غصن الزيتون والبندقية هي العبارة الشهيرة التي قالها الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في خطابه بالأمم المتحدة. قال حينها، مخاطبًا المجتمع الدولي: جئتكم بغصن الزيتون والبندقية، فلا تجعلوا غصن الزيتون يسقط من يدي، تعبيرًا عن رغبته في سلوك طريق السلام وترك خيار الحرب. هذه العبارة جعلت القضية الفلسطينية تدخل منعطفًا كبيرًا، وأحرجت زعماء العالم لكي ينتبهوا إلى مظلومية شعبٍ محبٍّ للحياة كانوا يكنونه بالإرهاب. فهي رسالة حضارية عرف ياسر عرفات كيف يوظفها، ويرمي الكرة في ساحة المجتمع الدولي بصوته لا ببندقيته.
بالحقيقة، هي عبارة مأخوذة تاريخيًا بشكل مختلف من قول الوالي الأموي الحجاج بن يوسف الثقفي، عندما خاطب أهل العراق بعد تنصيبه واليًا من قبل الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان على العراق. قال الحجاج حينها: لقد جئتكم بسيفين، سيف للرحمة وسيف للنقمة، لكن سيف الرحمة سقط مني ولم يبق بيدي إلا سيف النقمة، فأحذروني.
الفارق بين خطاب ياسر عرفات وخطاب الحجاج هو أن الأول يطلب حق شعبه في الحياة، والثاني يطلب حق سلطته وجبروته وطاعته، وهو الفارق بين المظلوم والظالم. بعض الأمم وبعض الشعوب تحمل غصن الزيتون والود والمحبة، ولا تطلب مقابل ذلك إلا السلام وحقوق العيش بكرامة، لكن الرد دائمًا يأتيهم قاسيًا ومؤلمًا ومهينًا، ويتم أخذ غصن الزيتون من أيديهم وسحقه في الأرض. وعندما يرفعون البندقية يُسمّون إرهابيين، وقد يتعرضون للإبادة. وخير مثال على ذلك الأمة الكردية التي تطالب بحق العيش الكريم فيُعطونها الموت.
عندما لا يكون غصن الزيتون هو الحل، ولا تكون البندقية هي الحل، لا بد من وجود حل ثالث. نعم، في هذا العصر الحل الوحيد هو صرخات الشعوب، صرخات المظلومين، فكلما علت زاد أثرها. من حق الشعوب أن ترفع البندقية عندما تتيقن بأن البندقية هي الحل، لكن البندقية التي تجلب الويلات على الشعوب هي بندقية ذات فوهة معكوفة على صدور أبناء ونساء تلك الشعوب، ولا خير فيها.
اليوم أصبحت المجتمعات قرية صغيرة بفضل تكنولوجيا الاتصالات والإنترنت، ولم يبقَ للشعوب أي عذر ألّا تصرخ وتوثّق صرخاتها لنشرها إلى جميع الأمم. فعندما تتحرك ضمائر الأمم والشعوب، سيتحرك العالم كله للوقوف إلى جانب هذه الشعوب التي تصرخ. كلنا شاهدنا عبر منصات التواصل الاجتماعي والتلفزة كيف أن ضفيرة شعر امرأة كردية حرّكت الضمير الإنساني، وخلقت حالة من القلق عند الحكومة السورية. هذه الضفيرة الصغيرة كان لها صدى أكبر من صدى ألف بندقية، كانت صرخة من الأعماق هزّت الضمير الإنساني.
هكذا هي الصرخات المطلوبة، لا أن تُحرَق المحال التجارية وتُخرَّب المباني. بالأمس القريب، كلنا سمعنا صرخة الفتاة الكردية في إيران، مهسا أميني، التي تحولت إلى موجة احتجاجات عارمة في جميع أنحاء العالم، شوّهت صورة النظام الإيراني وجعلته يندم ويعتذر. يجب عدم الاستهانة بصرخات المظلومين، فقد تكون صرخة أو صرختين تقلب الأمور رأسًا على عقب.
الظالمون تعلموا كيف يسحقون غصن الزيتون، وتعلموا كيف يُسكتون بنادق المظلومين، وتعلموا كيف يكمّمون أصوات وصرخات المظلومين. هنا يأتي دور الثقافة والمثقفين والعقلاء وأصحاب الفكر في كيفية إخراج الصرخات إلى العلن وخلق صدى مدوٍّ لها، لا أن يقوم هؤلاء المثقفون بالتحريض على التمرد والموت، وهذا للأسف هو ما تعود عليه مثقفو جيلنا، فكان سببًا لانتكاسات الشعوب وآلامهم فوق انتكاساتهم، كما حصل لسكان غزة. وأخيرًا، يجب ألّا تتحول لغة المطالبات الحقة إلى لغة الكراهية عند الشعوب، فتصبح عذرًا للانتقام والعداوة والبغضاء.


















التعليقات