نعلم أن إيران بتسليحها ودعمها وتدربيها الفصائل الفلسطينية، لها مآرب أخرى غير الشعارات التي تعلن عنها في محافلها وخطب قادتها، ولا تختلف أجندتها في غزة عن أجنداتها في كل من سوريا ولبنان والعراق واليمن. ونعلم أن تبرؤها مما فعلته حماس في السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، يأتي خوفاً من أن تدخل الحرب أمام قوى عظمى قد تسحقها إن وجب الأمر. ونعلم أن سياسة تصدير الثورة الإسلامية هي في الحقيقة تصديراً للثورة الفارسية، التي تأمل طهران من خلالها أن تعيد بعث الإرث الاستعماري الفارسي، الذي دحره العرب قبل قرون، فهي تسعى لإعادة الامبراطورية الفارسية عبر توسيع نفوذها في الدول العربية المنهارة.

نعلم أنَّ لقادة الفصائل الفلسطينية المحاربة أو المنددة بالحرب أجندات سرية خاصَّة، قد لا تصب في صالح المواطن الفلسطيني البسيط أحياناً وقد تتماشى مع صالحه في أحيان أخرى، وما يحدث الآن من حرب شعواء يقابلها خلف الستار مفاوضات ونقاشات واتفاقات كثيرة حتى بين الأعداء في أغلب الأحيان.

نعلم أن أميركا والغرب لا يرغبان في قتل الأطفال وتشريد العائلات والشعوب، فهذا لا يصب في صالحهما، إلا أن الغاية من الدعم والجسور الجوية والفيتو الدائم منهما هو للمحافظة على إسرائيل كي لا تنهار، ويضيع معها أكثر من 70 عاماً من الدعم والمال والتخطيط المتواصل للحفاظ عليها. فلو "لم تكن إسرائيل موجودة لخلقنا إسرائيل" كما قال الرئيس الأميركي جو بايدن، فالميكافيلية المتبعة في هذه الحرب هي كي لا يمس أذى إسرائيل أو مواطنيها.

نعلم أن أغلب الجماعات الإسلامية منذ نشأتها تتاجر باسم الدين، وأنها فشلت في قيادة أي دولة وصلت إلى سدة الرئاسة فيها، ومن الأفضل للدول أن تتبنى الإسلام المعتدل نهجاً، وأن تستلهم القواعد الإسلامية منه، وسنها وتشريعها في قوانينها، وذلك خير من النظام الإسلامي في تشكيل الدول، ولنا المثال في إيران الخميني ومصر مرسي.

نعلم أن الحرب في غزة كان من الممكن تفاديها لو طبقت الشرعية الدولية، وذلك بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم المشروعة، إلا أن تمدد الاستيطان الإسرائيلي والهجمات الإسرائيلية على الضفة الغربية والمسجد الاقصى أديا بالفصائل للتحرك إثباتاً لوجودها، فقامت بهجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر) للوصول إلى إنهاء للاحتلال أو للوصول للخيار الأنسب لإنهاء القضية الفلسطينية، وذلك لتحقيق توازن المعادلة في أراضي فلسطين التاريخية.

إذن نحن نعلم كل ذلك ولكن، إن دعم المواطن العربي لمقاتلي الفصائل الإسلامية في غزة ليس حباً بالإسلاميين، فالمواطن العربي البسيط هو كالمقاتل الفلسطيني البسيط؛ هذا يقاتل ويقصف ويحاول أن ينتصر دون علمه بكل ما سبق، وذاك يدعم ذلك المقاتل دون علمه أيضاً بما خلف الستارة. والحقيقة أن سياسة تصدير الثورة الإيرانية أو أسرار القادة الخفية أو فحوى دعم الغرب لإسرائيل أو الإسلام السياسي بمجمله لا يهم المقاتل الذي يقاتل في سبيل أرضه وعائلته وشرفه ودينه، فهو لا يقاتل من أجل قائده، ولا يقاتل من أجل المال، بل من أجل تحرير وطنه الذي سلب منه. إن دعم المواطن العربي للفصائل المقاتلة نابع من إحساس عربي أصيل بوجوب مقاومة الظلم والاحتلال والهيمنة الغربية. هذا ما نفهمه نحن.

انقسم العرب في الحرب الأخيرة إلى قسمين، الأول يعارض الحرب والثاني يؤيدها. المُعارض لا يرى أن ثمة جدوى من الحرب لأنه يعلم ما نعمله، وما يحاك خلف الستار، والمؤيد يدعم المقاتلين ويحيي أفعالهم، ولا يهمه الخسارة بالقدر الذي يهمه أن يؤلم إسرائيل بأي وسيلة كانت، والنتيجة بالنسبة له معروفة مسبقاً.

لكن ما نعلمه حق العلم أن هناك ظالم ومظلوم، وهناك محتل وواقع تحت الاحتلال، وبعيداً عن الأجندات الخفية والسياسيات غير المعلنة، يقول كل أحرار العالم ومحبو العدل والإنصاف أن هناك شعب يجب أن يعطى الحق في تقرير مصيره، وأن يحصل على دولة مستقلة، وأن يعيش بسلام، وأن يعود أبناؤه اللاجئون من مخيمات الشتات إلى وطنهم الأصلي فلسطين. هذا ما نعلمه إلى حد الآن، بغض النظر عما تخفيه الغرف السوداء وما يسرب من تحت الطاولة.