فالولايات المتحدة لا تريد خوض حرب مع إيران؛

بعد ارتفاع حدة التواتر بين طهران وواشنطن عقب اعتداء ميليشيات الاحزاب العراقية الموالية لإيران على السفارة الأميركية في بغداد في 29 ديسمبر 2019, قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب : ( أنا أريد السلام لأني أحب السلام , وينبغي لإيران أن تريد السلام أكثر من أي دولة أخرى, لذلك لا أرى حربًا سوف تحدث بين واشنطن وإيران).

لمن يراجع ذاكرته ويدقق في تفاصيل ماحدث في انتفاضة عام 1991 ضد نظام الدكتاتور صدام حسين الحاكم آنذاك يعرف جيدا إن الولايات المتحدة الامريكية لعبت دوراً كبيراً في إسقاط الانتفاضة عام 1991 بعد أن سيطر الثوارفيها على( 14 )محافظة عراقية، لكنهم قمعوا فيما بعد على يد النظام السابق وبغطاء مباشر من أمريكا وبالتالي انها تتحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية في الإطاحة بتلك الانتفاضة الشعبية التي كادت أن تنهي نظام صدام حسين وحكم حزب البعث الفاشي منذ ذلك الحين.

وان كلام السفير الأمريكي في العراق انذاك السيد (جيمس جيفري ) واعتذاره للساسة وزعماء العشائر العراقية عن عدم دعم حكومة بلاده للانتفاضة الشعبية عام 1991 خير دليل على دور واشنطن الخبيث في مساعدة النظام العراقي البائد بقمع الانتفاضة وقتل واعتقال وتشريد الآلاف من العراقيين.

التاريخ يعيد نفسه :

لم تأتِ عبارة ( التاريخ يعيد نفسه) من فراغ، فمن يقرأ التاريخ يلمس حقيقة تلك المقولة ويعاين وضوحها، فالولايات المتحدة الامريكية التي قادت قوات التحالف الدولي والإقليمي لم تكن تريد ان ينهار ويسقط نظام صدام حسين على أيدي ابناء الشعب العراقي الذين انتفضوا في أذار عام 1991 , وكان ممكنا ان يقيموا على انقاض النظام البعثي الفاشي بديلا لاترضى عنه امريكا ( عدوة الشعوب ).

ان هذا الواقع بدلالاته العميقة ظل يتحكم بالدور الامريكي بصفته الابرز والاهم دوليا , فبرغم التظاهر بمساعدة المعارضة العراقية انذاك , ادت التدخلات الامريكية الى إيذاء المعارضة الحقيقية للنظام البعثي البائد واضعافها , لانها كانت تنظلق من تقدير يقول ( ان نظاما بعثيا ضعيفا ومعزولا خير من بديل غير معروف وغير مسيطر عليه ) , هذا فضلا عما كان يتحيه بقاء النظام البعثي من امكانيات لاستخدام نزعاته العدوانية لتعزيز الوجود الامريكي في المنطقة واستنزاف دول المنطقة الغنية بالموارد الطبيعية ومنها النفط والغاز بتحميلها نفقات وجودها وتسديد الاثمان الباهظة بمليارات الدولارات للاسلحة الامريكية والغربية الاخرى التي تفرض عليها.

ومازال هذه السياسة القذرة وهذا التقدير يتحكم في سلوك الادارة الامريكية, فالولايات المتحدة الامريكية برغم تظاهرها بمساعدة المنتفضين العراقيين الذين يريدون وطن ,لاتريد ان تنهار وتسقط الحكومة العراقية الحالية على ايدي المنتفضين الذين يهتفون :

( لا للعراق الأميركي ولا للعراق الإيراني , نعم للعراق العراقي فقط).

الحكومة العراقية تتلقى ( قبلة الحياة ) من الولايات المتحدة الامريكية :

ان الضربات الجوية الأمريكية التي استهدفت مواقع لكتائب حزب الله العراقي وأسفرت عن مقتل 25 عضوا في الكتائب التي تشكل جزءا من قوات الحشد الشعبي التابعة للقوات المسلحة العراقية كان بعلم ( عادل عبدالمهدي ) بعد ان ابلغه وزير الدفاع الامريكي بانه سيتم مهاجمة مقرات كتائب حزب الله قبل الهجوم بساعات( راجع حديث عبدالمهدي عن الضربات الامريكة لكتائب حزب الله العراقي ). وهذا يعني ان امريكا ارادت بضرباتها الجوية ان تمنح قبلة الحياة للحكومة العراقية التي فقدت شرعيتها امام العراقيين والمجتمع الدولي , طبعا بموافقة القائد العام للقوات المسلحة العراقية ( عبد المهدي ) .

