قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

‏في قريةٍ صغيرةٍ بجنوب العراق، هناك حيث يتمايل النخيل على ضفاف دجلة لتغسل ضفائرها في النهر، تلك القرية الصغيرة تسمى «جيكور» بالقرب من مدينة «أبو الخصيب» جنوب البصرة، وكلمة جيكور أصلها فارسي، وتعني الرجل الأعمى، أو الجدول الأعمى. وربما كان يسكنها رجلٌ أعمى صاحب نفوذٍ كبير لذلك سميت باسمه.

في هذه القرية تحديدًا ‏ولد واحدٌ من أشهر شعراء الوطن العربي في 25 من ديسمبر من العام 1926م، الذي أصبح الشعر بعده ليس كما كان قبله، بل فتح بابًا جديدًا للشعر اعتبره بعض النقاد والشعراء المحافظين على الشعر التقليدي بابًا من أبواب الجحيم.
بينما اعتبره الكثير من الشعراء الآخرين ومحبي الشعر أنه فتح باب النعيم؛ إذ يعد الشاعر العراقي العظيم بدر شاكر السياب من أوائل من كتب الشعر الحر في الوطن العربي، وتبعته بعد ذلك نازك الملائكة.
‏كانت جيكور تسكن أعماق السياب، وتمثل في أعماقه كل أشكال الأصالة والتراث؛ إذ كتب فيها الكثير من الأشعار، وتغنى بحبه لها، وتفنن في وصفها؛ فقد ألقت جيكور ظلال سحرها في وجدان السياب، وما عداؤه للمدينة ولطريقة العيش فيها إلا حنينٌ مدفونٌ لجيكور.
‏كانت جيكور تمثل كل القيم والأعراف التي يتمثل بها السياب، في حين كانت المدينة في منظور السياب ألوانًا من الغربة والتشتت والضياع، الأمر الذي انعكس جليًا في أشعاره.
‏في قصيدته جيكور والمدينة يعكس ما يجول في وجدانه تجاه جيكور، وما تسلبه المدينة منها إذ يقول:
وتلتف حولي دروبُ المدينة
‏حبالاً من الطين يمضغن قلبي
‏ويعطين عن جمرةٍ فيه طينة
‏حبالاً من النار يجلدن عري الحقولِ الحزينة
‏ويحرقن جيكور في قاع روحي
‏ويزرعن فيها رماد الضّغينة
‏دروبٌ تقول الأساطيرُ عنها
‏على موقدٍ نام: ما عاد منها
‏ولا عاد من ضفّة الموتِ سار
دروبٌ تقول الأساطيرُ عنها
‏على موقدٍ نام: ما عاد منها
‏ولا عاد من ضفّة الموتِ سار
‏كأن الصّدى والسّكينة
‏جناحا أبي الهول فيها
‏جناحان من صخرة في ثراها دفينة
‏فمن يَفجُرُ الماء منها عيوناً لتُبْنى قُرانا عليها؟

‏لقد عاش السياب شاعرًا فذًا منذ نعومة أظفاره؛ فلقد لفت الأنظار إلى عبقريته الشعرية مبكرًا جدًا، وكان ظهوره لافتًا وجريئًا؛ إذ أحدث جدلاً واسعًا بإصداره لديوانه الأول «أزهار ذابلة» في العام 1947، وقد ضمن الديوان قصيدة «هل كان حبًا»؛ إذ كانت نقطة التحول في مساره الشعري مُحْدِثَةً جدلاً واسعاً جدًا؛ إذ كانت القصيدة من الشعر الحر، وعُدَّ أول شاعر عربي يطرق هذا اللون من الشعر، واعتبروه رائد الشعر الحر في الوطن العربي.
ولي تعليق بسيط على هذا الأمر وهو رأيي الخاص..
إنّ جدل الريادة حول الشعر الحر بين نازك الملائكة وبدر شاكر السياب جدل قديم، ولا سيما أنّ قصيدة "الكوليرا" لنازك نشرت في بيروت، ووصلت نسخها إلى بغداد في أول ديسمبر ١٩٧٤، أمّا ديوان «أزهار ذابلة» للسياب فقد احتوى على قصيدة حرة «هل كان حيًّا»، وصدر في الشهر نفسه.
‏أَحْسدُ الضوءَ الطروبا
‏مُوشكاً، مما يلاقي، أن يذوبا
‏في رباطٍ أوسع الشَّعرَ التثاما،
‏السماء البكرُ من ألوانه آناً، وآنا
‏لا يُنيلُ الطرفَ إلاّ أرجوانا
‏ليتَ قلبي لمحةٌ من ذلك الضوء السجينِ
‏أهو حبٌّ كلُّ هذا؟! خبّريني

