لم يكن تنظيم داعش، منذ لحظة ظهوره، ظاهرة أمنية معزولة أو انفجارًا أيديولوجيًا طارئًا، بل نتيجة مباشرة لاختلالات سياسية عميقة، وفشل مزمن في بناء الدولة، وتقاطعات إقليمية ودولية تعاملت مع الفوضى باعتبارها أداة إدارة لا خطرًا وجوديًا. واليوم، مع دخول سوريا مرحلة من الاستقرار السياسي النسبي، وعودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة في العراق، تفرض التحوّلات الجارية إعادة طرح سؤال جوهري: هل انتهى دور داعش فعلًا، أم أننا أمام مرحلة جديدة من إعادة تموضعه بوظائف مختلفة وساحات أخرى؟

من التهميش إلى التمدّد: السياق الذي أنجب داعش
يصعب فهم الصعود السريع لداعش في العراق وسوريا دون العودة إلى السياق السياسي الذي سبق تمدّده، ولا سيما خلال الولاية الثانية لنوري المالكي. فقد أسهمت سياسات الإقصاء، وتآكل الشراكة الوطنية، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات صراع داخلي، في إنتاج بيئة مثالية لعودة التنظيمات المتطرفة. ومن ثمّ، فإن تنظيم داعش لم يكن تنظيمًا خارقًا بقدر ما كان مستفيدًا من فراغ سياسي وأمني، ومن شعور واسع بالظلم وفقدان الثقة بالدولة.

ومع اندلاع الثورة السورية وتحولها إلى صراع مسلح مفتوح، وجد التنظيم فرصة تاريخية للتمدد العابر للحدود، مستفيدًا من انهيار منظومات الضبط، ومن تداخل الحسابات الإقليمية والدولية، حيث جرى في مراحل معينة التعامل مع وجوده بوصفه شرًا يمكن توظيفه قبل أن يتحول إلى تهديد شامل.

الهزيمة العسكرية: نهاية مرحلة لا نهاية الظاهرة
انتهت المرحلة الأولى من دور داعش مع هزيمته العسكرية في سوريا والعراق، غير أن هذه الهزيمة لم تكن نتاج معالجة جذرية لأسباب التطرف، بل جاءت بفعل تدخل عسكري كثيف قادته الولايات المتحدة، اعتمدت فيه بشكل أساسي على قوات سوريا الديمقراطية. ومع انتهاء المعارك الكبرى، برزت إشكالية جديدة: ماذا بعد داعش؟ فالقوة التي أُنشئت لهزيمة التنظيم تحوّلت إلى عبء سياسي وأمني في مرحلة ما بعد الحرب. ومطالبة واشنطن بدمج قوات سوريا الديمقراطية في بنية الدولة السورية الجديدة تعكس تحولًا في الأولويات الأميركية، من إدارة الصراع إلى محاولة الخروج المنظّم منه، حتى لو تطلّب ذلك إعادة ترتيب التحالفات وطيّ ملفات كانت تُعدّ، حتى وقت قريب، غير قابلة للمساس.

نقل معتقلي داعش إلى العراق: توسيع مسرح الخطر
في هذا السياق، لا يمكن قراءة قرار نقل أعداد من معتقلي داعش من شمال شرق سوريا إلى العراق بوصفه إجراءً تقنيًا أو لوجستيًا فحسب. فهذه الخطوة تحمل دلالات أعمق، إذ تعيد تعريف مسرح الخطر نفسه. فالعراق، في ظل هشاشة سياسية متجددة واستقطاب مجتمعي مزمن، لم يكن تاريخيًا ساحة احتواء ناجحة للتنظيمات العابرة للحدود، بل شكّل في مراحل عديدة نقطة إعادة تصدير للفوضى.

القلق الحقيقي لا يتصل فقط بإمكانية إعادة تنشيط خلايا داعش داخل العراق، بل بإمكانية تحوّل البلاد مجددًا إلى ممر استراتيجي نحو بيئات أكثر حساسية في الإقليم، وعلى رأسها الخليج العربي. فالجغرافيا، وتشابك المصالح، وسهولة الحركة غير النظامية، تجعل من أي خلل أمني عراقي مسألة إقليمية بامتياز، لا شأنًا داخليًا معزولًا.

داعش والاقتصاد: حين يصبح النفط سلاحًا
هذا الاحتمال ليس جديدًا في أدبيات التنظيم. فقد تناولت مرجعياته الفكرية، وعلى رأسها كتاب إدارة التوحش، هذه المسألة بوضوح مُلفِت. ومن الضروري القول إن هذا الكتاب ليس محض نص أيديولوجي مجرد، بل وثيقة عملياتية درستها أجهزة استخبارات إقليمية ودولية بجدية عالية. فهو يحدد أن الهدف النهائي للتنظيم لا يكمن في السيطرة على مناطق منهكة، بل في ضرب مراكز الثقل الاقتصادي العالمي.