محاولة تحريف مسارالثورة التشرينية وافشال الحراك الشعبي:

لقد ادت الضربات الجوية الامريكية لمواقع حزب الله في منطقة القائم قبل ايام إلى إيذاء الثورة والثوار الذين يطالبون برحيل الحكومة العراقية الفاسدة ومعاقبة الميليشيات الموالية لإيران التي قتلت 520 شاباً عراقياً وجرحت عشرين ألفاً منهم في سوح التظاهرحتى هذه اللحظة , كما أعطت الضربة زخمًا كبيرًا لميليشيات الاحزاب الفاسدة التي تقف بوجة الشعب وتقتل وتختطف المنتفضين في ساحات النضال منذ بداية اكتوبر 2019 لحد هذه اللحظة وسمحت لها بالتسلل الى ساحات الاحتجاجات محاولين بذالك تحريف مسار الثورة وضرب المشهد الرائع لوحدة العراقيين في مواجهة السلطة الفاسدة , اضافة الى انها وحدت صفوف العراقيين خلف الاحزاب الفاسدة التي رفعت شعار ( امريكا برّه برّه, الموت لامريكا , سفارة واشنطن مكان للتخريب ـ كما رفعوا صور خامنئي وكتبوا على جدران الأبنية القريبة من السفارة الأمريكية شعار (سليماني قائدي ) وحولوا شعار ( ايران برّه برّه بغداد تبقى حرة ) الذي رفعه المحتجون العراقيون إلى ( امريكا برّه برّهإيران حرة حرة).

امريكا تُغيرالمعادلة وتخلط الاوراق كعادتها :

لقدخرجت الاحتجاجات عقب تشييع جنازات المسلحين الذين قتلوا في الضربات الجوية الأمريكية على مواقع كتائب حزب الله العراقي , بمشاركة الآلاف المحتجين العراقيينوبدعم واسناد من القوات الامنية العراقية ، بينهم قائد كتائب حزب الله أبو مهدي المهندس (مستشار قاسم سليماني)وهادي العامري زعيم ميليشيا بدر وحامد الجزائري زعيم ميليشيا سرايا الخراساني و قيس الحزاعي زعيم ميليشيات العصائب وفالح الفياض رئيس هيئة ميليشيات الحشد الشعبي و نواب عن الجناح السياسي لميليشيات الحشد في مجلس النواب العراقي. ، في المسيرات الاحتجاجية، التي توجهت نحو المنطقة الخضراء، حيث توجد مكاتب للحكومة العراقية وسفارات.

لقد سمحت قوات الأمن العراقية للمحتجين وفي مقدمتهم( كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وبدر والنجباء وسرايا الخراساني وكتائب الإمام علي وكتائب سيد الشهداء) وميليشيات أخرى بدخول المنطقة الخضراء والتجمع في شارع خارج مجمع السفارة الأمريكية, باعتبار ان السفارة الامريكية أثبتت أنها سفارة تآمر ضد العراق ( حسب تصريخ قيس الخزعلي ).

كما قذف المحتجون، الذين كانوا يرددون شعارات مناهضة للولايات المتحدة ويلوحون بأعلام (كتائب حزب الله) ، المجمع بالحجارة و وأضرموا النار في إحدى بوابات السور الرئيسي الأول لمبنى السفارة وأحرقوا عددا من نقاط التفتيش في السور وحطموا كاميرات المراقبة، وكتبوا شعارات تمتدح سليماني وخامنئي ونظام ولي الفقيه على سور السفارة، فيما نصبت مجموعة أخرى من المليشيات الخيم أمام السفارة معلنة عن محاصرتها للسفارة.

ان الولايات المتحدة الامريكية ارادت بضرباتها الجوية التي استهدفت مواقع (حزب الله العراقي)(1) وتحديدا في هذا التوقيت الحسّاس من عمر الأزمة التي يمرّ بها العراق منذ الأول من اكتوبر الماضي ان تخلط الاوراق وتُغير المعادلة لقهر إرادة التغيير الحقيقي وقلب المشهد السياسي رأسا على عقب ) لان التغيير ورحيل حكومة المحاصصة ليس في مصلحة امريكا ولا ايران.

اخيرا اقول : ان الولايات المتحدة الامريكية حاولت وتحاول ان تساند وتحمي الحكومة العراقية الحالية بكل نواقصها وفسادها وجرائمها كما تحاول بتحركاتها المشبوهة اخماد شرارة الثورة العراقية لانها (اي الحكومة الفاسدة الحالية )خيرمن بديل غير معروف وغير مسيطر عليه ) كما فعلت عام 1991 عندما تظاهرت بدعم المعارضة العراقية و ثم حمت النظام البعثي الفاشي من الانهيار والسقوط.

لن يتعافى العراق حتى يرحل الحكومة العراقية الحالية الموالية للجارة السيئة ايران، لن يتعافى العراق في ظل التدخلات الخارجية وعلى وجه الخصوص الإيرانية والأمريكية منها.

لن يتعافي العراق بدون تشكيل حكومة وطنية حقيقية تعبرعن ارادة الشعب العراقي , لان الحكومه الحالية هي حكومة فاشله ورئيسها فاشل والبرلمان فاشل ورئيسه للاسف فاشل.

ويبقى السؤال الاهم : هل تنقذ امريكا الحكومة العراقية من غضب الشعب كما انقذت وحمت صدام حسين من السقوط والانهيار عام 1991؟

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ أدرجت الولايات المتحدة الامريكية منذ عام 2009، ميليشيات حزب الله العراقي ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، وصنفت قائدها أبو مهدي المهندس على أنه إرهابي دولي , وحسب وزارة الدفاع الأمريكية إن كتائب حزب الله على صلة وثيقة بفيلق القدس الإيراني التابع للجنرال الإيراني الحاج قاسم سليماني، وهي ذراع العمليات الخارجية للحرس الثوري الإيراني .