قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

منذ توقيع اتفاقية السلام بين دولة الامارات واسرائيل في 13 أغسطس 2020، وهناك قناعة متزايد بأن تحقيق السلام والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط يحتاج إلى التفكير خارج الصندوق مثلما فعلت دولة الامارات حين اتجهت لاقامة علاقات تحرك المياه الراكدة في ملف الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، فضلاً عن مكاسب استراتيجية مشتركة للطرفين الاماراتي والاسرائيلي.

الحائط المسدود الذي يقف حجر عثرة في وجه أي محاولة دبلوماسية تقليدية لاستئناف المفاوضات، وحلحلة الجمود الذي يخيم على العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية، كل ذلك كان يتطلب تفكيراً من نوع جديد لبناء قناعات جديدة تسهم في تشجيع وتحفيز الجانب الاسرائيلي على التوجه نحو تسوية سياسية نهائية للصراع المزمن مع الفلسطينيين، وهذا مافعلته دولة الامارات تحديداً حين اتخذت قرارها العقلاني بشأن اقامة علاقات مع اسرائيل في هذا التوقيت تحديداً.

في هذا الإطار هناك تصريحان مهمان لابد من الاشارة إليهما أولهما يتعلق بتصريح مهم للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أكد فيه أن قرار مبادرة الرئيس الأسبق أنور السادات للسلام مع اسرائيل عكست قدرته على تجاوز أدبيات عصره، وأنها كانت خطوة تبدو للكثيرين غير طبيعية في وقتها ولكنه تجاوز المفاهيم المتداولة وقتذاك واطلق مبادرة للسلام اثبت الواقع الراهن أنها كانت سابقة لعصرها. والامارات تؤمن تماماً بهذا النهج القائم على استشراف المستقبل انطلاقاً من معطيات دقيقة ورؤية استراتيجية واعية تعي دروس التاريخ وتستطيع رسم خارطة طريق تمضي عليها الأجيال المقبلة وتحصد ثمارها. أما التصريح الثاني فقد ورد على لسان وزير الأمن الإسرائيلي، بيني غانتس، وقال فيه إن "اتفاقيات إبراهيم منعت ضم أراض فلسطينية بالضفة الغربية"، وقال غانتس: "حقيقة أننا منعنا الضم أحادي الجانب (لأراض فلسطينية) مكنت رؤية اتفاقات إبراهيم من أن تتحقق وتتجسد"، وهذا الحديث يتصدى لدعاة الفوضى والعنف، الذين شككوا في نوايا الامارات حين أكدت أن اتفاق السلام بمنزلة "شراء للوقت" لمصلحة الفلسطينيين من خلال تأجيل خطوات اسرائيلية كان يمكن أن تغلق أبواب الأمل تماماً في وجه جهود السلام.

ما يدفعني للحديث عن قناعتي بأهمية التفكير خارج الصندوق وحاجة منطقتنا إلى ذلك للخروج من الكثير من أزماتها هو الاهتمام المكثف من جانب أطراف عدة بتوسيع نطاق السلام بين اسرائيل والدول العربية، فإسرائيل نفسها ترى أنه من "واجبها" العمل على "تطوير جميع اتفاقيات السلام ومواصلة السعي من أجل السلام مع الفلسطينيين أيضا"، بحسب ماقال بيني غانتس، الذي أوضح أيضاً أن "إسرائيل تعمل على توسيع الاتفاقيات القائمة والسعي إلى اتفاقيات إضافية، ونعمل حالياً على تعزيز التعاون بين الدول الموقعة على معاهدة إبراهيم ودولة إسرائيل"، وهو توجه ايجابي يؤكد صحة الرهان على مدخل التعاون وصولاً للسلام.

هناك أيضاً أطراف أخرى بدأت تفكر بالطريقة ذاتها، وهي البحث عن مسارات وبدائل من خارج الصندوق، ومنها حديث جياني إنفانتينو رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الذي قال فيه إن توقيع اتفاقيات إبراهيم قد يؤدي في نهاية المطاف إلى مشاركة إسرائيل في استضافة كأس العالم لكرة القدم مع جيرانها العرب. وتساءل جياني خلال كلمة له في افتتاح مركز فريدمان للسلام: "لماذا لا نحلم بكأس العالم في إسرائيل والدول المجاورة؟ مع اتفاقيات إبراهيم لماذا لا نفعل ذلك هنا في إسرائيل مع جيرانها في الشرق الأوسط والفلسطينيين"؟ وهي بالمناسبة مجرد أفكار وتطلعات مستقبلية ترسم صورة ايجابية لمستقبل أفضل للجميع في منطقتنا من دون أن تعطي للجانب الاسرائيلي على سبيل الحصر أي ميزة تفضيلية كون المتحدث هنا مسؤولاً عن اتحاد رياضي دولي وليس منظمة دولية معنية بموضوع الصراع.

ولأن الأمر يتعلق في مثل هذه الحالات بجانب التسويق السياسي والعلاقات العامة، وهي أمور لم تعد رفاهاً بل مدخلاً مهماً لكسب التعاطف والدعم على مستوى الدول والحكومات والشعوب، فقد لفت انتباهي أن مشاركة رئيس الفيفا في الحدث قد أثارت غضب الجانب الفلسطيني الذي الغى على الفور لقاء كان مقرراً بين جياني وبين رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم جبريل الرجوب في رام الله، بينما انتقدت وزارة الخارجية الفلسطينية الحدث ذاته (افتتاح مركز للسلام)، وقد يكون لموقفها قدر ما من الوجاهة على الأقل من وجهة نظرها، ولكن المنطق في مثل هذه الحالات يغيب بسبب اللامنطق في الدفاع عنه، بمعنى أن الدفاع عن قضية عادلة يتم من خلال أساليب غير فعّالة أو غير مقنعة ! الرياضة أكبر من مجرد كرة تتقاذفها الأقدام أو الأيدي منذ أن لعبت دبلوماسية "كرة الطاولة" الدور الأبرز في تذويب الجليد بين الصين والولايات المتحدة والتمهيد لتدشين حوار سياسي فعّال في تجربة تحولت بعد ذلك إلى نموذج يحتذى به في العلاقات الدولية. صحيح أن هناك فوارق جوهرية بين حالات الأزمات والقطيعة من ناحية، وطبيعة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي من ناحية ثانية، ولكن التفكير خارج صندوق الحلول التقليدية يمكن أن يكون أرضية مشتركة ينطلق منها جميع الباحثين عن مخارج للأزمات.

الحاصل أن السلام في منطقتنا بات ـ كما يبدو لي في أحيان كثيرة ـ رهن معضلة "الدجاجة أولاً أم البيضة؟"، فالجانب الفلسطيني يتمترس وراء فكرة محددة هي ضرورة إحراز تقدم على صعيد اقامة دولة فلسطينية أولاً، وشريحة كبيرة من العرب والعالم ينطلقون من جاذبية وفاعلية التفكير خارج صندوق العثرات القائم، والالتفاف على الواقع المأزوم بمسارات بديلة تؤدي غالباً للهدف نفسه، وفي ظل الاخفاقات المتكررة للمسارات التقليدية وفي ظل الاصرار على رفض ماعداها، يبقى مصير الشعب الفلسطيني رهن رؤية أحادية ثبت للجميع أنها ليست طريقاً للسلام.