في تاريخ الأمم، تمر لحظات فارقة لا تُصنَّف كمجرد مواقف عابرة، بل كوثائق تؤسِّس لمراحل تاريخية كبرى. ومنذ ذلك اللقاء الشهير في أيار (مايو) 2017، حين تحدّث صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، مع الإعلامي داود الشريان، والعالم يشهد ولادة عصر "الوضوح الاستراتيجي". لم تكن كلمات سموه مجرد ردود دبلوماسية، بل كانت إعلانًا عن "عقيدة الندية" التي جعلت من الرياض اليوم "قوة عظمى في طور النضج الكامل".
الصدقية السيادية: معادلة القول والفعل
يرتكز النموذج القيادي السعودي على مبدأ أخلاقي وسياسي صارم: "أن نفعل ما نقول". في عالم تعاني فيه الدبلوماسية من أزمات الثقة، تبرز الصدقية السعودية كـ "عملة صعبة" وقوة ناعمة صلبة في آن واحد. فحين تلتزم الرياض، يطمئن السوق العالمي وتستقر التوازنات الجيوسياسية؛ إنها ممارسة لسيادة القوة التي لا تستمد شرعيتها من القبول الخارجي، بل من الاتساق المطلق بين الرؤية والتنفيذ. إنه منطق "الرجل الذي يطابق فعله قوله".
هندسة الندية وفصل المسارات
عندما قال سمو ولي العهد: "أي دولة في العالم نجلس معها، نعرف ما هي مصالحنا ونعرف ما هي مصالحهم، ونقدِّر مصالحهم، ويقدِّرون مصالحنا"، كان يضع حجر الزاوية لـ "الدبلوماسية الندية". هي رؤية تتجاوز أنماط التبعية التقليدية، وتنتقل إلى مربع الشراكة الذكية القائمة على "فصل المسارات" الاستراتيجي.
المملكة اليوم تدير ملفاتها بذكاء واقتدار؛ فالاختلاف في وجهات النظر السياسية لا يعني بالضرورة قطيعة اقتصادية، والتعاون في الطاقة لا يعني التماهي الأيديولوجي. هذا التوازن الديناميكي سمح للمملكة بالتحرّك بمرونة استثنائية، محوِّلةً التحديات الجيوسياسية إلى فرص للهندسة السيادية.
الندية كأداة للفرز الدولي
لقد تجاوزت المملكة مرحلة البحث عن الاعتراف الدولي لتنتقل إلى مرحلة "صناعة المعايير". الرياض اليوم هي من تحدِّد جودة الشراكات؛ فالثقة تُمنَح لمن يحترم السيادة ويقدِّر المصالح المتبادلة، وتُسحَب ممن يقتات على الأيديولوجيا أو سياسات التدخل. إنها استعادة للأنفة العربية في قالب عصري؛ سياسة القائد الذي يواجه العالم بقلب ثابت، لا ينحني للضغوط ولا ينجرف خلف الوعود الزائفة، بل يسير ببوصلة وطنية تحمي "الإنسان والمكان".
خاتمة
الرياض اليوم لا تطلب الثقة من أحد، بل هي من تمنح الثقة للنظام الدولي، مستندةً إلى إرثٍ حضاريٍّ كونيّ وعقيدة نديّة انتهجتها القيادة، مما جعلها "قوة عظمى في طور النضج الكامل"؛ فمن يملك "عراقة الجذور" يملك شجاعة قيادة "المستقبل".
























التعليقات