشام، إضافة إلى أراضي حوض الفرات التي تقع على الضفة الغربية له من الحدود التركية الحالية وحتى انعطاف الفرات نحو الشرق في المنطقة التي تشكل حالياً بحيرة سد الفرات. شكلت هذه المنطقة عبر التاريخ إقليماً متجانساً محدد الملامح والحدود، يتمدد أحيانا وينكمش في أحيان أخرى حسب تعاقب الإمبراطوريات والدول على هذه المنطقة. إذاً وفقاً للتقسيمات الإدارية الحالية في سوريا يقصد بإقليم الجزيرة، الحدود الإدارية لمحافظات دير الزور، الرقة، الحسكة، وبعض الأراضي التي تتبع إدارياً لمحافظة حلب سواء كانت شرق الفرات أو جزء من حوضه الغربي.

سكان إقليم الجزيرة

عاش على أراضي هذا الإقليم جماعات بشرية متنوعة منذ ما قبل الحقبة السومرية حتى الآن، ودون الخوض في تفاصيل قدم وجود هذه الجماعات البشرية أو تاريخها، فإنه من الثابت تاريخيا أن الكلدان والسريان والآشوريين والكرد والتركمان والعرب والعشائر الزراعية التي تعربت لاحقاً هم سكان أصليين في هذا الإقليم منذ ما قبل الفتح الإسلامي على أقل تقدير، وتبعا للتغيرات السياسية حدثت تحولات ديموغرافية عديدة نتج عنها تغيرات في النسب السكانية، وأضيف لسكان الإقليم أثنيات جديدة من الأرمن والشيشان والشركس الذين يعتبرون الآن سكاناً أصليين في هذا الإقليم. وكما هو واضح تشكلت المنطقة من مجموعة ثرية من الإثنيات والأعراق واللغات والأديان التي لم تقتصر فقط على اليهودية والمسيحية والإسلامية. وتكاد تكون الجزيرة من المناطق الأكثر ثراءً في العالم باللغات والأديان والأعراق.

الهوية المشتركة

رغم أن الهوية مصطلح حديث نسبياً إلا أنه تم تطبيقه بشكل واسع بأثر رجعي، وما يعنينا في هذا المقال هو الهوية الاجتماعية التي يقصد بها السمات المشتركة الأساسية لجماعة بشرية وتميزهم عن جماعات بشرية أخرى. وليس من الضروري أن تنطبق عناصر الهوية كليّاً على كل أفراد الجماعة، فهم قد يختلفون ببعض العناصر لكنها لا تؤثر في كونهم جماعة. كما أن عناصر الهوية غير ثابتة و يمكن أن يبرز بعضها في مرحلة معينة ويضمر بعضها في مرحلة أخرى، وقد تختلف عناصر الهوية بين الجماعات أيضاً، فقد يكون الدين أو اللغة أو الأصل العرقي محدداً أساسياً في تشكيل هوية جماعة معينة، لكنه لا يكون كذلك لدى جماعة أخرى.

ترتبط عناصر الهوية الاجتماعية لسكان الجزيرة؛ بالوجود التاريخي المشترك على بقعة جغرافية محددة لأحقاب تاريخية تمتد لآلاف السنين، طرق تحصيل العيش التي استندت إلى الزراعة بشكل أساس إضافة للرعي وأنتجت تقاليدا وقيما مشتركة عبرت حاجز الدين واللغة والأصل العرقي، الثقافة المتنوعة والثرية التي تشمل الفنون والتعابير والأمثال والحكم، إضافة للأعراف والقوانين العرفية غير المكتوبة التي نظَمتْ العلاقة الداخلية للجماعة الواحدة إضافة للعلاقة البينيّة بين المكونات المتجاورة، حتى في ظل غياب الدولة أو ضعفها الذي حدث لمرات عديدة ومديدة عبر عيشهم المشترك. ورغم وجود الهويات الفرعية المتنوعة في الجزيرة إلا أنها لم تكن يوماً عامل احتراب ونزاع، وهذا لا ينفي حدوث نزاعات على حدود الملكيات والمراعي كما يحدث لدى كل الجماعات المتحاورة. وقد اختلف مركز السلطة في هذه المنطقة عبر التاريخ وانتقلت بين الآشوريين والكلدان والسريان والعرب والكرد، لكن التاريخ لا يخبرنا عن حدوث انتهاكات بين سكان الجزيرة أنفسهم، إذا ما نحينا العوامل والحروب ذات المصدر الخارجي أي التي يكون سببها الإمبراطوريات والدول التي تسيطر على هذا الإقليم وتستخدمهم أداة ضد بعضهم البعض أحيانا وحتى هذا كان نادر الحدوث.