كانت القصيدة محط جدلٍ واسعٍ بين النقاد خصوصًا من اعتبر منهم أن السياب حينها تأثر بالشعر العالمي، لكن السياب لم يلتفت لآراء النقاد، بل جعل هذا اللون من الشعر بستانًا ساحرًا من روائعه الخالدة.
‏كان السياب مثقفاً ومطلعًا على الأدب العالمي، وترجم الكثير من الأعمال العالمية، وممن ترجم لهم السيّاب الإسباني فدريكو جارسيا لوركا، ‏والأمريكي عزرا باوند، والهندي طاغور، والتركي ناظم حكمت، والإيطالي أرتورو جيوفاني، والبريطانيان ت. س. إليوت وإديث سيتويل، ومن تشيلي بابلو نيرودا.
‏كما ذُكر أن السيّاب كان يقول: «أكاد أعتبر نفسي متأثراً بعض التأثر بكيتس من ناحية الاهتمام بالصور؛ بحيث يعطيك كل بيت صورة، وبشكسبير من ناحية الاهتمام بالصور التراجيدية العنيفة، وأنا معجب بتوماس إليوت.. متأثر بأسلوبه لا أكثر، ولا تنسَ دانتي فأنا أكاد أفضّله على كل شاعر».

‏الليل يطبق مرةً أخرى فتشربه المدينة
‏والعابرون إلى القرارةِ مثل أغنيةٍ حزينة
‏وتفتّحت كأزاهر الدفلى مصابيح الطريق
‏كعيون ميدوزا تحجر كل قلبٍ بالضّغينة
‏وكأنها نذرٌ تبشر أهل بابل بالحريق

‏صَوَّرَ السياب حال الرافدين بتلك الحقبة بقصيدته الخالدة «المومس العمياء».. ‏كانت ملحمة شعرية عظمى اعتمد فيها على الرمزية لوصف مفاهيم عظمى؛ إذ صوّر حالة الفساد والتسلط في هذه القصيدة والمعاناة في العراق والمرارة والعوز والحاجة التي تجبر امرأةً عمياء أن تمارس البغاء حتى توفر قوتًا لصغارها!
‏الاستعارات مجازية، وجوهر القصيدة حديث نفسٍ بين الفتاة وذاتها ليعكس حالة الوجع المنتشرة آنذاك.
وكما تماهت عشتار مع العراق روحا وجوهرا ووجدانا تماهى المطر مع شاعرية السياب الفذة، إذ كان شعره ينهمر مطرا ورقة وعذوبة، كان شعرا أصيلا جدا وبين دجلة والفرات تدفقت قصائده تدفقًا أخاذا.
‏تتدلى عناقيد البصرة من نخيل شعره، ‏وكما كانت حدائق بابل معلقةً في السماء كذلك العراق كان معلقًا في شعر السياب، العراق كله بناسه وتراثه ونخيله وباديته ومدنه وكل تاريخه العريق يلمع من بعيدٍ في قصائد السياب.
‏لقد عاش السياب حياةً قصيرة الزمن.. ممتدة الأثر، لكنه جعلها منارةً للشعر والجمال والإبداع، ومات السياب ولكن شعره بقي خالدًا للأبد ‏متغزلاً بفاتنته الأبدية قريته جيكور:

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السَّحر
‏أو شُرفتانِ راح ينأى عنهما القمر

هكذا الرموز.. لها نصيب مفروض من الخلود، وتشيخ الشعوب ولا يشيخون.
غفر الله لك أيها السياب، وأدخلك الجنة من أوسع الأبواب.