بناءً على ذلك، فإن داعش، من منظور اقتصادي واستراتيجي، لا ينظر إلى النفط بوصفه موردًا ماليًا فقط، بل بوصفه سلاحًا جيوسياسيًا. إذ يتحدث إدارة التوحش صراحة عن استهداف منشآت الطاقة الكبرى، وعلى رأسها أرامكو، باعتبار أن تعطيل إنتاج النفط السعودي لا يعني ضرب دولة بعينها، بل إحداث صدمة هيكلية في النظام الاقتصادي العالمي.

في سيناريوهات كهذه، لا يكون الهدف تحقيق مكاسب ميدانية، بل رفع أسعار الطاقة إلى مستويات غير مسبوقة، بما قد يدفع سعر البرميل، نظريًا، إلى أرقام تتجاوز 500 دولار. وعليه، فإن وقوع مثل هذا الاضطراب لا يعني أرباحًا ظرفية لبعض المنتجين، بل انهيارًا كبيرًا في سلاسل التوريد، وتضخمًا عالميًا، وارتفاعًا حادًا في الطلب على السلاح، وعلى الحماية الأمنية، وعلى التدخلات العسكرية. وهي بيئة مثالية لاقتصاد الفوضى الذي تتغذى عليه التنظيمات المتطرفة، وتستثمره القوى التي ترى في عدم الاستقرار أداة لإعادة تشكيل الأسواق وموازين القوة.

هل كان استنزاف داعش مقصودًا؟
من هذا المنظور، يمكن قراءة إطالة أمد الحرب في سوريا، في مرحلة من المراحل، كعامل ساهم، بقصد أو من دونه، في استنزاف داعش داخل ساحات بعيدة نسبيًا عن مراكز الطاقة العالمية، وتأجيل انتقال التنظيم أو تحوّله إلى مسرح أكثر حساسية وخطورة. أما اليوم، ومع الحديث عن طيّ ملفات كبرى في سوريا، وإعادة ترتيب خرائط النفوذ، فإن تفريغ السجون وإعادة توزيع المقاتلين يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهديد المتنقّل، لا الدولة المتطرفة.

رسالة هادئة إلى الخليج: الاستثناء ليس دائمًا
بالنسبة إلى دول الخليج، فإن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس عودة داعش بالشكل الذي عرفناه، بل افتراض أن الاستقرار الحالي هو حالة دائمة. فقد شكّل الخليج، خلال العقود الماضية، استثناءً نسبيًا من موجات الغليان التي اجتاحت الإقليم، بفضل مزيج من القوة الاقتصادية، والضبط الأمني، والعلاقات الدولية المتوازنة. غير أن التحولات الجارية تفرض إعادة نظر هادئة في هذا الافتراض.

وعليه، فإن استقرار الخليج، بوصفه ركيزة أساسية في استقرار النظام الاقتصادي العالمي، قد يتحول إلى عامل جذب لأي مشروع فوضوي يسعى إلى تعظيم الأثر بأقل كلفة. ومن ثمّ، فإن التحدي الحقيقي أمام النخب الخليجية لا يكمن في الرد الأمني، الذي أثبت فعاليته، بل في الاستثمار المبكر في مقاربة إقليمية شاملة، تربط الأمن الطاقي بالأمن السياسي والاجتماعي في المشرق العربي ككل، وتعالج جذور التطرف قبل أن تصل إلى حدودها.

خلاصة الخلاصة: ما بعد داعش يبدأ بالدولة
إنَّ إنهاء داعش فعليًا لا يمر عبر السجون ولا عبر الضربات الجوية، بل عبر بناء دولة عادلة، وجامعة، وقادرة على استيعاب مواطنيها. إن سوريا الجديدة اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تنجح في تفكيك بيئات التطرف عبر عقد اجتماعي جديد، أو أن تترك ثغرات يُعاد من خلالها تدوير العنف بأسماء مختلفة.

أما العراق، فإن العودة إلى السياسات القديمة، تحت أي مسمى، تعني أن التاريخ قد لا يعيد نفسه فقط، بل قد يفعل ذلك بكلفة أعلى، وبساحات أوسع. فداعش ليس قدرًا، لكنه أيضًا لم يأتِ من صدفة، وما سيأتي بعده سيتحدد من خلال قدرتنا على قراءة الدروس، لا بتجاهلها.