إذاً يمكن اعتبار سكان إقليم الجزيرة الواقع في سوريا حالياً، يشكلون هوية مشتركة وفقاً لمعايير ومحددات الهوية في تعاريفها الحديثة تقوم على التنوع في إطار وحدة الهوية الأساسية.

موجبات الاستقلال

لم يرتبط إقليم الجزيرة مع دولة سوريا المتشكلة في عام 1918م قبل هذا التاريخ، حتى عندما كانت ولاية أو ولايات تتبع هذه الإمبراطورية أو تلك. بل ما تزال المناهج الدراسية السورية تدرس طلابها حتى يومنا هذا أن هذا الإقليم يتبع تاريخياً العراق، بالرغم من أن ذلك يأتي في ترويج الوحدة القومية ونقد التجزئة واتفاقية سايكس-بيكو.

تعاملت الأدبيات السورية مع الجزيرة وحوض الفرات في المناهج الدراسية والإعلام والمنتج الثقافي بشكل عام على أنها سلة غذاء سوريا ومصدر الموارد الطبيعية والثروات الباطنية، ويأتي ذلك في سياق تجهيل تام للسكان، وإغفال تام أيضاً لاحتمالية أن يكون لهؤلاء السكان هوية مختلفة؛ لذلك وعلى سبيل المثال تفاجئ السوريون بوجود الكرد ولغتهم ومطالبهم التي تخص هويتهم الثقافية والأثنية المختلفة، وبدرجة أقل حدث ذلك مع السريان والآشوريين، بينما لم يسمعوا حتى وقت قريب بالتركمان أو احتمال اختلاف هوية العشائر عن خطاب المحددات السورية كما وردت في المناهج القومية والوطنية، ورأوا أن ذلك ظهر فجأة دون سياق زمني أو عمق تاريخي فكان من الطبيعي بالنسبة لهم أن يلصقوا خطاب الهوية لمكونات الجزيرة مجزأة أو مجتمعة بالمؤامرة والمخابرات الدولية وتدمير الوطن التاريخي الذي يتعامون عن أنه لم يوجد قط قبل اتفاقية سايكس-بيكو.

منذ استقلال سوريا الحديثة منع التراث الثقافي الغني والمتنوع لسكان الجزيرة بشكل شبه تام من الظهور في كافة وسائل الاعلام؛ كما منع من التداول في المؤسسات الثقافية والتعليمية؛ حتى في الدراما السورية والتمثيليات والبرامج الإذاعية ظهرت شخصيات سكان الجزيرة دائما بوصفها تمثل التخلف والجهل. هذا لا يخص الكرد واللغة الكردية فقط بل طال المنع تراث الأشوريين والسريان والأرمن والشيشان والشركس والتركمان ولغاتهم وتراث العشائر الناطقة بالعربية ولهجاتها. وكانت عادات وتقاليد وملابس ولهجات ولغات وفنون وثقافة أهل الجزيرة محط ازدراء عموم السوريين، نخبهم الثقافية قبل عامتهم. وعلى سبيل المثال، في الوقت الذي تتغنى فيه الأدبيات السورية باللغة السريانية التي تعد من أقدم اللغات الحيّة، فقد تم منعها ومحاصرتها، بينما جامعات العالم في أقاصي الأرض تنتج لها القواميس من أجل الحفاظ عليها.

على الجانب الآخر لم يكن لدى أيّاً من مكونات الجزيرة وحوض الفرات أية حساسية تجاه بعضها البعض من حيث؛ اللغة، العرق، الدين، الطائفة، المذهب، الثقافة.. وكان كل هذا التنوع يشكل هوية جامعة تقوم على أساس زراعي لها قيما مشتركة وأعراف جامعة وحدود ناظمة للعلاقات بين كل هذه المكونات. كما لم يلتزم سكان الجزيرة بمقررات القومية العربية الأمنية الحاكمة؛ فبقيت أعراسهم وأفراحهم وأتراحهم مختلطة الأغاني والهموم ولم تكن اللغة حاجزاً بينهم يوماً. بل ستجد في الجزيرة بشكل واسع ممن يجيدون أكثر من لغة في منطقة من أكثر مناطق العالم ثراءاً باللغات واللهجات؛ تعلموها من الجوار والعيش المشترك لا من المناهج التي لا تعترف بلغاتهم وتمنعها.

خطاب الاستقلال الداخلي

كانت الجزيرة دائما منطقة مهملة، منهوبة، تم التعامل معها كأراضٍ محتلة وبعقلية المستعمر، لم يختلف هذا كثيراً منذ الاستقلال، وبغض النظر عن السلطة الحاكمة، بل إن التصورات السلبية المسبقة منتشرة عند عموم السوريين عن سكان الجزيرة بكافة أثنياتهم وعلى اختلاف دياناتهم ولغاتهم. واستخدم هؤلاء السكان في معارك الأنظمة ضد السوريين، وكانوا دائما حراس الجبهات والحدود، وأول من يقتل في المعارك، سواء كانت داخلية أو مع أطراف خارجية، دون أي تمثيل أو اعتبار لمصالح المنطقة والسكان، رغم أنها تشكل مصدر ثروات سوريا الباطنية والطبيعية، ومصادر طاقتها، ومصدر مائها وخبزها ولبسها.

تم التعامل مع سكان الجزيرة ككتلة سكانية مهمشة، لم تحصل في يوم من الأيام على تمثيل يذكر، حتى في هياكل المعارضة الحالية ولجانها وهيئاتها، فعلى سبيل المثال حتى في اللجنة الدستورية المشكلة حالياً لا يوجد تمثيل للجزيرة. وهكذا يمكن القول أن الفترة الوحيدة التي حصلت فيها منطقة الجزيرة بكافة مكوناتها على تمثيل عادل، جعلها ذات وزن في المعادلة السياسية السورية، أهلها للدفاع عن مصالحها وحقوقها، هي فترة الاستعمار الفرنسي فقط.

لا أريد الحديث والإسهاب حول الانتهاكات الجسيمة والمستمرة بحق السكان الأصليين في الجزيرة بكل مكوناتها، التي يعرفها حتى أطفالها، منذ الاستقلال، ووضعها تبعا لخرائط معاهدة سايكس- بيكو وما تلاها ضمن هذه الدولة التجميعية التي لم تكن يوما بلدا واحدا، ولا يمتلك الحدود الدنيا من الهوية الموحدة، ذلك بغض النظر عن السلطة الحاكمة، وقد آن آوان الافتراق عن هذا الكيان الهش المسمى سوريا.

أدوات الاستقلال

إن كفاحنا من أجل الاستقلال يجب أن يكون سياسياً سلمياً، يركز على هوية مشتركة لأهل الجزيرة دون نفي هوياتنا الفرعية التي تشكل مصدر فخر وغنى لنا. لن يكون خطابنا موجها للعالم ولا لبقية السوريين لإقناعهم بعدالة مطالبنا، بل علينا أن نتوجه أولا لأهلنا سكان الجزيرة، لفك ارتباطهم الذهني مع عقلية التخوين التي تربط أي نداء لنيل الحقوق، التي تقرها المواثيق والأعراف الدولية بالمؤامرة، وتشجيعهم على عدم الخوف من طرح تقرير المصير. ونحن نعلم أن نداء الاستقلال سيواجهه بقية السوريين من كافة الأيديولوجيات بخطاب شرس، لن يختلف فيه أو عليه القومي عن الإسلامي عن اليساري، يقوم على إلصاق كافة التهم بنا، إذ يجب أن لا تضيرنا الافتراءات والانتهاكات الجديدة فنحن طلاب حق.

لدينا كافة العناصر التي تؤهلنا لقيام دولة مستقلة مزدهرة ترتبط بعلاقات حسن جوار مع جميع الدول المجاورة وشعوبها بما فيهم الأشقاء السوريين. وعلى أهل الجزيرة بكل مكوناتها القديمة الذين تعايشوا لآلاف السنين قبل قيام الدولة السورية، والمكونات الحديثة التي قدمت إلى بلادنا وعاشوا فيها كسكان أصليين، أن يدركوا أن تقسيمنا لأثنيات وشيع وطوائف حدث في ظل الدولة السورية الحديثة، وآن أن نجتمع مرة أخرى على هويتنا الزراعية الناجزة التي تخطت حاجز اللغة والدين عبر التاريخ كما ورد.

سنخوض صراعا سياسيا سلميا من أجل الاستقلال؛ على الرغم من أننا ندرك أنه قد لا يثمر شيئا في حيواتنا، ولكن سنورث هذه الراية للجيل أو الأجيال القادمة الذي إن لم يحققوا الاستقلال فسيبقون كتلة سكانية مهمشة منهوبة الموارد ومهملة ومحتقرة ودون تمثيل سياسي يعبر عن مصالحهم.